محمّد جلال أحمد هاشم* نحن هنا لسنا بصدد مرافعة عن أحكام الإسلام، وعمّا إن كانت الخمر محلّلة أم محرّمة، وإذا ما كان الرّبا حلالاً أم حراماً (فهذا ممّا تعرّضنا له بجسارة ووضوح في الفصل الخاصّ بالشّريعة فليراجع)،

بل بصدد مقولة من نوع: «وكانت مهانة الاستعمار لعامّة المسلمين السّودانيّين حقّاً [السّماح بشرب الخمر علانيّةً]. فقد تغلغل هذا الجرح عميقاً في قلوبهم في اليوم الذي غُلبوا فيه على أمرهم وتولّى أمرهم قومٌ من الكفّار ذوي الشّوكة. فقد رثى أحمد أبو سعد، مادح المهديّة، أيّام المهديّة التّقيّة إذ رأى في غلب الإنكليز إيذاناً بنهاية الدّنيا [يأتي بأبيات ود سعد] وعلى المستوى الأخلاقي، ربط المادح بين ظفر الإنجليز بالسّودان وجعل شراب الخمر والمجون مشروعاً على خلاف ما كان عليه الحال أيّام المهديّة [يأتي بأبيات ود سعد]. و ‘المانديرا‘ كلمة تركيّة تعني العَلَم؛ والعُرف أن تُرفع الأنادي (أي حانات الشّراب) الأعلام بمثابة إعلان أنّها مستعدّة لخدمة الزّبائن. وأصبحت العبارة ‘رَفَع مانديرا’، كنايةً عن السّلوك الخليع المبتدع الضّالّ الذي يفارق خلق الجماعة المسلمة» (عبدالله علي إبراهيم، 2004: 21-2). فهذا القول يقوم في عمدة احتجاجه على ثلاثة حدود premises: أوّلاً، المهانة التي لحقت بالسّودانيّين المسلمين جرّاء تحليل شرب الخمر قانونيّاً؛ ثانياً، وجهة نظر شخصيّة مهدويّة إزاء ظهور الأنادي مرّة أخرى بأعلامها ممّا لم يعهده إبّان دولته؛ ثالثاً، ربط المثل المستخلص من رفع الأعلام بالحانات الشّعبيّة كنايةً عن أنّ المعنِي قد استخرج ترخيصاً رسميّاً بالشّيء. ولكن محور الاحتجاج بين هذه الحدود الثّلاثة هو الحدّ الثّاني الذي يقع في الوسط، أي امتعاض المادح ود سعد. ولكن فساد هذا الاحتجاج الذي يأتي به عبدالله علي إبراهيم يعود إلى أنّه لا توجد أيّ علاقة حُجّيّة بين الحدّ الأوسط من جهة وبين الحدّين الأوّل والثّالث. فعبدالله علي إبراهيم هنا يتمحّل النّصوص تعميةً وتدليسا. فود سعد كان على وعي تامّ أنّ عودة الأنادي ورفعها لمانديراتها ممّا لم يأتِ به المستعمر النّصراني، بل كان موجوداً في السّودان من قبل أن يولد المهدي. إن هي إلاّ فترة المهديّة حيث اختفت فيها الظّاهرة بقمع الدّولة لها، وإن كانت قد استمرّت الأنادي في عملها كما لا تزال تعمل اليوم، وكما كانت تعمل إبّان الحكم المايوي، لكن من وراء ستار. إذ ما إن سقطت دولة المهديّة حتّى عادت الأنادي مرّة أخرى. نعم، سمح الاستعمار البريطاني النّصراني، وربّما الكافر، بذلك. لكن لا يمكن أن يكون ود سعد ممّن يعتقد أنّ إباحة شرب الخمر ممّا أحدثه الاستعمار البريطاني في السّودان. فأين هذا ممّا يقوله عبدالله علي إبراهيم!

