عبد الله الشيخ  هذه الواقعة ، جرت أحداثها فى إحدى قُرى سنار، أيام فورة التمكين التُرابية.. فقد زار مُعتمدهُم إحدى الحلّال  ـــ لا داعي لِذِكر الأسماء ــ فالواقعة حقيقية والشهود حضور..!

هبط مُعتمدهُم برفقة معاونيه مِن العربة لتفقُد الأحوال، واطمأن على حيطان المدرسة، التي شلّختها الأمطار وتناثرت بين فصولها  أشجار اللعوت..شكا اليه الأهالي هروب التمرجي من الحِلة، والبعوض والمِلاريا، إلخ ،، فوعدهم خيراً، وكان مع كل وعدٍ يقطعه، يقول لهم: “بلدكم دا خيرو كتير”..! هذه العبارة الانقاذية الجاذبة، أدخلت الأهالي في حيص بيص..! كيف يُقدِّموا لرفيعي المقام، إفطاراً قوامه الكجيق، والكوَّل مدعوماً بالبصل والشطة وأُم رقيقة ، أطال اللهُ عمرها..!؟ كيف يجوز هذا مع دستوريين تفقّدوا الاحوال، وأكدوا بأن”الصعيد خيرو كتير”..!؟ لابد إذن، من القيام بالواجب..المستنيرون من أهل الحِلة وجميعهم ــ تقريباً ــ ينتمون وجدانياً للترابي ، “خَلَصوا نجيّا “، و ضربوا بين فرجات القطاطي باحثين عن هدية تليق بالمعتمد ومعاونيه ، فما وجدوا في الحِلة غير شوالات الفحم، و”البِتَّيخ” الغُلاد ، و”جنَى الجداد”..! أستقر رأيهم علي عزل أحسن شوالات الفحم ، مع قطع نُسخٍ أصلية من”البِتَّيخ” ، بعدد الضيوف، وطلبوا من حريم الحِلة جمع “جنَى الجداد” من الدانقة..!

رفع مستنيرو الترابي الفحم و”البِتَّيخ”، وجردلاً مليئاً بالبيض فى العربية الدستورية..وبحياء أهلهم في الريف ، خاطبوا المعتمد: معليش يا شيخنا دي هدية بسيطة، لأنو زياركم كانت “مُفاجِعة “، ما قدرنا نضْبح ليكم”..! تلقّى المعتمد الإعتذار  قادِلاً بشأو  التمكين، و مُتنسِّماً هبّاب الصعيد..تفحّصها وأطرق مليّاً فى قسمتها العادلة ،لكنه حدّق مليّاً في الجردل.. وقال مُرتكزاً :” الجردل دا حقي ، طيِّب رفاقتي ديل، حقّهم وينو”..!؟ أجاب مستنيرو الترابي ، بعد لعثمة: حقهم قاعد..!

 وضربوا مرة أُخرى في شِقوق الحِلة، و لم يجدوا غير مزيداً من الفحم و”البِتّيخ”..عادوا فوجدوا المعتمد ورفاقه يُجاهدون أهل الحِلة مستذكرين تضحيات الصحابة، ومُعرِّضين بإلحاديّات “بَني عَلْمان”..! مرة أخرى، و”من داخل أظافرهم” قالوا :- يا شيخنا، فتشنا ،”جنَى الجداد” ما لقينا..دحين، إنتوا أُخْوان، إتاشيلوا الفحم و”البِتَّيخ” ،، و اتقاسموا جردل البيض..!

بـ “نِصْفِ إبتسامة”، استرشد المعتمد بـ “مُعلّقة قيقم”، مؤكداً أن الكرم أصلوا وفصلو عند أهل القرى..! عند ذلك، إنبثق الطرب من تِلقاء”كيتة” مستنيري الترابي ، فإذا بالمعتمد ومرافقيه، ينخرطون هازجين فى من حالة النقزي :- “لا تحزن بي ما جرى يا ضال الطريق.. ميِّل على أهل القُرَى”..! بعد النقزي الانقاذي، وتلاويح العصا المعروفة ،غادر المُعتمد وركبه ، يرافقهم مستنيرو الترابي الى طرف الحِلة، التزاماً بالبرتكول..!

على مبعدة من هُناك وقف مُعتمدهُم ، وطلب بعض الماء من الكنار.. و من باب الحرص على رعاة دولة الاسلام، استنكر مستنيرو الترابي، أن يشرب المعتمد أو يتوضأ من هناك، لكن المعتمد أومأ، أن إتَّبِعوني، بجردل البيض الى دّكة الكنار، محذراً لهم ، بـ” ايماءة غليظة “، أن يُنَفَّذوا أمره دون نقاش…. فوق الدّكة، أشار المعتمد لهم أن يملأوا جردل البيض بالماء..ظنّ الاهالي من على البُعد أن مُعتمدهُم قرّر الوقوف على أحوال الري..سمع من البعيد هُتافهم وتهليلهم ، لكنه كان عنهم، فى “شغلٍ شغيل” ، ببدلته التي هبهبها الريح..! أدخل المُعتمد عصا الانقاذ “برفق” فى الجردل ، فطفَحَ منه بيضاً ليس بالقليل..!عندها هتف لمعاونيه :- “جيبو مواعينكم، الطافح دا كلو حقكم”..!

غير أن مستنيروا الترابي ،عندما عادوا الى ذويهم قالوا، أن مُعتمدهُم المُجاهد، كان أشطر أولاد الدُفعة ، وأنه مِنْ زمان، زول “تفْتيحة”، مش زي الأفندية الموالين لـ “عاديات الدُول الاستكبارية”..!