خالد فضل عندما قتل الشاب التونسي بوعزيزي بوساطة منسوبي الشرطة في بلاده , كان الحدث فارقا في مستقبل تونس بل في مستقبل منظومة الدول العربية كلها , إذا نظرنا الى الحادثة مجردة 

نجد أنها لم تك شاذة عن نمط الممارسة اليومية المستمرة لعقود من الزمان , باختصار يمكن الزعم بارتياح أن الشعوب التي كانت مستعمرة من الاوربيين منذ القرن التاسع عشر وحتى ما بعد منتصف القرن العشرين لم تشعر بأنها قد نالت حريتها واصبحت ذات سيادة في أوطانها بل أقرب توصيف للحالة أن استبدالا قد تم للظالمين فعوضا من أن يكون مأمور الشرطة فرنسي أو انجليزي صار يحمل جنسية الضحية نفسه , وبدلا من أن الحاكم العام في قصره كان انجليزيا ابيضا هنا في السودان اصبح بعد الاستقلال اسمرا وعلى ذلك قس , فما الذي جعل ممارسة الشرطة التونسية المعتادة منذ 1956م تتحول الى شرارة هدت عرش زين العابدين بن علي وهددت عروش اقران له من المحيط الى الخليج مرورا بالخرطوم ؟ الاجابة كما تبدو أن طاقة الاحتمال قد نفذت وحد المرونة قد تجاوز مداه فكان لابد من الانفجار , والانسان مهما بدا مستكينا وخانعا وذليلا أمام الجلاد الا أن عقله وشعوره يظلان طليقين من تلك الرهبة , فتحت سياط التعذيب اللاهبة على الظهور وبين زخات الألم الحاد يكون شعور الضحية وقتها في اقصى درجات الثورة ضد الجلاد . وان ابدى انكسارا ظاهريا ارضى به غرور الجلاد وجعله يشعر بالفخر لأن مهمته قد اثمرت .

  استمعت مؤخرا الى افادة في غاية الاهمية قالتها استاذة محامية ناشطة في العمل المدني خلاصتها أن ولاية الخرطوم تحكمها حوالي(5)الآف لائحة محلية غير قانونية , أي غير مستوفية للاجراءات الروتينية لتنفيذها , بما في ذلك قانون النظام العام نفسه , والذي بدأ الحديث مؤخرا عن اجازته بواسطة البرلمان وتضمينه مسائل فضفاضة كالحشمة وغيرها من مصطلحات تحتمل التفسير من كل واحد بحسب ثقافته ووعيه بل ومزاجه اللحظي , اذا لنا تخيل كم من المظالم ارتكبت ضد المواطنين السودانيين في ولاية الخرطوم تحت سيف تلك اللوائح غير القانونية دون أن يجرؤ على قول لا ضدها لأن (لا) هذه تستوجب استخدام المزيد من أدوات وطرق وأساليب القمع غير القانونية , أنظر الى حجم الضحايا البشرية في هبة سبتمبر 2013م , لو سأل أحدنا عما تم اتخاذه بواسطة السلطات الحاكمة ستأتيك الاجابة الصادمة والظالمة من وزير العدل السوداني بأنه لا يوجد في أضابيره ملف يحمل عنوان ضحايا سبتمبر , بمعنى أن هولاء الضحايا كأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام سابق لتاريخ اغتيالهم موجودين في هذه الحياة السودانية , يفطرون بالفول ويدرسون في المدارس ويعملون في المهن المختلفة , فأي ظلم أبشع من هذا , أو ليس في الحسبان أن لهولاء الضحايا أسر ؟ أهل وأقارب وأصدقاء وأبناء وأمهات وآباء وزملاء , فكيف يكون طعم الظلم لدى هؤلاء وهم يتابعون الظالمين في حللهم الزاهية وربطات العنق الأنيقة وأمامهم طاولات نضيدة ولافتات انيقة تتحدث عن العدل . أليس هذا مدعاة لتراكم غضب على غضب ورغبة في الثأر ولو بعد حين ؟ وحتى الحالة الوحيدة التي وصلت الى المحكمة (قضية الشهيدة سارة عبد الباقي ) تم طمس معالمها وتحرير صك براءة للمتهم هنالك شك معقول في عدالة الحكم ذاك . ومثل ضحايا سبتمبر هنالك ضحايا مجزرة بورتسودان يناير 2005م , التي كاد أن يلفها النسيان , هنالك ضحايا المحاولة الانقلابية في رمضان 1990م الذين لم تكشف أماكن مواراتهم الثرى حتى الآن فتأمل في حجم ونوع الألم النفسي الذي سببه هذا الظلم الفادح وسط الأسر والأقارب , وكذا ضحايا معسكر العيلفون ومصرع الصبي غسان في أحد معسكرات التدريب للخدمة الالزامية وما خلفه من غصة ما تزال ملازمة لحلوق أسرته رغم مرور السنوات . أما ملايين ومئات الآلاف من الضحايا في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق فهولاء ما تزال جراحهم نازفة وظلمهم مستمر الى هذه اللحظة , ومن أنواع الظلم البينة تسليح القبائل لمحاربة وطرد وتشريد وتطهير عرقي لإثنيات محددة في دارفور وتحت لافتات مضللة , دفاع شعبي , حرس حدود , دعم سريع , وغيرها حتى إذا ما اكتملت المرحلة الأولى من الاستغلال الظالم لبعض القبائل وتعبئتها عنصريا ضد الآخرين , انقلب الدور لتتم أبشع المجازر بين ذات الذين استغلوا لإبادة مواطنيهم في دارفور على وجه الخصوص , فهاهي رحى الحرب والتصفيات والحملات الانتقامية بين الرزيقات والمعاليا تخلف الآف القتلى والجرحى والمعاقين والمشردين والمفقودين , ويتم تبادل الاتهامات علنا بين فرقاء القبيلتين بأن كلا منهما تجد الدعم والمساندة والتسليح والتشوين من جانب السلطة , ومشاركة وحدات يفترض أنها حكومية لجانب هذا الطرف أو ذاك , فلو تأمل الفرقاء في هذه المظلمة الشاملة , وإنهم لابد لفاعلون ولو بعد حين فسيكون طعم الظلم عندهم قاسيا وفظيعا ولربما تحول الى ثورة غضب حقيقي تدك معاقل الظالمين الذين استمرأوا شغل الناس ضد بعضهم البعض واشعال الحروب (لأتفه الأسباب ) كما أعترف الرئيس البشير في رمضان قبل الماضي وهو يتحدث في أمسية تكريم الروائي السوداني ابراهيم اسحق , وهي أسباب بالفعل تافهة تتعلق بمصالح سلطوية وما يتبعها من امتيازات مادية مباشرة , يدفع ثمنها الناس الأبرياء والمغرر بهم ليظلموا بعضهم بعضا .

  حدثني زميل عمل قبل أيام أن تيما من الشرطة قد أيقظهم من النوم فجرا ليسأل عن أحد المحكومين بالسجن أطلق سراحه أو هرب بطريقة ما , قال لي : أجبتهم بأنني لا أعرف هذا الشخص وليس لنا به صلة أساسا , أجابوه بالسؤال عن أحد أقاربهم ممن قضى فترة عقوبة بالسجن في قضية جنائية واطلق سراحه , فلما حضر  سألوه عن ذلك الشخص , أجابهم بأن آخر عهده به عندما تركه في السجن . هنا انبرى قائد التيم آمرا جنده باعتقال ذلك الشخص وتفتيش المنزل , قال لي ذلك الصديق إنه رفض هذه الأوامر مجيبا على الضابط بأن عليه احضار أمر قبض على المطلوب وأمر آخر بالتفتيش , عندها هب أفراد الأسرة كلهم للدفاع عن حرمة منزلهم في ذلك الصباح الباكر , ولم تجد الشرطة بدا من الانسحاب . ترى كم حادثة مثل هذه تقع على الابرياء الضعفاء الذين لا يعرفون بل يخافون من مجرد الوقوف أمام السلطة وجندها . ؟وعلى ذلك يمكن ادراج الآف الوقائع عن المظالم التي تقع على مدار الدقيقة , ومثلما تزداد أعداد الفقراء في السودان على رأس كل ثانية تقع في ذات الثانية عشرات المظالم التي حولت البلاد الى أكبر مستودع للظلم في العالم تقريبا , وبالطبع لابد لليل الظلم هذا أن ينجل لابد للصبح أن يسفر ولابد للعدل أن يأخذ مجراه طال الزمن أم قصر فما ضاع حق وراءه مطالب .