حاوره في القاهرة: ياسر الناير في لقاء سريع، على هامش زيارة قصيرة للقاهرة، التقينا بالدكتور بشرى قمر مدير منظمة(هودو)، وهو من أبرز الحقوقيين المدافعين عن ضحايا انتهاكات حقوق الانسان في السودان، 

وله تجارب شخصية في “الاعتقال والتعذيب القاسي” ، جاء الى القاهرة لمخاطبة ندوة اقامها “التحالف العربي من أجل السودان” بهدف التفاكر حول سبل مساعدة ضحايا الحرب في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وتعريف الرأي العام العربي والدولي بالكارثة الانسانية التي تحيط بهم، فكان هذا الحوار القصير الذي ركزنا فيه على اوضاع حقوق الإنسان………

 

ما هو تقييمك لأوضاع حقوق الإنسان في جنوب كردفان؟

تعاني جنوب كردفان من كارثة ومأساة كبيرة بسبب القصف الجوي المكثف وصعوبة وصول الإغاثة لان الحكومة تمنع الاغاثة عن قصد ، ويساعدها على ذلك ان  مسألة السيادة تقف عائقا امام دخول المنظمات الاغاثية الدولية الى مناطق سيطرة الحركة الشعبية، حيث يتطلب دخولها إذن حكومة الخرطوم.

وإنتهاكات حقوق الإنسان كبيرة جدا فى معظم قرى ومدن المنطقة، ولا سيما العباسية ورشاد حيث تصاعدت اعمال القتل والاختطاف والاعتقال والسرقة تحت تهديد السلاح،

 على سبيل المثال قرى “مبسوط وأم مرح “الاخيرة تم ضربها بالطيران وتم تشريد المواطنين وتعرضوا لحالات إعتقال وإختفى بعضهم .

وقامت مليشيات قوات الدعم السريع بحرق القرى والمستشفيات والمدارس والطواحين ،ودمرت مصادر المياه “الآبار _المضخات “وكل مقومات الحياة فى هذه القرى وماجاورها، فالحكومة السودانية تقوم ب “تجريف القرى “!على سبيل المثال لا الحصر تم جرف “قرية صباح كجلك “بالقرب من تلودى ومسحها تماما من الوجود .

فى المناطق حول “العباسية ” نفذت قوات الدعم السريع إعتقالات وإغتصابات ، وقد رصدنا حادثة تهجم افراد من هذه القوات على أحد المواطنين و محاولة اقتياد بناته  من داخل المنزل  وأمام عينه بغرض اغتصابهن،لكن الوالد قاوم هذا التصرف المستفز إلى أن مكن البنات من الفرار ، وتم ضربه وتعذيبه من قبل هذه المجموعة الى ان أغمى عليه وأصيب إصابات بالغة ،تم نقله إلى مستشفى العباسية لتلقى العلاج، و إلى الان لم نسمع بفتح بلاغ للتحقيق حول الحادثة ناهيك عن محاسبة الجناة “.

فى رشاد تم طرد الطلاب من المدارس وإغلاقها دون ان توفير بديل، مما يعني “الحرمان من تلقى التعليم

وهناك اعداد كبيرة من النازحين فروا من قراهم الى المدن والحكومة تمنعهم تماما من اقامة اي معسكرات وتضعهم امام خيارين إما السكن مع اهل المناطق التي نزحوا اليها في منازلهم البسيطة وإما العودة من حيث اتوا، فأصبحت “القطاطي” مكدسة بعدد من الاسر، مثلا تجد سبعة أسر كبيرة منزل مكون من قطيتين، ولا تقدم اية مساعدات انسانية لهم، وهناك تعتيم اعلامي كبير على مأساتهم.

 

لماذا لا توجد معسكرات للنازحين حتى تأتيهم مساعدات من الامم المتحدة؟

الحكومة لا تريد إقامة معسكرات خوفا من تكرار تجربة دارفورفي هذه المناطق، لأنها ترغب فى المزيد من القتل والدمار  والتصرف خارج نطاق القانون وطمس الأدلة بعيدا عن الأعين .

