زهير السراج *  لم أستأذن الصديق العزيز والكاتب الكبير عبدالرحمن الأمين فى نشر هذه الرسالة الخاصة التى بعث بها إلىّ ردا على تهنئتى له بإجراء عملية جراحية خرج منها سليما معافى والحمدلله،

لأننى أعرف أنه لا يمكن أن يبخل على قرائه الكثر بمثل هذه المقالة العصماء التى تعتبر درسا بليغا فى الادب والكتابة والخلق الكريم .. وحتى فى السياسة التى لم ينس عبدالرحمن ان يفسح لها بعض المجال ويجد لها بعض الوقت وليس ذلك بغريب عليه فإن لم يكتب عبدالرحمن فى السياسة بمثل هذه البلاغة، فمن يكتب؟

أرجو لكم وقتا ممتعا ومفيدا مع مقال أستاذنا الكبير عبدالرحمن الأمين .. أكرمه الله بنعمة الشفاء الكامل وأبقاه ذخرا للوطن الجريح.

أخي العزيز د.زهير :  

               تحيات طيبات مباركات آملاً  أن تكون أنت وخاصتك  ممن تحب ، متقلباً مابين  نعماء الصحة ومكرمة العافية بالغاً مراتب السعادة والهناء.

              أشْهِد الله أنك كرمتني بما إقتطعته من وقت لمعاودتي، وزينتني بإبتدارك مكاتبتي مستفسراً عن حالي وداعياً لي بالشفاء.  فبددت شعوري بالوحدة إذ حسستني بألفة الأهل وتوادد الأشقاء  ..فلك الشكر والعرفان موصولاً بشكر وعرفان ..متوّتدا محبتي ، والي مالا نهاية..

             وصلتني كلماتك متألِّقة البهاء وأنا أستلهم العبر مما علمت  من السيرة مقارباً حالي بمن ورد عنهم  شئ  في بند الإبتلاء. توسطت رسالتك عشرات الرسائل مِن مَن بذلوا حروفهم في الدعاء لي بالعافية ، فإكتملت سلة الزاد. وجدت في السلة كل شئ أحتاجه مما لا يوفره  مستشفي جونزهوبكنز لنزلائه : الحب والود !

           سبحت في أفق  سوداني نموذجي بإمتياز هو التكاتف والتراحم والمعاودة متأبطاً  “سلة الزوادة”.  سباحة طالت ساعاتها وتمددت دقائقها كليلة شتوية طويلة، فقد هبطت عليّ عبارات المواساة من كُلِ فَجٍ  عميق،  فإنتعشت روحي بدفق من نبع قدسي.  لهذا أرجو معذرتك إن أخجلتك وقدحت زناد العرفان  بأكثر مما ينبغي ، فشكرك واجب مستحق.

          تساءلت في داخلي إن كنا قد أوفينا بعض المعاني حقها من التأمل ونحن نجابد لقمة العيش في  صخب حياتنا اليومية . هل قدّرنا ، حقا ، “نعمة”  أن يكون إنتماءُنا لبلد فريد اسمه السودان؟ لكن، ومن جهة مقابلة ، لماذا تعايشنا لربع قرن مع  نقيض  تلك النعمة المُعَبّر عنها  بإطروحة ( إعادة صياغة الإنسان السوداني)؟ يُاتري هل لازال  يشغلنا بدرجة كافية  حال أهلنا في أزقة المدن وتخوم البوادي ممن لا طبيب لهم ، ولا دواء .. وبلا أديم  خبزة ولا مدرسة.. بل ولا شئ من حطام الدنيا ؟؟ ..إذن لماذ تأخرت الثورة عن موسمها وكل أشراطها غدت مرسومة علي الحوائط ؟ طافت أمامي صور عدة،  بينها من يعارك مياة الامطار لِيُبْقِي طين بيته واقفاً، وكهوف الإنقسنا وتخوم  النيل الأزرق وقد غدت ملاذات الأمان للأطفال والأبرياء هربا من الموت المحمول جواً. وحتي كراكير دارفور المحترقة كانت حضورا، ويطل وجه الفارس  إبراهيم الشيخ وقد نال منه المرض مانال، وفشلت  آهاته  الصابرة  من ولوج قلوب صبية من  أراذل الامن يتلاعبون بحياته في مشاوير عبثية مابين الخرطوم والنهود والفولة !

وفجأة …

          ينقطع شريط ماكان يشغلك من حال وطنك  الذي أتي  بكل جلالة ليواسيك في غرفتك ، رغم الرزء  والحال المكشوف.. طرقات بإيقاع خجول تستجديك  بصوت يتقّصد الترنيم ويتصّنع الرقة فتُفْسِد المرأة هدؤ أُنْسِك.  

(May I come in?)

         إذن هي الـ(آر. إن) – ويسمونها الممرضة المسجلة، ربما   تسمية أمريكية  مستجدة  لما ألفناه  في دايات أمدرمان  علي أيام السستر الانجليزية هِلْبِس . الآر.إن. تقف بإنتظار “إذن” تعرف  أنه سيأتي سريعا، فطلبها لم يكن الا تحصيلاً لحاصل ..بل هو ضريبة “الذوق المتحضر ” المجانية ..!

