د.ناهد محمد الحسن لقد سرقت المنافي من السودان روحه النابضة، اذ هجّرت عنوة مئات الفنانين التشكيليين والموسيقيين والمسرحيين والمغنيين...الخ. لقد اتاحت لي رحلتي الأخيرة الى امريكا فرصة ان أخطو الى عالم الفنان التشكيلي الشافعي دفع الله. 

والذي غيبته المنافي لأكثر من ثلاثة عشر عاما دون ان تصادر حقه في الحلم بسودان مختلف. كما لم تؤثر على انتمائه لبلده او انشغاله بقضاياه. قضى الشافعي في صحبة قبائل الأمبررو عامين معيدا سنة الفنّان الحقيقي الذي لا يكتفي بالخيال ولكن بالمعايشة الحقيقية لشعوب ظلت تعاني العزلة الثقافية من الآخر. نقل تجربتها الملونة وحضارتها العريقة المسالمة الينا عبر اللون والنحت. فحاز على جائزة الريشة الذهبية! لكن ضاعت تماثيله في فضاء الغربة المادي الذي لا يحتمل كلفة الفن الباهظة. حين شتتت الحرب قبائل الامبررو! اضرب الشافعي عن الطعام لعشرة ايام كاملة امام البيت الأبيض محاولا ان يعبر بقيم اللاعنف التي ينتهجها عن رفضه للحرب والدمار. ثم عبر الحدود عاد الشافعي ادراجه لا ليتنزه في حدائق الخرطوم بل ليشارك الضحايا من شعبه في جبال النوبة والنيل الازرق معاناتهم عبر تدوين حكايات الحرب بالتركيز على معاناة الأطفال والكبار والنساء. فجاء فيلمه الوثائقي (واقالا أو واجالا) توثيقا لحكاية احدى نساء النيل الأزرق التي انجبت طفلتها تحت أزيز الطائرات ورعب الأنتنوف. وهي تزحف نحو احدى خيران المياه في خور يابوس بالنيل الأزرق. وقد سمت وليدتها (واجالا) تيمنا بالخور. ان حكاية زينب كحكايات الاف النساء والاطفال الذين شردتهم الحرب وافقدتهم الاحساس بالأمان وجردتهم من أبسط احتياجاتهم الانسانية. ذكرتني حكايتها قصة ميري نياولانق التي انجبت طفلتها تحت وابل من الرصاص ابان حرب الجنوب. حيث توسدت ميري كلاشها ريثما تلد طفلتها دون دعم في دغل قريب. قطعت ميري نياولانق حبلها السري وحملت وليدتها الآف الكيلومترات عبر الحدود الى أقرب معسكر لاجئين بيوغندا. تعمل الآن ميري في منصب مرموق بإحدى وزارت دولة جنوب السودان . التقيتها ذات نهار ولازلت اذكر ابتسامتها التي تحاكي شمس النهار على خط الإستواء. امرأة تشعر في كنفها بالأمان على طريقة قادرة على كل شيء. مضت الحرب بحكايات الرجال وهم يتقاتلون على الثروة والسلطة وغبار البارود وكل ما يفرقهم. وتركتنا وميري وزينب نتقاسم شقاء الحروب ونكبات الأرحام. حكايات النساء والحروب لم تحكى بعد. فطوبى لشافعي واصدقاءه وكل من تكبّد عناء الرحلة الى تلكم الأحراش المتقدة بالرصاص ليدون صوت الضحايا عن كثب. ففي غياب الاعلام المسئول والشفافية المطلوبة توارى الحقيقة الثرى. وبفضل شافعي والاعلاميون الذين رافقوا الحروب عبر التاريخ وجدت الحقيقة طريقها الى قلوب الناس وعقولهم فأنصفت الشجعان وفضحت السفاحين في كل زمان ومكان.

الى زينب خور يابوس وابنتها واقالا.. والى ميري نياولانق:

زيي وملزّمة كوم هموم/ ماقمتي ربّوك بالدّلع/ ماكنت شفتك بالعيون/ ولا عرفتك بالسمع/ لكن رعيتك في الضمير شكليش يوحّدنا الوجع/ جاتك مواعيد ولدتك في الزيفة والخوف دون أهل/ ومن فوقك انفتح الرصاص/ والغربة والجوع والمحل/ لا قادرة تدعمي شان جناك/ لا قادر يعفيك الأجل/ يا صابرة صبرا يلحقك/ يقطينة والحوت في البحر/ الكان معاك وصبرك/ يبراك لي آخر محل.

فيلم واجالا جدير بالمشاهدة، يمكن مشاهدته على الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=wOTWJsKwR58