نبيل أديب أثار القبض على الدكتورة / مريم الصادق المهدي ونقلها إلى سجن النساء في أمدرمان وما ينذر به ذلك من فترة متطاولة من الإحتجاز، عاصفة من الإحتجاجات من جانب المعارضين، 

ومن السفارات الخارجية والجهات المعنية بحقوق الإنسان في الداخل والخارج. لا أعتقد أن تلك الإحتجاجات قد فاجأت الحكومة فهو أمر متوقع بالنسبة للموقع الذي تحتله الدكتورة في العمل العام، مما يجعلنا نتساءل هل تجد حكومتنا أي درجة من الإشباع في تلقي الإحتجاجات؟ وإذا كان ذلك كذلك، ألا يكفيها ما تتلقاه من إحتجاجات بالنسبة لما لا تفعل، كبقائها مكتوفة الأيدي أمام الأمطار، وتصاعد الدولار، حتى تبحث عن مزيد من الإحتجاجات بما تفعل؟

الإحتجاج على إعتقال الدكتورة كان متوقعاً، ليس لأنها فوق القانون، بل لأن ما قامت به لايمكن أن يكون مخالفاً للقانون ــــ ليس في دولة ديمقراطية على أن حال ــــ والحكومة تزعم أننا في دولة ديمقراطية. الدكتورة / مريم الصادق هي نائبة رئيس حزب الأمة، وهو حزب من الأحزاب الكبيرة في هذه البلاد،  إن لم يكن أكبرها، وكون أنه خارج البرلمان هي مسألة متعلقة بكيفية وصول الحزب الحاكم للسلطة، وتمسكه بها، وليس بشعبية حزب الأمة.  إذاً فهي في موقع مرموق على الصعيد السياسي يلزمها بأن تكون في قلب الحركة السياسية لطرح برامج حزبها والعمل على تنفيذها. ما قامت به مريم الصادق وأدى للقبض عليها هي أنها شاركت مع وفد من حزبها في إجتماع مشترك مع الجبهة الثورية وقد تم توقيع بيان مشترك بما توصل إليه الطرفان. فهل يقع ذلك تحت طائلة القانون ؟ 

لاشك أن الإجتماع بقيادات أو أعضاء الحركات المنشقة المسلحة، لايقع تحت طائلة القانون، إلا إذا هدف لمساعدة تلك الحركات في مجهودها الحربي ضد الحكومة. أما لو كان بغرض دفعها للتراجع عن القتال كوسيلة لتحقيق أهدافها، ولإستعاضة عنه بالوسائل الدستورية المقبولة، فإن ذلك لايخالف القانون في شئ. الإجتماع الذي حضرته الدكتورة / مريم والذي إنتهى بإعلان باريس، قد توصل لمبادئ ترفض الحرب كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية، وتدعو للسلام، وتحقيق التغيير السلمي للتوصل للحرية، وتكريس دولة المواطنة، وهي أهداف تبناها الدستور ودعا إليها السيد / رئيس الجمهورية في خطاب يناير من هذا العام. فهل هنالك قانون يعاقب على الدعوة لتلك المبادئ ؟

ليس من الضروري أن تؤيد أعلان باريس لتستنكر إعتقال الدكتورة/ مريم، فإعلان باريس هو طرح سياسي يمثل رأي من وقع عليه، وهو طرح مشروع، ولكنه ليس بالضرورة صحيحاً سياسياً، وما ذكرته الحكومة لرفض  الإعلان لا يطعن في مشروعيته. الحكومة لاتستطيع أن تحتكر حق محاورة الحركات المنشقة وإن كانت تحتكر حق تمثيل الدولة في أي إتفاق معها. إذا كانت الحكومة تطرح الحوار كسبيل للخروج بالبلاد من واقعها المأزوم، فإن ذلك لايجب أن يقتصر على الحوار معها، بل هو حوار يجب أن تنخرط فيه كل القوى السياسية الفاعلة مع بعضها البعض ، سواء كان ذلك في وجود الحكومة، أو في غيبتها، وسواء كانت الأفكار التي تطرح فيه ويتم تبنيها مقبولة للحكومة، أم لم تكن، لأن الحوار يتطلب وجهتي نظر على الأقل. يقول رومان رولان (لا تستطيع أن تناقش شخصاً لايبحث عن الحقيقة بل يدعي أنه يمتلكها ) فما بالك بشخص يودعك السجن إذا خالفته في الرأي.  هل تستطيع ذلك ؟