       دخلت  الغرفة تدفع  أمامها جهاز المونتر المنتصب مفاخراً بمهامه المتعددة .  فهو يكشف ضغط الدم، وحرارة الجسم وكمية الاوكسجين في الخلايا، بل وفيه  (سونار) كاشف لمخزون السوائل المختلفة في الجسم الآدمي، حليبا كان أم دما أو ما ركد في بركة المثانة! قلنا مونتر ؟ حسنا،  هي “كارو” تقنية صغيرة دليلك علي فوز التكنولوجيا الحديثة بالضربة القاضية  في السباق المحتدم علي  الأصغر حجماً والأكفأ آداءاً والمتعدد المهام . تحاول ان تُعدِّل مافارقه الستر من مَخِيط البيجامات المُشَرّعة الأبواب مما يلف  جسدك العاري . لكن الآر.إن  المتلهفة للانجاز تنسى أنوثتها فتمد يدها لتساعدك بلا وجل أو خوف مما سيفعله شيطانكما في غرفة ذات سرير! ربما  تعلمت من تجاربها  أنك إن إعتزمت  قَدْ قميصها من قُبُل، أو إن حاولت إيقاظ  رجولتك المُخَدّرة فلربما إحتاج الامر لكتيبة من الشياطين وليس لفرد صمد، وحتي الكتيبة لابد وأن تحتاج  الي إسناد  صيدلاني من العقاقير التي تلهب همة الفحولة .. فأنت اليوم رجلً بلا ريش ومنزوع عنك دسم الرجولة ، مكسوراً بالمرض..  أينما يوجهونك تتجه. لكنه إنكسار مُشرِّف سيرقي بك الي  معية ثلاثة من عبيد الله: المظلوم ، المسافر، والصائم  . طوبي لك أن شملك المولي عز وعلا بما ورد عن تقربه  في الحديث القدسي وهو القائل (أنا عند المنكسرة قلوبهم، والمندرسة قبورهم)! أُبْلِغ في مسند الامام  أحمد عن أبي هريرة أن رجلا موفور الصحة  مفتول البنية مر برسول الله، عليه أفضل صلوات الله وسلامه، فسأله نبينا الكريم إن كان قد جرّب الحمي ( وسماها أم ملدم )، فقال الإعرابي أنه لم يسمع بها في حياته، سأله لو جرّب  الصداع ،فإستفسره عن معني الصداع، إذ لم يسمع به أيضا ناهيك عن الإصابة به!  فلما إنصرف  الرجل قال رسولنا الكريم لصحبه (من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه)! اللهم لا تحشرنا في  زمرة الكُفّار أصحاءالأبدان ..مرضي القلوب.

وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا هَمٍ ولا حَزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه ). ونقل عن سيد الخلق قوله (لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة).

هذه الخلاصات الإيمانية ترسخ عند إشتداد المكاره فلا ندرك  ضعفنا وقلة حيلتنا الإ ساعة أن يحصدنا كرب المرض  فتفتر الصحة ويوهن  البدن! ..ساعتها ندرك أن بارئ نفوسنا ما أذن بمرضنا إلا ليشفينا ، وماإبتلانا إلا ليعفينا ، وماأماتنا  إلا ليحيينا ….!!

يافاطر الكون …

 يامن بكت من خشيته العيون ، يامن أمره بين الكاف والنون،  يامن سبّح بحمده الأولون والآخرون وسجد لـه المصلون… اجعلنا ممن إذا أعطيته شكر ..

وإذا أذنب استغفر..

وإذا إبْتليته صبر..

ولا تجعلنا ممن إن أعطيته  طغي وتجبر،

وإن إبتليته جزع وتفجر.  نسألك إلاهنا بأن تربط علي قلوبنا بحبال اليقين والتوكل عليك… راضين  بقضائك كيفما شئت ، في  السراء والضراء

إلهنا وربنا وخالقنا …..نشكو لك حال بلدنا  !

 اللهم عليك بكل من أثري بسرقة ، وكل من أفسد أو تطاول في البنيان وإستخدم صلاحياته فإغتني بالباطل بعد 30 يونيو 1989 والي يوم سقوط نظام عصابات المرتشين اللصوص.

اللهم أرنا فيهم أياما سوداء من المرض والأذي أسوأ من أيام معمر القذافي وأبنائه وأن تشتت شملهم وتبعثر قومهم فتذقهم مرارات اليتم وإنقطاع الزاد وإنصراف الناس  

اللهم أرنا في كل من حكم في الانقاذ أو أزاح من هو أكفأ منه وتبوأ المنصب دون حق ، ومن سرق من وظيفته العامة وأفسد وفسد ، نسألك بأن تشفي غليل شعب السودان الصابر بما تفعله فيهم كأفراد أو في بطانتهم كجماعة ظالمة ، ولا تذر من تربي وفي كتفه لحمة من مال حرام ، ربنا أرنا فيهم عجائب قدرتك ، فإنهم لا يعجزونك .

اللهم أهلكهم بالامراض وببشاعة المصير والحال وأختم أيامهم في الدنيا بسوء الخاتمة والعواقب وخيبة الزمان. ونسألك يا إلهنا أن تخلص بلادنا من هذه العصابة الحاكمة وأن ترنا فيهم عجائب قدرتك ياقوي ياجبار، اللهم عليك بهم فردا فردا فإنهم قد بغوا وظلموا وتفرعنوا ..

اللهم   بدد شملهم وأحبط أمرهم وأكوي جباهم ووجوهم بما إكتنزوا من حقوق بلادنا ومواردها.

(آمين )