نبيل اديب جاء في الإنباء أن السيد/ رئيس البرلمان قد إستدعى مسئولي ولاية الخرطوم لإستفسارهم حول معالجات الأوضاع البيئية المترتبة على السيول والأمطار،

ووجه بمراجعة كل السياسيات السابقة خاصة فيما يتعلق بتصريف المياه والمصارف الفرعية والرئيسية ومراجعة الخطط الإسكانية ، ووضع تشريعات وقوانين  ملزمة ، فضلاً عن منع تشييد المباني في المجاري الرئيسية .

مما لا شك فيه أن شاغلي المناصب التنفيذية في ولاية الخرطوم يتبعون الوالي بإعتباره رئيس الهيئة التنفيذية في الولاية، كما ويخضعون للسلطة الرقابية لمجلس تشريعي ولاية الخرطوم، ولا سلطة رقابية عليهم بالنسبة للمجلس الوطني القومي إلا حين يمارسون سلطات تقع من ضمن الإختصاصات المشتركة بين الحكومة القومية والولايات وفقاً للجدول (هـ) من الجداول الملحقة بالدستور وليس من ضمنها المسائل التي أقحم رئيس البرلمان نفسه فيها. هذه السلطة الرقابية يمارسها المجلس الوطني بأن يستدعي المسئول ويطلب منه الإدلاء بشهادة، أو إبداء رأي، وهي سلطة مقررة  للمجلس الوطني أو للجانه المختلفة وليست لرئيس البرلمان بحيث يمارسها بمفرده في مكتبه.

واقع الأمر أن رئيس البرلمان وظيفته الوحيدة هي رئاسة جلسات البرلمان، وحفظ النظام بها، وتمثيل المجلس وهو تمثيل شرفي وليس وظيفي. لذلك فإن إستدعائه لأي من المسئولين سواء في المستوى القومي أو الولائي لاسند له من الدستور، كما أن توجيهاته لذلك المسئول ليس لها أي إلزام. ولكن الأمر يكون أكثر تعقيداً حين لا يتصل بسلطة قومية بل بسلطة ولائية لأن الدستور قد حرص على النظام الفيدرالي حتى أنه لم يجز للمجلس الوطني إستدعاء الوالي، وإنما أعطى الوالي سلطة طلب مخاطبة مجلس الولايات وليس المجلس الوطني.

إذاً فإن ما قام به السيد/ رئيس البرلمان حين إستدعى نائب والي ولاية الخرطوم هو أمر خارج سلطاته، وبالتالي فإن توجيهاته التي عددها للصحفيين بعد المقابلة، هي مجرد نصائح إن شاء أخذ نائب الوالي بها، وإن شاء تركها متحسراً على ما ضاع من زمنه .

 ليس من الإنصاف أن نعزو ما قام به السيد رئيس البرلمان إلى ما عُرِف عنه من عدم التقيد بضوابط منصبه، إذ ربما كان السبب وضع العاصمة القومية في الدستور. فرغم أن ولاية الخرطوم هي ولاية كغيرها من الولايات، إلا أنها تختلط بالعاصمة القومية بشكل مربك. فالمادة (152) من الدستور تنص على أن تكون الخرطوم العاصمة القومية للبلاد، وفي نفس الوقت جعل التشريع من الخرطوم ولاية تتمتع بسلطات ولائية كاملة، وهذا يجعل جميع أجهزة الحكم القومية بما في ذلك رئاسة الجمهورية، تمارس سلطاتها من أرض تخضع لولاية والي الخرطوم وحكومته.

تعالج أغلبية الدساتير ذلك بما هو معروف باسم المقاطعة الفدرالية، بإقتطاع العاصمة من جزء من ولاية وإخضاعها مباشرة للحكومة المركزية، وهو الأمر الذي يحفظ للحكومة القومية استقلالها عن الولايات المختلفة لأن المستوى القومي في الحكم هو أعلى من المستوى الولائي. من أظهر الأمثلة للعواصم التي أفردت لها مقاطعات فدرالية، برازيليا وكانبيرا وكركاس ومكسيكو وواشنطن، وأشهرها واشنطن المعروفة بمقاطعة كولومبيا. منح الدستور الأمريكي الكونغرس السيطرة التشريعية على العاصمة القومية، وقد فوض الكونغرس قدرا محدودا من السلطة المحلية لواشنطن، يمارسها مجلس تشريعي وعمدة منتخبين. بالنسبة للمستوى القومي يمثل واشنطن عضو واحد في مجلس النواب، ليس له حق التصويت، وليس لها تمثيل في مجلس الشيوخ.
كان هم المؤتمر الوطني أثناء مفاوضات السلام هو أن يخضع العاصمة لقوانين الشريعة الإسلامية فخلق هذه الغابة الإدارية التي تجعل الحكومة القومية لا تملك أي إختصاص بالنسبة للمقر الذي تزاول منه سلطاتها. وهذا مثل لعشوائية معالجتنا للمسائل الدستورية الهامة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي