محمّد جلال أحمد هاشم* فضلاً عن هذا، فاللواط ليست له عقوبة محدّدة في الشّريعة الإسلاميّة حتّى يتباكى عبدالله على تحليله دون تجريمه ـــ هذا لو كان نقديّاً في معالجته للأمر بدلاً من بذله للمسلّمات من منبر العلم.

فقصارى ما قاله القرآن في هذا الصّدد هو ما جاءت به الآية: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهُنّ أربعةً منكم فإن شهدوا فامسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلا(15) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنّ الله كان توّاباً رحيما (16)﴾ [النّساء: 15-16]، ولهذا ذهب أبو حنيفة إلى الحبس عقاباً للنّساء المساحقات، بينما عقوبة اللاّطةِ عنده الإيذاء بغليظ القول ومثله. من المعروف أنّ هناك مرويّات من الحديث منسوبة إلى النّبيّ، إلاّ أنّها جميعاً ضعيفة. فجميع أحاديث الرّسول «… التي تنكر اللواط وتقرّر لفاعليه حدوداً، مطعون في صحّتها. فحديث ‘أخوف ما أخاف عليكم عمل قوم لوط’ ولعن من فعلها ثلاثاً، قال عنه التّرمذي غريب. أمّا حديث: ‘من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به’ أنكروا سنده عن عكرمة عن ابن عبّاس، وقالوا إنّ فيه اختلافاً. وحديث: ‘سحاق النّساء بينهنّ زنى’ قالوا إنّ إسناده ليّن. وحديث: ‘إذا ركب الذّكرُ الذّكرَ اهتزّ عرش الرّحمن’ وُصف بأنّ إسناده واهن، ليّن، موضوع؛ وحديث ابن عبّاس: ‘إنّ اللوطيَّ إذا مات من غير توبةٍ فإنّه يُمسخ في قبره خنزيراً’، وُصف راويه بأنّه يروي المناكير، وأحد مصادره إسماعيل بن أمّ درهم لا يُحتجُّ به، ووصف ابن الجوزي هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة» (أُلفت يوسف، 2009: 214). إذن، فقد اختلف الفقهاء في تحديد عقوبة اللواط وإذا ما كانت حدّاً من حدود الله أم تعزيراً؛ فهناك من ذهب إلى أنّ عقوبتها توازي وتساوي عقوبة الزّنا، ومنهم، على سبيل المثال، سعيد بن المسيّب والأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النّخعي والحسن البصري والإمام الشّافعي والإمام أحمد وتابعوهم مثل ابن تيمية وابن قيّم الجوزيّة وآخرون. كما اختلف هؤلاء في حال كان المفعول به عبداً أو أمَةً، وحتّى في حال كانت الزّوجة. أمّا أشهر الذين قالوا بعدم حدّيّته وتعزيره، فمنهم الحاكم والإمام أبو حنيفة بحجّة أنّه معصية من المعاصي لم يحدّد الله ولا رسوله عقوبةً بعينها له (انظر عبد الرّحمن الجزيري، 2003، الفقه على المذاهب الأربعة، مج 5: 141).

ربّما لهذا الاضطراب في نوع العقوبة وتحديدها، لم يضع حسن التّرابي أيّ عقوبة للّواط في القوانين الإسلاميّة التي كان قد أعدّها كبديل لقوانين سبتمبر عندما كان نائباً عامّاً إبّان الدّيموقراطيّة الثّالثة ضمن تشكيلة حكومة الوفاق الوطني (1987م ـــــ 1988م)، هذا مع تشديده في عقوبة الزّنا، حيث أبدلها بالإعدام، مخالفاً مشهور الشّريعة في حكمها بالرّجم. وكان ممّا دفع به (في ردّه لأحد الوزراء المستفسرين) أنّ الزّنا يذهب بالأنساب (وهو رأي الرّازي)، بينما اللواط ليس شيئاً خطيراً كونه يدخل في باب اللعب بالجسد. بهذا انطبق عليه قولّ الشّاعر ابن أبي نديم في القاضي العبّاسي يحي بن أكثم:

