رشا عوض إن الحركة الإسلامية السودانية الحديثة بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابي عندما دخلت بقوة الى ساحة العمل السياسي في السودان، فعلت ذلك رافعة شعارات التجديد، 

وزاعمة لنفسها تميزا نوعيا عن التيار التقليدي في جماعة الاخوان المسلمين سواء داخل السودان أو خارجه، وجوهر هذا التجديد يكمن في  أفكار الدكتور الترابي، والفكرة المركزية فيها هي ان “المسلم الحق هو من يوحد كل مساقات الحياة عبادة لله، وهذا يتطلب من المسلم المعاصر ان يبذل قصارى جهده في استعادة السياسة والاقتصاد والعلم والفن والقانون والثقافة والرياضة وكل مجالات الحياة الى الدين، بعد ان خرجت عنه في المشروع العلماني الاوروبي، وخرجت عنه كذلك في المجتمعات المسلمة بسبب الجمود والتقليد في الفكر الاسلامي من جهة، وبسبب الاستسلام للتغريب من جهة أخرى، وبحسب الترابي فإن المسلم العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة ويقيم الاقتصاد والقوانين والسياسة والفن والثقافة على غير هدى الاسلام كافر وفاسق عن هدى الإسلام، لأنه “مبعض” أي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ومن يفعل ذلك موصوف بالكفر حسب النص القرآني، وبالتالي فإن الذين يمثلون الإسلام المكتمل المبرأ من عيوب التبعيض، أي الكفر الجزئي والفسوق عن الهدى الرباني هم المنخرطون في حركة الإسلام السياسي التي تسعى إلى أسلمة كل مجالات الحياة وليس السياسة فقط”   

وأية قراءة نقدية لتجربة “المشروع الحضاري” في السودان لا بد ان تبدأ بنقد منهجي صارم لهذه الفكرة المركزية، لأن فشل المشروع سببه فساد الفكرة نفسها وليس سوء تطبيقها! فهي فكرة مضرة بالاسلام قبل ان تكون مضرة بأي شيء اخر، لأنها تلغي الحد الفاصل بين المطلق”الاسلام” و”النسبي” تصورات البشر حول ما يقتضيه الإسلام، فقد قرأت كتب الترابي بعناية فائقة وأهم ما استوقفني هو إلغاء المسافة بين فهمه هو واجتهاداته وخواطره الفلسفية وبين الإسلام وآيات القرآن الكريم، فتجده يقول رأيه في قضية ما ثم يفتح قوسين ويضع بينهما آية قرآنية! وكأنما قوله هو متطابق حد التماهي التام مع قول الحق عز وجل!   والهدف من ذلك هو هدف سياسي دنيوي محض، فالترابي يريد لحركته السياسية ميزة تفضيلية(مطلقة) على كل الفاعلين في الساحة السياسية، مستغلا الدين الذي له سلطانه المعنوي على وجدان الشعب، يريد ان يضع نفسه وحركته السياسية في منصة “فوق إنسانية”! فهي حركة تتفوق على غيرها بأنها تمثل إرادة الخالق! فقد استمعنا كثيرا الى الدكتور الترابي في عشرية الإنقاذ الاولى وهو يفاخر بعودة السياسة الى الدين، وعودة الاقتصاد السوداني الى الدين، وعودة المؤسسة العسكرية في السودان إلى الدين، وتوبة الفن الى الدين! استمعنا الى ذلك في منتصف التسعينات! يعني خمسة او ستة سنوات من اعتلاء جماعة الترابي للسلطة أعادت الشعب السوداني ومؤسساته وسياسته واقتصاده وفنه إلى الدين! وكأنما الدين هو الترابي وجماعته! وبمجرد استيلائهم على السلطة بانقلاب عسكري عادت كل مفردات الحياة السودانية الكافرة بقدرة قادر الى الدين وتأسلمت!  ولو سألنا الترابي مثلا كيف عاد الاقتصاد السوداني الى الدين وقد رأينا هذا الاقتصاد وقد خر ساجدا ليس لله الواحد القهار ، بل لصندوق النقد الدولي وسياسات نادي باريس ومن ورائهما دول الاستكبار الكافرة، فلن نجد عنده إجابة، لأن مثل هذا الخطاب الآيدولوجي أصلا غير مصمم للتداول العقلاني، بل مصمم للتجييش العاطفي.

انقضى ربع قرن على التجربة الفاشلة، وقد أقر بفشلها كثير من الإسلاميين، ولكنهم رغم ذلك  ما زالوا يراهنون على “البديل الإسلامي” لإدارة الشأن العام ، ويزعمون ان كل موبقات “الإنقاذ” هي نتاج الانحراف عن “الإسلام الصحيح” وفي هذا السياق هناك كثير من “الإسلاميين الجدد” الشباب الذين تخففوا كثيرا من الأحمال الآيدولوجية الثقيلة وباتوا ينظرون الى مآلات مشروعهم بعين ناقدة، وفشل المشروع أعاد الى السطح مجددا مفردة”التجديد” ، وهنا من حقنا أن نسأل وبإلحاح: أي تجديد لديكم؟ هل هو تجديد مؤسس على ذات الفكرة المركزية للترابي وهي فكرة كل حركات الإسلام السياسي؟ أم ان هناك تجاوز لهذه الفكرة؟

استوقفني صباح اليوم منشورا على موقع فيس بوك، للاستاذ راشد عبد القادر، وهو من الشباب الإسلاميين المثابرين على إلقاء الحجارة في برك الإسلام السياسي الساكنة، وفيما يلي نص المنشور كاملا ، ثم تعليقي عليه:  

الاسلام
بعيدا عن التزييف
…………………
قبل سنوات طوال اتحدث مع خطيبتى يومها ((زوجتى اليوم)) وهى فى عامها الاخير فى كلية الاداب علم النفس عن بحث التخرج الذى سوف تكتبه
واباغتها بالعنوان الذى اقترحه لها ((البعد النفسى لاسلام الصحابه))
وكان سؤالى هل اسلم ابكار الصحابه فقط لانه نص ضخم به مطلق الحق ام لابعاد نفسية واجتماعية خصوصا اذا ايقنا ان النص فى ذاته لم يكن مكتملا بدء التنزيل ولم يكن بشموله
واخبرها عن ان الاسلام بعيدا عن المفهوم النصوصى العام كان فيه بعدا نفسيا يجعل اوائل المسلمين هم المستضعفين والنساء والرقيق لان الاسلام فى جوهره هو انحياز لهؤلاء المستضعفين
هو الذى يعالج الشروخات النفسية لهم
الذى يرفعهم من هامش الحضور ليكونوا فى قلبه
هو الذى يلغى المسافات النفسية بين الرقيق والاسياد
الذى يلغى الفروقات الاجتماعية بين المرأة (الموؤودة) والرجل القاهر
الذى يوحد بين القبائل الهامشية والقبائل المسيطرة
الذى يجعل الفقير صاحب حق فى مال الاغنياء
الذى يعتق الانسان من ربقة السيد الى حرية الله المطلقه .. الله الاكبر ويتيح له ان يكون حرا فى خضوعه لله او كفره به
والذى يعيد الاصل فى الوجود للامة وليس للسلطان والزعيم
هو اكثر من مجرد نص اخروى
هو نص يتفاعل مع الحقيقة الموجودة والحياة المشهودة يعالج اشكالاتها ويعيد تقويمها يفكك بناءاتها ليعيد تشييدها
يعترف بالهويات الثقافية كمجموعات لها خصوصياتها .. شعوبا وقبائل ويعيد تآلفها ((لتعارفوا)) ويلغى امتيازاتها (اكرمكم عند الله اتقاكم))
يبحث عن الحاجيات الانسانية .. الاطعام من جوع والامان من خوف
وبعد هذا الشرح الطويل نظرت اليها ثم ضحكت ((اكتبيه عشان يعتبروك زنديقة ويرفدوك))
وهذا ايمانى بالاسلام الذى اعرفه وأؤمن به وأؤمن انه قادر على حل الاشكالات الزمكانية متى ما تم التعامل معه كنص يعاد تنزيله التفسيرى فى كل مكان وكل زمان وما تشمله من ملحقات ثقافية واجتماعية
اسلام اكبر من نصوص الفقهاء حين تقف سيفا فى مساحات الحرية
واكبر من رأسمالية حين تتحول الى جشع وغنى مفرط.. واكبر من تصوف يعلى من قيمة العوز والفقر واكبر من اسلام سياسي سلطوى منفصل من الناس
اسلام اكبر من تحيزات سنه وشيعة واكبر من مذاهب
اسلام يدعو لانتخاب الحكام من الجماهير (اولى الامر منكم) ويأمرهم بالعدل ((واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)) وان يكونوا امناء على حقوق الناس ((ان الله يأمركم ان تأدوا الامانات الى اهلها)) وبعد ذلك وليس قبله يدعو الجماهير الى طاعة هؤلاء الحكام متى ما عدلوا وكانوا امناء وليس تزييف (العلماء) بالطاعة مطلقا.. وليس اذا اكل مالك وجلد ظهرك
اسلام يبحث عن الله ليس فى السماء وانما فى هذه الارض
فى الاطعام وافشاء السلام والتراحم فى الجار واولى القربى والوالدين.. ليس فى المسجد فقط وانما فى الاسواق والطرقات والشوارع .. فى اماطة الاذى عن الطريق ومؤاكلة الزوجة واطعامها
اسلام لا يجعل دخولك الجنة الا بدخولك لهذه الدنيا بابوابها المتسعة اصلاحا واعمارا وتواصل
من اراد ان يكون للدين فداء فليعمل لهذه الدنيا .. بحق ودأب وصدق
من اراد ان تكون هى لله .. فليجعلها بحق هى للانسان
ومن اراد ان يهتف الله اكبر فليكن بفعله هو فى الناس (اصغر)
ابحثوا عن اسلام يعالج الناس .. نفسيا واجتماعيا ويطعمهم ويسقيهم قبل ان يطلب منهم دخول المساجد
ادخلوا الناس الى الاسلام بادخالهم الى الدنيا وليس العكس

التعليق:

تحياتي راشد، مقالتك جديرة بنقاش موسع، فمن المواضيع غير المطروقة بجدية في أوساط الإسلام السياسي موضوع “فلسفة التدين الإسلامي” وسؤال “كيف يمكن ان يكون للتدين تأثير إيجابي على الحياة العامة “؟ رغم انف آلاف المآذن وآلاف الخطب في كل الجمع والجماعات والأعياد، ورغم أنف ملايين ما يسمى بالكتب الدينية المعروضة في قارعة الطريق، ورغم أنف “طوفان” الإسلام السياسي الذي يغرق كثيرا من دولنا ولا عاصم منه ولا سفينة نوح(إلى حين إشعار آخر)، رغم كل ذلك المجتمعات المسلمة بعيدة كل البعد عن الأخلاق الحسنة والقيم الخيرة ، وهذه ليست فرضية اعتباطية بل حقيقة تتجسد شواهدها وتمد لسانها لكل المظاهر الشكلانية للتدين من لحى وجلابيب قصيرة وخيام سوداء متحركة وايات قرآنية واحاديث نبوية تتخلل كل احاديث المسئولين السياسيين  وووووووو، رغم كل ذلك اغنى اغنياء العالم مسلمون وأفقر فقرائه مسلمون! الكذب والنفاق والزيف مستوطن في حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية! الانضباط والدقة والاتقان في إنجاز الأعمال المختلفة سلوكيات مفقودة في بلاد المسلمين!  التشدد اللفظي ضد الزنا يتناسب عكسيا مع حالة العفة والطهر في المجتمعات المسلمة! ورغم أنف الخطب الطنانة في ذم إباحية الغرب، نجد ان هذا الغرب الفاجر أكثر صرامة بما لا يقاس من الدول التي تحكمها انظمة إسلاموية في معاقبة مرتكبي جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي بالنساء والأطفال!  أما في مجالات سيادة حكم القانون والشفافية والنزاهة في التعامل مع المال العام وقدسية القضاء والحريات العامة فغالبية المسلمين في ذيل العالم ولا سيما من تحكمهم نظم إسلاموية! ولا تضرب لي مثلا بتركيا لأن تركيا دولة علمانية ارتضى علمانيتها حتى الحزب الإسلاموي الحاكم ، وبخصوص التبعية للغرب وأمريكا فلم يعد خافيا على احد ان اخطر عملاء المخابرات الغربية والامريكية مزروعون في قلب حركات الاسلام السياسي ولذلك لم نسمع ولو (بالغلط ) حركة اسلام سياسي وقفت موقفا حاسما ضد سياسات السوق الحر وانحازت للمستضعفين بتبني سياسات السوق الاجتماعي،  ولا سبيل لمغادرة هذه الحالة البائسة إلا اذا اشتغل الاسلام حيث ينبغي له ان