من المعروف أنّ هذه الممارسات ممّا تحرّمها الشّريعة الإسلاميّة في إطار أحكامها الجزائيّة، ممّا يمكن أن يُلمّ به أيّ دارس لأحكام الفقه التّقليدي. ولكن بتعرّض عبدالله علي إبراهيم لمسألة تحليل المستعمر لشرب الخمر والتّرخّص فيها، في جملة رخصٍ غير شرعيّة أخرى مثل الزّنا واللواط وغيره، يناور في تكتيكات الكلام حتّى ليبدو كما لو كان سلفيّاً. برفضه لهذا التّرخّص يكون عبدالله علي إبراهيم قد وضع نفسه في موضع المنادي بوجوب تحريمها تمشّياً مع حرمتها في الأحكام الجزائيّة التي تضمّنها التّراث القانوني للتّجربة الإسلاميّة الذي يُطلق عليه الاسم الفضفاض: الشّريعة. ولا تثريب عليه إذا كانت هذه دعواه بحقّ. ذلك لأنّه ما إن يصدع بوجهة نظر تذهب هذا المذهب، حتّى يتنصّل منها بكلام آخر نشتمّ منه أنّه مجرّد راوٍ للكفر ليس إلاّ.

لا يجد عبدالله علي إبراهيم مثلاً واحداً يضربه لنا في قابليّة الشّريعة الإسلاميّة (باستخدامها الفضفاض هذا) إلى التّطوّر، أو مثلاً آخر في براعة القضاة الذين قاموا بتطبيقها من حيث التّطوّر وعدم الانغلاق في نصّيّة الأحكام، ممّا يحتفل به، غير مجال شريعة الأحوال الشّخصيّة وقضاتها. هذا بالرّغم من تعرّض السّودان إلى ثلاث تجارب تمّ فيها تطبيق الشّريعة الجزائيّة خلال مائة عام: المهديّة، حكم نظام مايو، وحكم نظام الإنقاذ الوطني. فإذا كان القضاة الشّرعيون قد برعوا في مواكبة الواقع السّوداني، فهذا مردّه إلى القضاة، لا إلى الأحكام المتاحة لديهم، إذ وجدوا مندوحةً في أمرهم جرّاء الحرّيّة التي كانت متاحة لهم ضربة لازمٍ جرّاء تغافل المستعمر عمّا كانوا يقومون به من جانب، وتقاصر الأحكام المبذولة في كتب الفقه فيما يتعلّق بالأحوال الشّخصيّة عن أن تسع التّجربة الاجتماعيّة والثّقافيّة بالسّودان جرّاء تغيّر العصور وتطوّر أنماط حياة البشر، وفي هذا ما يدلّ على ضرورة تطوير تلك الأحكام لمواكبة العصر. وأمّا، إذ لم يجد مثلاً واحداً يضربه لنا في مجال براعة قضاة الشّريعة الجزائيّة العقابيّة، أو بخصوص الإمكانات الكبيرة لتطوّر تلك الأحكام النّصّيّة الجزائيّة، فلا يبقى له من محيص في أن يدعو لاستمرار الحال كما كان عليه بخصوص ثنائيّة القضاء، شرعيّه وحديثه، أو رفضاً منه لشريعةٍ عقابيّةٍ لم يجد فيها غير القطع والضّرب والصّلب وفق أهواء السّاسة والقضاة غير الأكفاء. وأيّاً كان ميلانُه، سيبقى عليه أن يشفع موقفه بتعريفٍ واضح الحدود والأبعاد لما يعنيه بالشّريعة. وفي رأينا، يكمن التّشويش في مناقشات عبدالله علي إبراهيم في عدم تقديمه لتعريف دقيق بما يعنيه بمصطلح الشّريعة من حيث أبعادها وحدودها وأطرها، ثمّ تقديم تعريف واضح لما يعنيه بالحداثة المؤمّل تحقّقها في الشّريعة. إذ يتكلّم في كتابه متناولاً مصطلحي الشّريعة والحداثة دون أن يشفع أيّاً منهما بأيّ تعريف، ولو كان إجرائيّاً، دعم عنك تقديم مناقشة نقديّة ضافية لهذين المصطلحين.