قاضٍ يرى الحدَّ في الزِّناءِ ولا ** يرى على من يلوطُ من باسِ

ما أحسَبُ الجورَ ينقضي وعلى **  الأمّةِ والٍ من آلِ عبّاس

دخلنا في هذه المناقشة لنكشف تنكّب عبدالله علي إبراهيم محجّة النّقد والتّحليل الغرّاء، وهو من فرسانها، تفضيلاً منه الانطلاق من المسلّمات دون مساءلتها. فالشّريعة، في بعض ألفاظه، تبدو عنده كما لو كانت مجموعة قوانين واضحة، وهو الوهم الذي ركب الإسلاميّين ــــ ولا يزال يركب الكثيرين منهم بطول الشّعوب المسلمة. هذا بينما في ألفاظ أخرى، نجده يتكلّم عن أنّه كان الأولى والأسدى أن تُمنح الشّريعة فرصتها الكافية كيما تتطوّر وتنمو. وبين الموقفين من التّناقض ما يغري النّاقد ويوغر صدر العلم لدى أرحب البحّاثة فهماً. فهو، بدلاَ من أن يقف أحد الموقفين، نراه يجمع بينهما، كما لو كان يصدع بالأوّل، بينما يتوقّى بالثّاني. ولعمري، ليس هذا من صنعة الباحث المدقّق في شيء؛ فنحن هنا لسنا بإزاء عبدالله الباحث والمحقّق، بل عبدالله الأيديولوجي الذي يريد للعروبة والإسلام أن يسودا في السّودان ولو ذهب جنوبه وغربه وشماله وشرقه، فلا يبقى غير جزيرة صغيرة في منتصفه ليس فيها من يرى نفسه بغير ما يرى عبدالله علي إبراهيم نفسه. وهذه أيديولوجيا لها أنصارها من قبيل الذي هلّلوا وذبحوا الذّبائح ابتهاجاً بفصل الجنوب.

لقد سعى الاستعمار الإنكليزي إلى الحدّ من ممارسة اللواط بسنّ القوانين التي تجرّمه، دون أن يكون هذا مطلوباً منه. إذ ماذا نتوقّع من حكم استعماري غير أن يدفع بالبلاد إلى هاوية التّحلّل والفسوق! بيد أنّ شيئاً من هذا لم يحدث، إذ هي الأوضاع التي وجد فيها المجتمع، فلم يُرِد أن يتدخّل إلاّ إذا كان هذا التّدخّل سوف يدفع نحو تيسير مهمّته في نهب ثروات البلاد. ولا طائل من تعريض عبدالله علي إبراهيم بالقانون الإنكليزي وعدم ترخّصه في تحليل اللواط إلاّ بعد ذلك بنصف قرن؛ فهو يريد أن يقول لنا إنّ البريطانيّين كانوا أسرع في تحليل اللواط بغية جرّ المجتمع السّوداني (تقرأ الشّمالي المسلم) إلى حمأة الرّذيلة والبغاء. فهو يقول: “ولم تكن إنجلترا [عندنا تُكتب ’إنكلترا‘ وبينهما فرق لا يخفى على العارفين] نفسها قد شرّعت للواط وقتها. وقد تأخّرت خمسين عاماً أخرى لتأذن به في عقر دارها بعد إذنها له في السّودان في أوائل القرن الماضي. كما لم يَرْ القانون الجنائي ممارسة الجنس مع حيوان جريمة يعاقب عليها القانون. كما سمح نفس القانون بالسُّكر وبيع الخمور وفتح بيوت الدّعارة”. (نفسه: 15). فهذا ممّا يثبت قولنا بأنّ الاستعمار لم يكن يعنيه تقدّم المجتمع في أخلاقه أم لا، بقدر ما كان يعنيه استتباب الأوضاع بما يتيح له الاستقرار اللازم لاستعمار البلاد، أي لتعميرها بطريقة تسمح له بنهب ما ينجم عن هذا التّعمير. أمّا مسألة النّهوض الأخلاقي والحضاري بهذه المجتمعات البربريّة [حسب رأيه]، ممّا عُرف بتركة الرّجل الأبيض وعبئه، فهو لا يعني أكثر من معاوضة نفسيّة للمجتمعات التي ارتُكبت جريمة الاستعمار باسمها، بها يتمّ إعلاء وضاعة الفعل. فهذه الدّعوة لم يؤمن بها السّاسة والقادة الفعليّون الذين وقفوا وراء الاستعمار، ومن صدّقها منهم، فقد وقع في الغرةّ والسّذاجة. لهذا كانت الإدارة الاستعماريّة إذا وجدت وضعاً راسخاً، تغاضت عنه طالما لا يقلقل أوضاعها. وهذا بالضّبط ما فعلته إزاء الرّقّ بالسّودان.

