د. ناهد محمد الحسن حين بزغ فجر العام 2011، كانت المشاعر العربية الطامحة قد استثقلت وطأة الأنظمة الشمولية وشعرت بلا أخلاقية صمتها وعجزها عن التغيير فأبدعت الربيع العربي الذي ألقى على كل بيت عربي زهرة وشيء من العنفوان .

وكان نصيبنا في السودان الكثير من الأسئلة والتعليقات الساخرة التي أثارت حفيظة الكثيرين.وصرنا مادّة للعظة والعبرة لبقية شعوب العالم العربي وحجة للقادة المستبدين المستنكرين  على شعوبهم الثائرة صبرنا على جوعنا وذلنا مقابل ثورتهم على يسر حالهم. كان السودان وقتئذ يمر بحالة من الذهول الغريب وهو يشهد انفصال جنوب السودان وتفجر الصراع فيما عرف بالجنوب الجديد. وكالأشخاص ضحايا الصدمة في حالات الكوارث الطبيعية رحنا نثرثر بلا طائل ونكنس عتبة الدار ذاهلين عن الكارثة التي أطاحت بأمن الدار نفسه تاركة نظافة باحته  بلا معنى. ومع اكتمال شروط الثورة،ظلت الأضواء مسلّطة على السودان في انتظار تلك البارقة التي أكتنفتها الأسئلة في أوساط المثقفين والمهتمين.هل ستقوم ثورة في السودان كما حدث في الكثير من الدول العربية؟ أم انتهى السودانيون الى حالة من العجز عن الفعل تحت سطوة النظام المستبد؟ وهل بمقدور تلك الثورة المرجوة ان تخرج السودان من مآزقه العديدة؟وهل ما يحدث في بعض الدول العربية الآن هو ثورة حقيقية لها القدرة على انتاج تغيير حقيقي في واقع تلك البلدان ومستقبلها؟ وماهي الثورة القادرة على التغيير؟.هذه الأسئلة وغيرها شكلت مادّة حقيقية للحوار بين المهتمين بقضايا السودان وأفرزت الكثير من الحوارات والتحليلات والكتابات التي تستشرف واقع السودان وآفاق مستقبله.

كتب خالد السليمان في عموده (الجهات الخمسة) منتقدا النكات والصور الساخرة التي كانت تعلق على كسل السودانيين عن الفعل الثوري مستحضرا تاريخ السودان الثوري في الإطاحة بثلاثة أنظمة عسكرية وإنتاج ثلاثة حكومات ديموقراطية. كنت أشاركه الرأي في أن معضلتنا في السودان ليست العجز عن الفعل فالتغيير في السودان يستوجب مراجعة حقيقية لمعنى الثورة ومقتضياتها.فبالنسبة لي كانت حالة الصمت السودانية عن الفعل هي علامة صحة مشوبة بإضطرابات مرضية بمعنى إن الثورات السودانية التي لم تنتج غير الأنظمة العسكرية كانت بحاجة لمراجعة حقيقية تعزز الإيمان بأهمية الفعل الثوري. فإن كنّا عاجزين عن الفعل الديموقراطي التنموي فلماذا نطالب شعوبنا بتكبّد عناء الموت والعنت الثوري بلا طائل؟!.في مقالاته عن الثورة على نار هادئة كتب الأستاذ شمس الدين ضو البيت:(إن نجاح الثورة لا يتوقف على انجازالمهام العاجلة للتغيير، بالأطاحة بالنظام السياسي، وإنما يكمن في النتائج الثورية، المستدامة، طويلة الأجل المترتبة عليها، أي: التغييرات الجوهرية في حياة الناس. وليس بالضرورة أن تعني االنجاحات الثورية العاجلة، مهما كانت ضخمة، نجاحاً مستداماً للثورة. فذلك لا يتوقف على ضخامة الجهود الثورية، فحسب، وإنما على نوعية هذه الجهود أيضاً. هذا هو الدرس المستفاد الأهم من الثورات الإنسانية الكبرى).

هذه المقاربة:السودان من مأزق التجميد الثقافي الى رحابة الإقتدار؛هي محاولة لتسليط الضوء على جانب من أسباب تردّي الواقع السوداني إعتمادا على رؤى نفسية تحليلية ، ورؤى تتمثل مناهج الأنثربولوجيا النفسية التي تعنى بدراسة أثر الثقافة على الشخصية وتأثير الشخصية على الثقافة.والشخصية التي سيدور حولها الحوار هي شخصية إنسان الوسط والشمال الذي أدار السودان بعد الإستقلال منظرا ومفكرا وقائدا فاعلا. ومهمّة هذه المقاربة ان ترصد موقف السودان الآن وكيف انتهى الى ما هو عليه في محاولة لإستشراف المستقبل.

محطة أخيرة:

يا عزّة: لم أنا مفتون بامرأة مثلك..؟!

لا تفتح بابها للشّمس ..

للمحصن الآتي صباحا..

لا حظّ معها الّا للذي يأتي سفاحا..!