ولكن، مع هذا، لا نذهب إلى أنّ عبدالله علي إبراهيم لا يعرف ما يقول. وهذا أمر سبقت فيه منّا الكتابة قبل سنوات، نقداً لمشروعه، وتحليلاً لخطابه وحيله الأيديولوجيّة المغلّفة بورق الأكاديميا. من هذا ما قلناه في مقالنا الموسوم بعنوان: «السّودانوعروبيّة أو تحالف الهربين، أو المشروع الثّقافي لعبدالله علي إبراهيم في السّودان» (1999)، ونورد أدناه اقتباساً متوسّعاً لما فيه من غناء:

«في مايو 2003م نشر عبدالله علي إبراهيم سلسلة من المقالات بجريدة الرّأي العام السّودانيّة [كان قد صرّح بها في مقابلة من قبل بجريدة أخبار العرب الإماريتية بتاريخ 11/7/2001م]، استندت على محاضرات كان قد قدّمها هنا وهناك ما بين السّودان وبعض دول الخليج. في هذه المحاضرات نحا عبدالله علي إبراهيم إلى استخدام مصطلحات عالية التّحميل، مثل “تطبيق الشّريعة” وما شابه، بطريقة جعلت الكثيرين يذهبون إلى أنّ الرّجل قد كشف عن أقنعته الحقيقيّة أخيراً. كما أشفق عليه الكثيرون من معجبي فكره ممّن لا علاقة لهم بالحركات الإسلاميّة الأصوليّة الدّاعية لتطبيق الشّريعة. لكن لا شيئ أبعد من الحقيقة من ذلك، فالرّجل في واقع الأمر يعمل على إيلاف مستعربة السّودان من عروبيّين وإسلاميّين، فيما سنشرح أدناه. من ذلك مثلاً قوله: ‘أريد في هذه المقالات.. أن أردّ إلي الشريعة مطلبها الحقّ في أن تكون مصدراً للقوانين في بلد المسلمين. ولست أري في مطلبها هذا بأساً أو ظلماً لغير المسلمين. ولست أدّعي علماً فيما يجدّ غير أنّني أتفاءل بما سلف من خصوبة الشّريعة وحسن تدريب ذوق الشرعيّين بها من قضاة المحاكم الشّرعيّة علي عهد الاستعمار وما تلاه في ترتيب قوانين التزمت خير الأسرة المسلمة وانتصفت للمرأة ما وسعها..’. انظر كيف أنّ الرّجل لا يطالب بتطبيق الشّريعة، كما لا يطالب بأن تكون ‘مصدراً للقوانين’، أي للتّشريع. لكنّه يريد أن يردّ لها ‘… مطلبها الحقّ في أن تكون مصدر القوانين في بلد المسلمين ..’، ثُمّ على أيّ كيفيّة تراه سيردّ لها ‘مطلبها’ هذا؟ على طريقة ‘… قضاة المحاكم الشّرعيّة علي عهد الاستعمار وما تلاه … ’. ولكن، تُرى متى طالبت الشّريعة بذلك، أم أنّ ذلك مطلب الإسلاميّين الأصوليّين؟ وحتّى في أدب الأصوليّين، هل يطالبون بالشّريعة كما جرى بها خطاب القضاء الشّرعي ممّا عُرف زمن المستعمر وما تلاه؟ علم الله أنّ تلك ليست ما يطالب به الأصوليّون. إنّ ما يبدو على أنّه تخليط غير موفّق للمفاهيم، سيستقيم على قدميه إذا نظرنا إليه باعتباره مشروعاً لإيلاف الإسلاميّين عروبيّاً، خاصّةً من أُحبط منهم إسلاميّاً بالممارسة غير الرشيدة التي ظَلَع بها الإنقاذيّون ـ وذلك بعد أن عمل عبدالله علي إبراهيم ما فيه الكفاية لإيلاف العروبيّين [في المقال أسهبنا في إيلافه للعروبيّين وفقما أسمينا بالتّيّار السّودانوعروبي].