يشتغل اي داخل ضمائر المؤمنين، فتكون السلطة الأخلاقية هي السلطة الاعلى على الفرد المسلم، فيتحول الى انسان خيٍر ضد الظلم والفساد والاستبداد ومع الفقراء والمستضعفين، ولكن اخوانك الإسلاميين عندما اقول لهم ذلك يتهمونني بانني اريد تهميش الإسلام بحبسه في الضمائر! لأنهم لا يطمئنون لوجود الإسلام في الحياة إلا اذا كانت هناك احزاب سياسية اسلامية! ودستور اسلامي! ودولة اسلامية! وجامعة اسلامية! وجزارة اسلامية! ومخبز آلي اسلامي! وبقالات تسمي نفسها الأعراف والأنعام والمائدة والبقرة والصافات والعاديات كما هو الحال في سودان الإنقاذ! ولا يهم ان كانت تبيع سلعا منتهية الصلاحية أو تجني ارباحا غير مشروعة!

ما قلته يا راشد سبق ان قاله الترابي وأتبع قوله بالعمل فكانت النتيجة تجربة الإنقاذ! ورغم نقدك ونقد كثير من الاسلاميين للانقاذ بصرامة وبقسوة احيانا ، إلا انني ارى بين طيات ما تقولون وما تكتبون بذور إنقاذ أخرى! اتدري لماذا؟ لأنكم لم تتجاوزوا “الفكرة المركزية” التي أنتجت الأزمة!

فكرة ان الإسلام سوف يحل كل الإشكالات الزمكانية!

ان من يتصدى لحل المشكلات الزمكانية هم المسلمون وليس”الإسلام”  وسوف يفعلون ذلك وفقا لخبراتهم ومعارفهم وتجاربهم البشرية المتعددة والمتباينة المتولدة حتما عن واقعهم التاريخي، وما داموا مسلمين فسوف يستلهمون قيم الإسلام في تفاعلهم مع “زمكانهم” وهذا الاستلهام نفسه سيلونه “الزمكان” بلونه، اي انه نسبي ومتغير!  

لا بد ان نتخلص من فكرة وضع “الإسلام” في سباق تنافسي على حل المشاكل “الزمكانية” مع العلمانية او الرأسمالية أو الاشتراكية أو غير ذلك من الأفكار! هذا السباق يمكن ان تخوضه أفكار مستنبطة من الإسلام ولكنها تمثل أصحابها فقط! أما “الإسلام” فهو مصدر إلهام وتأثير روحي وخلقي على كل من آمن به ،والمسلم ومن حيث هو مسلم يمكن ان يتبنى توجها علمانيا او لبراليا أو اشتراكيا، ففي ساحة البحث عن حلول المشاكل الزمكانية لا مكان للمفاصلة الدينية، لأن التدين تجربة روحية ذاتية يعيشها كل فرد على طريقته ولا توجد حتمية في ان يتجه المتدينون الى وجهة سياسية واحدة، وهذا ما ترفضه آيدولوجيا “الإسلام السياسي” التي تدعي حتمية انتماء المسلمين المتدينين لها!