في الحقيقة لم يجد عبدالله علي إبراهيم من مثال يوضّح به انجراح ضمير الشّعب وما حاق به من مهانة جرّاء عدم تطبيق الشّريعة الإسلاميّة [كذا]، والتّرخّص في شرب الخمر، غير الفترة المهديّة ممثّلةً في قصيدة قالها شاعر ينتمي إلى المهديّة، أي الفترة الأولى في تاريخ السّودان التي شهد فيها تطبيقاً لمجموعة من الأحكام الجزائيّة باعتبارها الشّريعة الإسلاميّة. حدث هذا لمدّة زمنيّة امتدّت لأربعة عشر عاماً فقط، انفرط فيها نسيج الشّخصيّة الوطنيّة إلى الدّرجة التي جعلت جيش المهديّة، إثر كلّ معركة ينهزم فيها، يطلب غالب جنوده وقادته الإذن بالانضمام إلى الجيش الغازي بغية إشفاء غليلهم من النّظام الحاكم (بالضّبط كما حدث في زمن الإنقاذ، إذ يتشابه النّظامان في عدّة وجوه)؛ وهي الفترة التي يتمحلّ فيها عبدالله علي إبراهيم (نفسه: 21-2) نصوص التّاريخ عندما يتكلّم عنها بغير روحٍ نقديّة ليصفها بجملة “أيّام المهديّة التّقيّة”. هذا الشّاعر هو أحمد أبو سعد، مادح المهدي، إذ يقول واصفاً السّماح للأنادي برفع أعلامها (المانديرا) خفّاقة، إشعاراً ببدء العمل بها صباحاً: (جاتنا المانديرا ومسّخت الدّيرا). ولنا أن نعجب كيف خطّ عبدالله علي إبراهيم هذا الكلام وهو الفولكلوري الضّليع، صديق صاحب كتاب الإنداية،(الحانات الشّعبيّة التي كانت تباع فيها الجعة الشّعبيّة “المريسة”) الطّيّب محمّد الطّيّب (2004) الذي كتب عن الأنادي في مبتدر سبعينات القرن العشرين في السّودان الشّمالي المسلم، واستقصى ظاهرة شرب الخمر من داخل هذه الأنادي التي كانت تُرفع فيها المانديرا منذ السّاعة الحادية عشر صباحاً إلى مساء اليوم. وهو نفسه عبدالله علي إبراهيم الذي قال عن هذا الكتاب: “وكتاب الإنداية … ذؤابة في إثنوغرافيا الطّيّب الكثيفة. … استغرقت كتابة الإنداية ستّ سنوات طرق فيها أبواب أنادي السّودان قاطبة، أو كاد. فغزرت مادّته، ولم ينشغل إلاّ بصورة سطحيّة بأفريقيّة عناصر الإنداية أو عربيّتها، مثل قوله إنّ مسلمي السّودان استمرّوا على عادة الشّرب لدخولهم الإسلام بمورثاتهم الخرافيّة والوثنيّة” (http://www.sudanile.com/2008-05-19-17-39-36/56-2008-12-01-11-26-03/17696-2010-08-10-04-36-33.html) في هذا الكتاب، لا يوثّق لنا الطّيّب محمّد الطّيّب كيف كان سراة القوم يشربون الخمر، بل يحكي عن شيوخ الدّين الذين كانوا يتعاطون المريسة، فتُرسل إليهم من الأنادي، فيشربونها، لكن ليس قبل أن يضفوا عليها من بركتهم. انتشرت الإنداية في جميع بقاع السّودان الشّمالي المسلم، إن شرقاً أو غرباً أو شمالاً. كما كان علية القوم في القرى والنّجوع هم الذين يستخرجون التّرخيص لافتتاح الأنادي، مثلُها في ذلك كمثل أيّ محلّ تجاري.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة