درويش(1) المكان عبارة عن زريبة ماشية حديثة، في شكل مبني أشبه بمنازل الفلاحين. غمرت أنفه رائحة روث الحيوانات قبل أن يدخله بأمتار عديدة، كان راشد قد شرح له الفكرة، وطمأنه بأنها الأحسن وكثيرٌ من المهاجرين لا يجدونها بسهولة،

فالبعض يُرَحَّل تحت الشاحنات ما بين مجمع إطاراتها الخلفية، وكم وكم من أرهقهم التعب وغلبهم النُعاس فسقطوا علي الأسفلت وسحقتهم الإطارات بدون رحمة، هذا إذا  لم تقبض عليهم الكلاب البوليسية الشرسة المدربة جيدا علي صيد المهاجرين، وتنتزعهم بأسنانها من هنالك انتزاعاً: أنت محظوظ يا رجل.

أعطاه أكياسا بلاستيكية كثيرة فارغة لكي يستخدمها لقضاء الحاجة، وشرح له باستفاضة كيفية استخدامها في حالة التَغَوُطْ وفي حالة التبول، لأن أى خطأ في الاستخدام يجعل المكان لا يُطاق. أعطاه كيسا آخر مملوءا بالأطعمة الجافة وقارورات المياه تكفي لخمسة أيام بلياليها.

مقطورة الشاحنة العملاقة تتكون من طابقين، تفصل بينهما أرضية من الخشب الموسكي، تُري من الخارج مثل قفص كبير من الحديد الصلب، به فتحات للتهوية في شكل نوافذ صغيرة مربعة منسوجة بشبكة من السيخ. هو في الجزء الأسفل، قريب من المقدمة أى في القفص الثاني، القفص الأول به امرأة لم يتبين ملامحها للوهلة الأولي تفصله عنها شبكة معدنية ذات فتحات كبيرة، ولكن المرأة كانت منكمشة علي نفسها دافنة رأسها بين فخذيها، وشعرها الأسود الغزير يغطي ما تبقي منه. كان منشغلا بالخنازير التي في القفص الذي يليه والقفصين اللذين علي جانبيه. لجب حوافرها في الجزء الأعلى يسمعه  مثل طرقات الشاكوش، وتغمر أنفه رائحة كريهة تصدر من كل الاتجاهات من بول الحيوانات وفضلاتها، هو بطبعه يكره الخنازير، يكرهها حتى إذا  لم تتبول أو تصرخ، من قلبه ومن فكرة يكرهها من عمق بنية نفسية واجتماعية شكلته طوال عمره، فهو لم يرها علي الطبيعة إلا اليوم، ولم يلمسها في حياته إلى الآن، بالطبع لم يأكل لحمها فهي محرمة في الإسلام وهو مسلم ملتزم لحد معقول بتعاليم دينه، ونقول بحد معقول لأن درويش يحتسي الخمر وهي حرام وملعونة، وأيضا لا يتردد في ممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي كلما وجد لذلك سبيلاً، وهو ما يُعتَبَر زني “Adultery” في الإسلام وعقوبتها الجلد بالنسبة لدرويش لأنه عازب، والرجم بالحجارة للمحصنين، لكنه يصلي ولا يأكل لحم الخنزير، ولو أن ذلك ليس دقيقا، فقد أكله ولشهرين كاملين، كان وجبة عشائهم المفضلة، بالطبع ما كان يعرف أنه  يأكل خنزيرا وإلا لفضل عليه أية  لحوم أخرى، والنوم بلا عشاء أفضل كثيرا من عشاء مكروه. في الأيام الأولي لوصوله لفيينا أقام مع بعض السودانيين في النادي السوداني حيث توجد مساحة للنوم وممارسة الحياة بالنسبة للقادمين الجدد الذين لا مأوي لهم، ولم يُسْمَحْ لهم بالعمل بعد، ووجد هنالك  من الشباب الظرفاء الندماء المتفائلين والمحبطين وغيرهم، واختار ثلة تشبهه كثيرا، حيث كانوا يلعبون الورق نهارا، وفي المساء يذهبون للدسكو، يحتسون قدرا كبيرا من البيرة، قد يصيبون بعض النساء، ويعودون في نشوة وجوع عارمين، فيمرون علي المطعم التركي وهو المكان الوحيد الذي يثقون فيه، ربما لم تكن تلك الثقة سوى ناتج طبيعي للإعلان الملصق علي نوافذ وباب المحل الزجاجي، بأنهم يستخدمون اللحوم الحلال فقط. دائماً ما يطلبون شواءً من لحم الضأن، وكان التركي يعد لهم طبقا منه لذيذا جداً، يلتهمونه وهم سُكارى منتشون. ومضي الحال هكذا إلى     أن أكد لهم صديق سوري كردي اسمه جان، أن هذا التركي بالذات يطعمهم شواء الخنزير، وأن كثيرا من المسلمين يعرفون ذلك، لذا عليهم أن يتجنبوه. طبعا لم يصدقوا صاحبهم السوري ولكنهم لم يذهبوا إلى مطعم التركي مرة أخري.

“من المفترض أن تستغرق الرحلة يومين” قالت له الفتاة ذات العينين المتورمتين من البكاء عبر شبكة الحديد باللغة العربية، بلكنة مصرية ممزوجة بلهجات إفريقية غريبة “يومين كاملين في هذا العفن”.

كان قد أتاه صوتها مختلطا بصراخ الخنازير ولجب حوافرها، في الحقيقة ما كان يتوقع أنها  ستتكلم معه، لقد كانت طوال الوقت منكفئة علي نفسها واضعة رأسها بين فخذيها معطية إياه ظهرها بصورة تامة، وفهم من ذلك أنها  لا تحب أن تدخل في أى  نوع من التواصل معه، واحترم رأيها الذي قرأه من حركة جسدها، ولا يدري متي التفتت إليه لأنه كان يراقب خنزيرا كبيرا في القفص المواجه له يحاول إدخال أنفه عبر فتحات السيخ ولحس قدميه، قال لها، ربما دون تفكير:

ربنا يستر

قالت له، وهي تحملق فيه بعينين محمرتين:

إنه لا يفعل ذلك كثيراً.

قال مندهشا:

من؟

قالت وهي لم تحول عينيها عنه

الله.

سكت قليلاً، قال محاولاً أن يكون منصفا

إنه وقف لجانبي في مراحل كثيرة من حياتي.

قالت بذات مستوي صوتها

لقد خذلني أنا كثيرا جداً، لأنني أؤمن به جدا، وكنت أظن أنه  سيعيرني الاهتمام الذي أستحق، ولكن للأسف، عندما أحتاج إليه لا أجده.

نزلت دمعة من عينها، لم تقم بإزالتها بل تركتها تسقط علي أرضية الشاحنة مباشرة وتذوب في بلل بول الخنازير الذي يتساقط من الطابق العلوي للشاحنة، تبعتها دمعتان مضيتا سريعا انتهيتا في ذات الموقع. أضافت: أنا أحس  بأن الأمر سوف لا يمضي بالسلام، سيُقْبض علينا في إيطاليا، أنا إنسانة منحوسة، ودائما ما يرافقني الحظ التعيس.

لماذا إيطاليا بالذات؟

قالت وهي تمسح خدها من آثار الدموع:

لأنها أسوأ دولة يمكن القبض عليك فيها، أنا دائما أتوقع الأسوأ.

حسب علمي أننا سوف لا نمر بإيطاليا، إيطاليا يمر بها المسافرون

عبر البحر، نحن سوف نعبر ألبانيا ويوغسلافيا وهم هنالك لا يهتمون كثيرا، وإذا اهتموا ليست لديهم الإمكانيات التي يكتشفون بها موقعنا في الشاحنة، إلا إذا  أفرغوا شحنتها، وهم عادة لا يفعلون ذلك هذا ما قاله لي المهربون.

بعيدا عن تورم عينيها من البكاء وشعرها المبعثر بفوضوية، وصوتها القلق المبحوح، كانت جميلة، بل جميلة جدا، في الحقيقة من أجمل النساء اللائي رآهن في حياته، علي أقل تقدير هي أجمل امرأة تستقل شاحنة خنازير نحو أوربا، لها عينان دامعتان وهي تقبع في القفص المجاور لقفصه الآن، ولم يستطع أن يصدق أن يصاحب هذا الجمال اللعنات الإلهية وسوء الطالع اللذان تشير إليهما، قال لها:

أنت جميلة.

قالت دون أن يبدو عليها أنها  تأثرت بملاحظته، بل بصورة أقرب لأن تكون حاسمة بل حادة بعض الشيء، ولكن العبارة الأقرب لتوصيف طبيعة تلك الجملة،هي كلمات الرواي: غير عاطفية البتة.

لولا ذلك لقتلني البدو المصريون في سيناء، ولولا ذلك أيضا لما استطعت أن أدفع تكاليف الرحلة إلى أوروبا.

البدو؟

(الجزء الثاني من (درويش) الحلقة القادمة مساء الخميس)