د-عبدالسلام نورالدين -1- عندما اعزف يا قلبي الاناشيد القديمة بعد غياب قارب  ربع قرن من الزمان كل يوم منه مقداره الف عام مما تعد نفسي هبطت بي طائرة تركية في مطار الخرطوم  في منتهى النصف الاول من شهر يناير من عام ( 2012)

كان من سعدي  اثناء زيارتي القصيرة للخرطوم  اللقاء  عبر  الهاتف مع  الباذخ   النبيل الشاعر تاج السر الحسن  الحسين  – الدرويش الهائم  في حلقات  ذكر “الطريقة الانسانية.   وكان ذلك من منزل    عالم عباس محمد   نور   الذي يجلس ايضا  على منجم من ماس  الموهبة – فاعذرني  تاج بسماحته  أن لم أت اليه مباشرة  بعد وصولي الى السودان  ولم ينشد   بالطبع: تمرون الديار  ولم تعوجوا كلامكموا علي اذن حرام, فطفت من اعماقي وطافت  اناشيده القديمة.

“عندما اعزف يا قلبي الاناشيد القديمة

ويطل الفجر في قلبي على اجنح غيمة

ساغني اخر المقطع  للارض الحميمة

** 

ههنا من كل دار  كل ممشى

نتلاقى كالرياح الاسيوية

كاناشيد الجيوش المغربية”1

 

-2-

عقدت مع تاج السر  العزم  في تهاتفنا   ان لنا  بعد عودتي  من المدينة غرب الجبيل ( النهود) لقاءا كبيرا بقدر الشوق والود ألذي نقتسم  اذ لم نلتق  منذ ايام دار النسق 1986)-   (  1989التي تتمرأى لنا الان عصرا ذهبيا  قد تولى  قبل الف عام وقد تفيأ  بعدئذ  اصدقاؤه واصدقائي  التشكيلي  والكاتب احمد الطيب زين العابدين -والشاعر عبدالمجيد  عبد الرحمن   والبديع محمد عثمان كجراي وكثر من الاحباب -ظلال اشجار  وادي الموت أما الاحياء فقد تفرقوا على مضارب السهوب كالطيور بعد زوال خريف  وابل ودرت  حافل في كردفان.

” قالوا شعرك دوما يحي الافراح

لا يذكر الام الانسان الميت

لا تورق فيه الاتراح

لكني قلت لهم!

مات أبي .. في شعري تنتفض الكلمات

في قطرات .. دمي يحيا

هذا الانسان الميت, غير الموجود ,

هذا  الانسان أنا

يحيا في كل الخطوات ..

في القافية الملاى بالذكرى والصمت”2

-3-

تعجلت  الفرح  أن اغادر الخرطوم سراعا   كي  أرى كردفان قبل ان يذهب عنها  كل اهاب”الدرت”  ولا يعرف مثل كردفاني  مذاق ذلك المزاج واللقاح بين البرد والحر والريح التي تهب  من الشمال (القروة ) بدلا من الصعيد  في رعشة واحدة مقرورة متقدة   فينضج “الفريك” ويبلغ قصب العقيق تمام لذته وتتمدد وشائج  حبال البطيخ  كالنساء الحسان  في كل الاتجاهات( النسوان حبال بطيخ )  باحسن ما يمكنها ان تجود به    -ويبذر  نبت الفول   بسخاء  حباته الكبيرة في الرمل فينمو  “القعر” ويتمدد في كل الاتجاهات وكأنه  ينتمي لسيدة  عارمة الجسد   من شرق افريقيا يضيق الباب عن منكبيها  تصرعها اذ تقوم  احمالها المورقة   وتتفوق في ذلك الموسم  اوراق اللوبيا  في ا”لعفوس”  على  ورق عنب الشام  ويعلو طعم  المطفل من رخص شجر التبلدي الذي لايدانى ولا يبارى  في” المارقاجيك” على كل اطباق المدائن من السلطات  ويفضل”في تلك الايام  الفقوس”  الخيار وتسمع للجراري و”الهسيس”  في الكرير ايقاعا من الشجى الغامض  في ليالي بدر التمام . لا يدرك كنة  تلك الاشواق   الا من استنشق منذ طفولته الباكرة في كردفان  دعاش رشاشها  وتراب خريفها  واقبال شتائها قبل “طلاق” زراعتها حينما يجتاحها بفوضى عدمية رعاء الشاة والبقر والابل    فحزمت امري  واتجهت في الرابع من يوم وصولي السودان   الى مدينة  الابيض- ثم “ابو قلب” -“ابو زبد” عبر “البحير” الى -النهود -ود ليونة- ,كأني في سباق  تنافس محموم  في اولمبياد ليس به سواي  وكنت فيه العداء والخصم المنافس والحكم. وددت  أن اطوق بذراعي  كل الامكنة التي   سرت يوما في  مناكبها وتسلقت اشجارها  ومشيت خلف اغنامها وظعنت مع ابقارها وانخت ثم اعتليت “باصور” جمالها  وهربت من نحلها  واستعدت خجلا بعيدا عن الاقران والخلان بصوتي الاجش المنكر  “طمبورها”  و”مندعوسها”  و”تويتها”ا و”لبادتها” ورقصت “كدندايتها” حيث لا يراني احد  ثم تباعدت عنها بطلا ومكرها  عددا من السنين   وقد دعاني الهوى ولحسن حظي لم تستجهلني المنازل ولكني  قد سقطت من ذاكرة الكثير من المعارف والذين كانوا اصحابا وزملاء وقد اصابت الدهشة خالة لي  انتاشها شيئا من عدوان الزمان على ذاكرتها أن تراني أمامها على قيد الحياة وكادت ان ترفع معي الفاتحة على روحي التي لابد أن قد  احتسبتها قبل زمان طويل ثم عادت الى كامل حضورها مرددة “الحي بلاقي”

“قريتنا الخوي

ياقريتنا العيارة

هانذا في احضان الافاق

مشتاق يا وطني مشتاق

أحمل كل مزارع قطنك في قلبي

كل سهولك

كل جبالك

كل قراك

وكل شطوطك

وكل مدائنك المخضرة والمغبرة

كل السلم الصحراوي

وكل الصمغ السافاني

وكل روائح بيتك  بعد زوال الشمس

وكل شذى ازهارك ليلة عرس

وكل صدى الحانك ساعة انس

هانذا” 4- 3

-4-

حينما اخترقت بنا  السيارة  ذات الدفع القوي – التي انطلقت من “ابوقلب” ارض البحير وتجاوزنا ” ام دفيس” التي ارتمت الى الجنوب الشرقي  ولا حت خماس التي سرعان ما الفيناها  على البعد  تتوارى تحجبها عنا اشجار الغبيش والهبيل والهجليج والحميض  والمساء الذي دنا فتدلى باستاره الداكنة  فلما قفزنا على شارع الاسفلت  ندت مني اهة عميقة اذ تحسرت أن الزمان البخيل لا يتيح لي التوقف في  قرى خماس لاسائل كل منها على حدة عن زملاء الصبا الباكر في مدرسة “ابوزبد” الاولية –والنهود –اين ادم دريبات –محمد بشارة –اين حيمور حسن يوسف- حمد متعني  -وعبدالدائم ابراهيم ثم حزمت امري حتي لا سقط صريع حنين النوستالجيا  واستعضت  هاربا من  ذلك بان كل الطرق تؤدي الى النهود فلما  لاح جبل حيدوب بعد  مركب ومريكب والحمرة وقد دثره ثوب ظلام الافق الغربي اضاء لي تاج السر الحسن بفانوسه الشعري كل ابعاده فرايته ليس مكانا فحسب ولكن زمانا  امتد  لاكثر من نصف قرن .

“والليل حول بيتنا يقطر المطر

والسيل عانق البيوت والشجر

“حيدوب” ذلك الجبل

كأنه الشيخ المهيب احمر المقل

دموعه تهدد البشر”

**

“الذكريات فوق اضلعي تزاحم الخيال

ماذا اقول غير كلمة محدودة المثال

يا كردفان لن اقول قد يخونني المقال

يا اصدقائي لن احييكم تحية الوداع

ففي فؤادي لهب الجنين والصراع

وسوف نلتقي على الظلال والشعاع

في ظل” حيدروب”الجميل سوف يسمح الزمان

وفي نهودك العذراء ياربوع كردفان”5-6

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk