رشا عوض إن اتفاق حزب الأمة القومي والجبهة الثورية وتوقيع قيادتيهما على "إعلان باريس" الذي لم يتضمن مفردة "اسقاط النظام" مطلقا، وتبنى بدلا من ذلك الحوار الوطني المشروط 

الذي يفضي الى عملية دستورية وترتيبات حكم انتقالي، مؤشر قوي على أن  القوى الرئيسة في المعارضة السودانية وعلى رأسها الجبهة الثورية تتجه إلى خيار “التسوية” اي الحل المبني على تسوية سياسية مع النظام الحاكم لا على أنقاضه، الحل القائم على التفاهم مع النظام لا على الإطاحة به، فرغم ان الإعلان  لم يستبعد “الانتفاضة السلمية” كخيار أخير في حال رفض النظام الاستجابة لشروط الحوار، إلا ان اتجاه التسوية هو الأغلب حسب نصوص الإعلان، وحسب مجمل معطيات الظرف السياسي الراهن، وهذا هو الاتجاه المطروح بقوة من أمريكا، والاتحاد الاوروبي، وفي إطاره تعمل آلية الوساطة الأفريقية بقيادة ثابو مبيكي الذي ينشط حاليا في جولات مكوكية بين أديس ابابا والخرطوم بهدف استئناف المفاوضات المتعثرة بين الحكومة والحركة الشعبية(شمال) من جهة، واقناع أحزاب تحالف  المعارضة في الداخل بالانخراط في “حوار الوثبة” من جهة ثانية، وإقناع حزب الأمة الذي كان طرفا أساسيا في هذا الحوار ولكنه نفض يده منه وحرر له شهادة وفاة، بالعودة إليه من جهة ثالثة.

القاسم المشترك بين المعارضة بمختلف فصائلها والمجتمع الدولي هو القناعة بحاجة السودان الماسة للتغيير السياسي، واستحالة استمرار الأوضاع على ما هي عليه، لان هناك أزمة كبيرة شاخصة أمام الجميع: حرب اهلية مشتعلة باهظة التكاليف، كارثة انسانية متفاقمة، دولة تعاني من انهيار اقتصادي وهشاشة في مؤسسات الخدمة العامة، ونظام حاكم فاقد للشرعية ومنقسم على نفسه وأجنحته المتصارعة تتربص ببعضها البعض، ورأسه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وحالة احتقان سياسي وانسداد أفق ينذر بالانفجار في أية لحظة.

ولكن المعضلة الآن هي ان النظام الحاكم رغم كل هذه المعطيات غير مستعد مطلقا لدفع استحقاقات أية تسوية سلمية لأزمة البلاد، حتى على مستوى الحدود الدنيا التي تطالب بها الأحزاب المتوالية معه ناهيك على مستوى ما تطالب به الجبهة الثورية واحزاب المعارضة، وتدل ممارساته على الارض انه ماض في اساليب المراوغة والمناورة وكسب الوقت لتحقيق هدفه الاستراتيجي: البقاء في السلطة، عبر تغييرات ديكورية لا تمس جوهر النظام الشمولي وتتويج مسرحية الحوار الوطني التي تتواصل عروضها في الخرطوم  بمسرحية انتخابية جديدة قديمة محسومة النتيجة لصالح حزب المؤتمر الوطني، انتخابات لن تحمل جديدا الا ما تفرزه الصراعات الجديدة وربما التحالفات الجديدة داخل البيت الإسلاموي نفسه، هذا مع الاستعداد لصفقة ثنائية مع الحركة الشعبية(شمال) تؤدي الى وقف الحرب في سياق منفصل تماما عن مناقشة أزمة الحكم في البلاد ككل، اي سياق”قضايا المنطقتين”، فالنظام تحت تهديد الحرب لسلطته يمكن ان يقدم تنازلات نظير اتفاقية سلام مع الحركة الشعبية محصورة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ومن ثم يعزل الحركة عن حلفائها في الجبهة الثورية من الحركات الدارفورية، ولا يهم بالطبع مدى نجاعة مثل هكذا اتفاقية او قابليتها للاستدامة، لان النظام يحسب قيمة اية اتفاقية بعدد السنوات الاضافية  التي تضمنها له في الحكم، ولكن الحركة الشعبية (شمال) حتى الآن هزمت هذا المخطط في مفاوضات أديس أبابا، وتمسكت بمبدأ الحل الشامل،   وهذا موقف صحيح استراتيجيا ، ولكنه مكلف جدا ومن الصعب ان تستطيع الحركة الشعبية دفع كلفته بمفردها والى مالا نهاية، إذا ما اخذنا في الاعتبار تكثيف النظام للقصف الجوي على مناطق سيطرة الحركة، وما يقوم به من منع وصول الاغاثات لسكان تلك المناطق واستهدافهم بالترويع والتهجير المستمر من مليشيات الجنجويد التي أطلقت يدها في جنوب كردفان، وكل ذلك بهدف إجبار الحركة الشعبية على قبول صفقة ثنائية في مفاوضات اديس ابابا، وهذا ما يفسر العداء الشرس الذي واجه به إعلام المؤتمر الوطني “إعلان باريس” رغم انه تضمن التزاما من “الجبهة الثورية” بوقف العدائيات في جميع مناطق القتال في سياق تهيئة الأجواء لحوار وطني وعملية دستورية، بل سارعت حكومة “المؤتمر الوطني” لرفض هذه الجزئية بالذات على لسان مساعد رئيس الجمهورية ورئيس الفريق التفاوضي في مفاوضات اديس ابابا، ابراهيم غندور في تصريحات اعلامية،  مما يؤكد تمسك النظام بالحرب ورفضه لدفع استحقاقات الحوار الوطني الذي يرفع شعاره من باب المزايدة والمراوغة، وهذا يضع المجتمع الدولي الذي يدفع في اتجاه تسوية عبر الحوار في موقف محرج للغاية في حالة عدم ممارسته لضغوط حقيقية على المؤتمر الوطني الذي يرفض وقف الحرب ويرفض إغاثة ملايين المنكوبين المهددين بالموت جوعا ومرضا،  ويرفض اطلاق سراح المعتقلين ، باختصار يرفض  كل ما من شأنه الشروع في عملية حوار جدية تقود الى مربع جديد يفتح الطريق أمام سلام مستدام وتحول ديمقراطي حقيقي.

وهنا يبرز السؤال القديم المتجدد أمام الموقعين على “إعلان باريس” ماهي خططهم العملية لإجبار المؤتمر الوطني على ابتلاع ما طرحوه في الإعلان؟

إن الاختراق النوعي المهم الذي حققه”إعلان باريس” هو نصه على” ضرورة وحدة قوى التغيير من قوى سياسية ومنظمات المجتمع المدني، ووضع نهاية لسياسات النظام التي ترمي لزرع الفتن والشكوك بين قوى التغيير، وتمزيق النسيج الاجتماعي السوداني كمصدر من مصادر قوة النظام للتربع على دست الحكم.” فهذه الخطوة هي مفتاج النجاح للعمل المعارض،

ولكن وحدة قوى التغيير يجب ان لا تقتصر على التوقيع على الاتفاقيات السياسية، بل يجب أن تقود هذه الوحدة إلى فعل نضالي محسوس على الأرض لفرض هذه الاتفاقيات فرضا على الواقع السياسي، فالخطأ الفادح الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن “الحلول التفاوضية السلمية” والتسويات عبر آلية”الحوار الوطني” لا تحتاج الى معارك نضالية نوعية ومكلفة، ولذلك فإن الفيصل في نجاح “اعلان باريس” في تحقيق اختراق على الارض، هو العمل من أجل توسيع قاعدته داخليا، وتسويقه إقليميا ودوليا كرؤية حاكمة لحراك المعارضة السودانية المدنية والمسلحة، ولكي ينجح هذا التسويق فلا بد من فعل معارض على الارض(مظاهرات ومواكب سلمية واعتصامات وحراك جماهيري لافت على الارض مهما ارتفعت كلفة ذلك) لإجبار النظام على اخذ “إعلان باريس” مأخذ الجد ولإقناع المحيط الاقليمي والدولي بأن لا مجال لحل لا ينقل البلاد الى مربع جديد متحرر من هيمنة المؤتمر الوطني، ومسئولية ذلك تقع بشكل أساسي على قوى المعارضة المدنية المختلفة وعلى رأسها حزب الامة الشريك الأساسي في “إعلان باريس”،

فالنظام يسعى لتسوية “معطوبة” تمدد عمره ولو أدى ذلك الى تقسيم جديد للبلاد، والمجتمع الدولي يسعى لتسوية ربما تكون على المستوى النظري أقل”عطبا” من التي يسعى لها النظام، ولكن المجتمع الدولي في النهاية لن ينوب عن المعارضة السودانية المدنية في النضال من أجل تحقيق اهدافها ممثلة في السلام العادل والشامل والمستدام والتحول الديمقراطي الكامل، وسوف تظل “نوعية التسوية السياسية” التي يباركها المجتمع الدولي رهينة لتوازن القوى على الارض.

 ان الذي أدى إلى تهميش أجندة التحول الديمقراطي في تسوية اتفاقية السلام الشامل(نيفاشا) هو إخفاق المعارضة المدنية المفترض ان تكون صاحبة المصلحة الراجحة في التحول الديمقراطي، إخفاقها في ان تفرض نفسها كمتغير مستقل  في معادلة توازن القوى، وكمنتج للفعل السياسي المؤثر، ومن جهة اخرى انصراف الحركة الشعبية الى حد كبير عن قضايا التحول الديمقراطي في الشمال نظرا لهيمنة الأجندة الانفصالية على جدول أعمالها،

ومن ذلك يسهل استنتاج ان “قلب الطاولة” في وجه النظام وقطع الطريق على أية”تسوية سياسية معطوبة” تمدد عمر النظام وتؤدي الى تقسيم جديد للبلاد، رهين لأن لا تكرر الحركة الشعبية أخطاء”ما بعد نيفاشا” لا سيما “سيادة التوجهات الانفصالية”، ورهين بدرجة أكبر لممارسة المعارضة المدنية ضغوطا حقيقية على النظام عبر حراك جماهيري كبير في العاصمة ومدن”الشمال والوسط” حراك يطيح بمقولة”قضايا المنطقتين” التي أصبحت المقولة الذهبية للنظام في رفض الحلول الشاملة للأزمة السودانية، وكأنما قضايا المنطقتين (جنوب كردفان وجنوب النيل الازرق) معزولة عن ازمة الحكم الشاملة في السودان، لا بد من الإطاحة بهذه المقولة   عبر فعل ملموس ومحسوس على الارض يؤكد ان موقف الشعب السوداني الموجود”خارج المنطقتين” من النظام هو ذات موقف الشعب السوداني”داخل المنطقتين” وان القضايا واحدة في جوهرها، وأن الشعب السوداني “خارج المنطقتين” متألم ومتفاعل مع ما يحدث “داخل المنطقتين” ومتألم ومتفاعل مع ما يحدث في دارفور التي يحاول النظام التضليل بان مشكلتها قد حلت باتفاق الدوحة، وبمجرد إبرام اتفاق مع الحركة الشعبية(شمال)حول “المنطقتين” وتفكيك الجبهة الثورية، سوف تنطوي صفحتها إلى الأبد.  

ان الذي يقطع الطريق أمام “التسويات السياسية المعطوبة” بشكل حاسم هو إسقاط النظام الحاكم الذي يثبت كل يوم عدم قابليته للًإصلاح وتماديه في تمزيق السودان وتدميره، ولكن معطيات الواقع الماثل وآخرها”إعلان باريس” تقول ان خيار إسقاط النظام ليس هو الخيار الراجح في الوقت الراهن بين قوى المعارضة من “الجبهة الثورية” يسارا إلى “حزب الأمة” يمينا، وأن الراجح، حسب نص “إعلان باريس” هو الحل السلمي المتفاوض عليه في سياق حوار وطني يقود الى ترتيبات انتقالية وعملية دستورية، وما دام الأمر كذلك فإن امام الموقعين على “إعلان باريس” ومن سينضم إليهم مستقبلا تحديات كبيرة، وكثير من العمل الواجب انجازه على الأرض، ونجاح “إعلان باريس” في قطع الطريق أمام “التسويات السياسية المعطوبة” رهين لنجاحهم في إنجاز ذلك العمل. 

وتأسيسا على كل ما تقدم فإن كل فصائل المعارضة المدنية والمسلحة مطالبة بأن تجعل تحقيق السلام والتحول الديمقراطي أولويتها القصوى، وأن تجعل الصراع مع النظام أولوية متقدمة بشكل حاسم على أية صراعات فيما بينها، ومطالبة كذلك برفع كفاءة أدائها السياسي والتنظيمي، وتطوير خطابها وتقوية تحالفاتها، وتجاوز حالة التشرذم الحالية التي تعوق اي عمل مشترك ناجح،  ودون ذلك لن تنجح لا في اسقاط النظام ولا في الحل السلمي بالتفاوض معه.