انتم أيضا متهمون بأنكم السبب في عرقلة تطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال العام الماضي لانكم لم تدينوا موقف الحركة الشعبية عندما رفضت التعاون مع فرق التطعيم؟

هذا غير صحيح،حكومة الخرطوم هي التي عرقلت موضوع التطعيم لأنها اشترطت ان تقوم المنظمات التابعة لها بهذه العملية، وكل المعلومات الموثقة تشير الى ان هذه المنظمات تابعة لجهاز الامن، لو كانت الحكومة جادة في التطعيم لسمحت لمنظمات مستقلة يثق فيها السكان للقيام بذلك لان سكان تلك المناطق الذين تقصفهم الحكومة بالانتنوف والمدفعية الثقيلة وتجرف قراهم لا يمكن ان يثقوا في اي دواء او غذاء تقدمه لهم، فكيف يصدق الناس ان الحكومة التي تقتلهم وتدمر مستشفياتهم وتجوعهم  تريد ان تحصن اطفالهم ضد المرض؟ وهناك سابقة في الحرب الاولى في جبال النوبة في التسعينات عن توزيع إغاثة مسمومة  

 

وردت معلومات عن توزيع إغاثة للمدنيين فى مناطق سيطرة الحكومة ،كيف تم ذلك ؟

الإغاثة توزع من قبل منظمات تتبع للحكومة تقوم بتوزيعها وفقا لأهداف سياسية بحتة ،أبرز هذه الآهداف إعادة المواطنين الفارين من القتال الى مناطقهم دون توفر الشروط الموضوعية للعودة ،لذلك يتم إبتزازهم بالإغاثة هذه، مثال لذلك سبق ان فر بعض المواطنين من منطقة تلودى إلى أبو جبيهة بسبب الحرب ،فأخبروهم ان  توزيع الإغاثة لن يتم في ابو جبيهة ومن اراد الاغاثة عليه بالعودة الى تلودى فى محاولة لإجبارهم على العودة كما ذكرنا سلفا ،هكذا توزع الإغاثة !

 

فى سبتمبر المقبل سيقدم الخبير المستقل لحقوق الإنسان فى السودان تقريره امام مجلس حقوق الإنسان بجنيف ،ماذا تتوقع ؟

لا اتوقع اكثر من ما سمعته فى تصريحاته وتقاريره السابقة لأنه يعمل وفق صلاحيات وتفويض محدود،

ولكن يجب ان يجتهد المجتمع المدني السوداني في اقناع مجلس حقوق الإنسان بالامم المتحدة ان يعيد النظر في تصنيف السودان ، ويعيده الى الدرجة الرابعة التي تستوجب وجود مراقب دولي لحقوق الانسان بتفويض وصلاحيات اكبر ، بدلا من الدرجة العاشرة التي تمت ترقيته لها عام 2011 كحافز لالتزامه باجراء الاستفتاء على استقلال الجنوب بسلام، ولكن بعد استقلال الجنوب وقعت انتهاكات كبيرة جدا لحقوق الانسان في حرب جنوب كردفان وجنوب النيل الازرق وكذلك دارفور، وحتى في الخرطوم قتل اكثر من 200 مواطن في مظاهرات سبتمبر، فضلا عن الاعتقالات والتعذيب وغير ذلك من انتهاكات حقوق الانسان، بعد كل ذلك   سيجد مجلس حقوق الإنسان نفسه محرجا إذا ترك السودان فى الدرجة العاشرة ،لان هذا التصنيف  ببساطة سيجعل الحكومة تتمادى فى إرتكاب مزيد من الإنتهاكات والجرائم فى حق الشعب السودانى في ظل غياب الرقابة الدولية المباشرة  .

 

لذا لابد من بذل المزيد من الجهد فى إتجاه الضغط على الحكومة السودانية عبر كافة القنوات ،وأعتقد ان المجتمع الدولى قادر على المساهمة فى إصلاح أوضاع حقوق الإنسان فى السودان دونكم حالة “الطبيبة مريم يحى “الأن هى امريكا ،وأسقطت عنها كل التهم وإطلاق سراحها كيف تم ذلك؟فى تقديرنا نتيجة لضغط من المجتمع الدولى للحكومة السودانية وإجبارها على عدم تنفيذ الحكم على مريم رغم صدوره .

هل تتوقع من المجتمع الدولي تدخلا في مواجهة ما تحدثت عنه من كوارث وانتهاكات في مناطق الحرب في السودان؟

في اعتقادي ان المجتمع الدولي لديه القدرة على الضغط على نظام الخرطوم وإجباره على وقف جرائمه وانتهاكاته ووقف عمليات الابادة الجماعية التي تجري في السودان، ونحن من جانبنا نسعى في توصيل معاناة السودانيين الى الرأي العام العالمي، ولكن في تقديري فان المجتمع الدولي حتى هذه اللحظة اثبت انه غير راغب في اجبار نظام الخرطوم على تغيير سياساته،  وقد لاحظنا كيف اجبر المجتمع الدولي الحكومة على الغاء حكم الردة الجائر على مريم يحيى وكيف نجح في اخراجها من السودان، مما يدل على مدى رضوخ النظام للمجتمع الدولي، وهذا يدل كذلك على ان المجتمع الدولي لو كان راغبا في الضغط على النظام فانه يستطيع ذلك.