عبد الله الشيخ تبدو تناقضات الفرقاء السياسيين فى السودانيين واضحة، و لكن هناك إشارات كثيرة تدل على أن هناك تواصلاً بين المؤتمر الوطني – الحزب الحاكم – و حملة السلاح..هذه الاشارات أو تلك " الشمارات" عَمَدَ السيد غندور مستشار الرئيس الى اطفاء جذوتها بنفيٍ قاطع..

بيد أن الهدوء النسبي الذى يسود على صعيد جبهات القتال التقليدية بين الحكومة الجبهة الثورية ،فى دارفور و جنوب كردفان و النيل الأزرق، يأخذ شكل هُدنة غير مُعلنة..

كما أنه من غير المُحتمل أن تكون سياحة الوسيط الافريقي ثابو أمبيكي فى الخرطوم بين الحكومة والمعارضة، خالية من ” بواطن الأُمور” ، ” فالمهمة الامبيكية مقبوضة الثمن” ولا يمكن أن تكون فعلاً من غير هدف، بل هي  فى الحقيقة تصُب فى خانة تهيئة الأجواء لاستقبال مُحاصصة  جديدة بين الفرقاء على قاعدة اتفاق الحد الأدنى، الذي بدا واضحاً  فى بنود اتفاق باريس.. و بعد فشل حوار الوثبة الداخلي تسعى الحكومة الى التفاهم مع معارضيها،، فقد تمكنت من تحييد القاهرة، ونجحت فى تعطيل مؤتمر الجبهة الوطنية العريضة لأن الجبهة بقيادة الاستاذ  على محمود حسنين هي أكثر فصائل المعارضة تمسكاً بخط “اسقاط النظام، دون التحاور معه”.. والنجاح فى تعطيل انعقاد المؤتمر فى القاهرة، يعنى تملمُل الخرطوم من صلابة موقف حسنين الداعي الى نبذ فكرة التحاور مع الحكومة، مذكراً بـ ” تفطيسها” لاتفاقيات عديدة وقعتها من قبل.. فى مقابل ذلك تستقبل القاهرة الامام الصادق المهدي الذي يعتبر ” صوتاً شجياً “فى التنادي بحل الازمة السودانية عن طريق “الحوار”.. ويعطي نشاط المهدي فى القاهرة الكثير من الإشارات ، فحراكه من أجل التنوير باتفاق باريس فى ردهات الجامعة العربية، والإدارة المصرية الجديدة، والدولة السعودية، يعني أن كبرى المؤسسات العميقة فى المنطقة ، تستعد لافراز  مبادرة شبيهة بالمبادرة المصرية الليبية لحل “مشكلة السودان فى الجنوب”، وهي مباردة كان من الممكن أن تُنجي السودان من أهوال الانفصال لولا أن الخزلان العربي هيأ للراعي الدولي تقديم برتكولات نيفاشا عليها..

 وللمقارنة فقط بين عهدين، يُلاحظ أن  الإمام المهدى، لجأ الى القاهرة في هذه المرحلة مثلما لجأ إليها بعد خروجه من الإتحاد الإشتراكي السوداني، “معللاً ذلك الخروج باعتراضه على قبول نظام  مايو باتفاق كامبديفيد”..! إن لجوء الامام الآن الى القاهرة بعد توقيعه اتفاق باريس ، أكثر وجاهة من لجوءه فى الماضي، فاتفاق باريس يُحظى باسناد واضح من الاتحاد الاوربي.. صحيح أن الوضع فى السودان بالغ التعقيد، ولا يمكن تبسيط مجرياته بالقول أن التاريخ يعيد نفسه، لكن الحقيقة المرئية رأي العين هي أن ركون من جانب الحكومة والمعارضة الى ما يمكن تسميته بـ “معقولية اتفاق الحد الادنى” فى هذه المرحلة، بالنظر الى كثافة التدخل الدولي وافرازاته ،وانفلات الاوضاع  فى المحيط الاقليمي..وأياً كانت مناورات الحكومة ، إلا أنها معنية تماماً باتفاق باريس،لأنه يهيئ مُحاصصة، يُتوقع أن تُفرز اتفاقاً ، تم التلويح به فى أدبيات الوساطة الافريقية و فى اللغة الدبلوماسية التى تنتجها العواصم الاقليمية، كالقاهرة والرياض،هذه المُحاصصة لا تبدو احتمالاً، بقدر ما هي خطة واجبة التنفيذ، تحت ضغوط اقليمية ودولية، لأن الوضع المُربك والمرتبك فى هذه الزاوية من العالم لم يعد مقبولاً..!

وكما تحتاج الحكومة الى فك طوق العزلة ، يبحث حملة السلاح عن هدأة من الحرب… ويتبين من نصوص اتفاق باريس أن  لدي حملة السلاح استعداد لتقديم تنازلات وفق ضمانات تبدأ بشروط تهيئة المناخ للتفاوض.. والحكومة هي الأُخرى، تنشُد ضمانات محددة ،” لا تكاد تُفصح عنها”، لكنها تعتمد على حدس الوسيط  ــ اللبيب ــ الذي يفهم الاشارة ..!