«جُبل نظام الإنقاذ علي هشاشةٍ فكريّة فتّت في عضُد التّنظيم القوي مما أسلمته إلى التّراخي وانتهت به إلى الانبطاح التّام في الفساد الزّاخم. لعب كل هذا دوراً خطيراً في توعية عدد كبير من صادقي الإخوان المسلمين بخطل الاستناد على الشّعارات التي تنفخ الصّدر دون العمل على تنزيلها إلى رؤى فكريّة، عمليّة قابلة للتّنفيذ. وقد أدّى هذا بالعديد من الكوادر الصّادقة مع النّفس إلى التّهيّؤ للانفضاض عن الحركة جملةً وتفصيلاً، جرّاء الإحباط والإحساس بالفشل. في المقابل انفضّ العديد من كوادر العروبيّين بالسّودان عن فكرة القوميّة العربيّة، خاصّةً بعد غزو العراق للكويت، مُحبطين ممّا بدا أنّه فشل للفكرة نفسها. بالنّسبة لعبدالله علي إبراهيم يمثّل تماسك الجسم المسلم المستعرب بالسّودان هدفاً أساسيّاً. لذلك فإنّ انفضاض الكوادر النّاشطة عروبيّاً وإسلاميّاً من سابق مواقفها التّنظيميّة بسبب الإحباط، يُعتبر خسارة للمشروع العربي المسلم بالسّودان. فهذه الكوادر ــــ بحكم كونها ناشطة وعالية التّنظيم ــــ يمكن أن تلعب دوراً أخطر إذا ما اتّخذت من فشلها نقطة انطلاق نحو تطوّر جديد بدلاً من الرّكون إلى الإحباط.

«هنا يأتي مشروع عبدالله علي إبراهيم في إيلاف هؤلاء داخل مشروعه. وتكمن خطّته في استخدام مفرداتهم الفكريّة في غير مدلولاتها الخطابيّة. وهذا تكتيك في ظنّنا أنّ عبدالله علي إبراهيم قد حذِقه من خبراته الماركسيّة السّابقة. وهذا من قبيل تناوش المفكّرين على ‘عَظْمة’ المصطلحات ذات الجاذبيّة الخطابيّة، حيث يسعى كلّ جانب إلى تحميلها بمدلولاته المناقضة لمدلولات الطّرف الآخر. اُنظر مثلاً إلى الماركسيّين أُخريات القرن التّاسع عشر كيف تناوشوا مع الليبراليّين حول ‘عَظْمة’ الدّيموقراطيّة، حتّى إذا جئنا إلى منتصف القرن العشرين، أصبحت جملة ‘هذا شخص ديموقراطي’ تعني أنّ هذا شخص ماركسي بدلاً من ليبرالي. وهكذا بالنّسبة للعروبيّين، فإنّ القول بأنّ السّودانيّين عرب، يُمثّل أرضيّة جيّدة للإيلاف. بينما تُمثّل الدّعوة إلى عروبة خاصّة بالسّودان أرضيّة فكريّة صلبة تُبرّر نفض يدهم عن دعوى القوميّة العربيّة الخاسرة، دون قطع الصّلة بالعرب. أمّا بالنّسبة للإسلاميّين، فإنّ ترداد أن تكون ‘… الشّريعة …. مصدراً للقوانين في بلد المسلمين’ أجدى في إيلافهم؛ هذا مع إمكانية علمهم بأنّ الجملة تُستخدم في غير مدلولها الخطابي القديم. الشّريعة هنا هي شريعة القُضاة الشرعيين، أي شريعة الأحوال الشخصيّة، وليست شريعة الجلد والقطع والصّلب».

وبعد؛ هذا ما كتبناه عن الرّجل قبلما يقرب من العشرين عاماً، وكنّا نظنّ أنّه لا يزال عنده، فقد ظلّ عبدالله علي إبراهيم يعمل جاهداً لإيلاف العروبيّين والإسلاميّين السّودانيّين في مشروع سياسي لن يجني السّودان منه (ولم يجنِ حتّى الآن) غير الحروب والتمزّق وذهاب دولة المواطنة، تكريساً لدولة تتمسّح بالعروبة وتحكم بشيء اسمه الشّريعة، لا عبدالله علي إبراهيم ولا التّرابي ولا لفيف الإسلاميّين في عصرنا هذا بقادرين على أن يرسموا لنا ملامحها بخلاف الجلد والقطع والصّلب، دون الرّجم إذ لا يملكون له مصارين الجسارة اللازمة ولا الإيمان الكافي. هذا ما كنّا نظنّه. إلاّ أنّ مراجعتنا للمسألة أوضحت لنا أمراً مختلفاً. فهناك دلالات كثيرة وموحية بما فيه الكفاية كنّا قد أغفلنا عنها تُشير بوضوح إلى أنّ عبدالله علي إبراهيم قد غيّر جميع تكتيكاته الأيديولوجيّة بمجرّد مجيء نظام الإنقاذ وفقما سيأتي أدناه.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة