د-عبدالسلام نورالدين -5 - تحت اعتاب جبل حيدوب بذلت في الاسبوع الرابع من يناير 2012 في زيارتي القصيرة للنهود المدينة "ال" غرب الجبيل جهدا هرقليا للقاء محمد ابراهيم دبوجة لانقل اليه الاشواق و"السلامات" من صديق عمره تاج السر الحسن شاعر " وادي النهود أو كردفان التي أهداها الى روح صديقه العبقري الراحل أحمد حسن العركي الذي أخترمه السل وهو في ريعان تفتحه الادبي" .

“تاج” الاسم الذي يفضله زملاؤه منذ بواكيره في مدرسة النهود الاولية الشرقية غال واثير يمجده عشاق الشعر والادب وأجيال توارثت صيته الحسن في المدينه غرب جبل حيدوب التي تبادله حبا متأججا بقدر غرامه وتعلقه بها ويثبت ابناؤها على استار قلوبهم معلقته الحيدوبية ذات الشجى ” وادي النهود أو كردفان ” التي كان يرددها كثيرا “الدرديري عرفه*” و”ابراهيم حمادي*” و”جنقور*”وليس مثل ابراهيم منعم منصورأبن ناظر عموم حمر من يعرف دقائق كل اسم لانسان أو لشجرة أو عشبة وردت فيها* وبالطبع يستظهرها دقيس أحمد جحا اذ كان من ابطال تلك الالياذة التي دارت في بحر رمال النهود .

بحثت بشغف في سوق النهود عن دبوجة كي أنقل له كثير سلام تاج السر وسؤاله الملحاح عن صحته واحواله واخباره وكنت من جانبي أمني النفس بعد زمان طال وقد تغيرت الاحوال بلقاء دبوجة وان أملأ عيوني مرة أخرى منه فقد رايته لاول مرة قبل اكثر من نصف قرن من الزمان حيث كان عصرا نهوديا متألقا زين فيه ادريس الصويم ومولانا البداني ومحمد أحمد البلاع ومحمد أدم يعقوب وحسب الرسول علي حسين وتاج السر الحسن والحسين الحسن وعبدالرحمن الحضيري واخرين -تلك المنارات التي سمقت شهبا في الجبهة المعادية للاستعمار والوطني الاتحادي واضاءت سماء النهود بمصابيح الوعي والتنوير ومع ذلك تعذر علي بكل اسف نقل وديعة تاج السر الحسن -الى محمد ابراهيم دبوجة واكتفيت من الغنيمة بسماع أخباره أنه بصحة جيدة ولا يزال ينفث دخان سجائره فيتلوى صاعد ا كافكاره المشعة الى عنان السماء – يات دبوجة عادة كما قد قيل لي الى السوق ويجلس في دكان بعينه( لعله لابنه كما قد علمت في وقت لاحق) في أوقات يشق التكهن بها ولم يكن زمان جدولي المشحون بالعديد من الزيارات لقرى و”دليونة” و”ود حمد” و”جبارة” وبعض “الآريت”في منطقة “الويوي” يسمح لي بادراك كل ما تتمناه نفسي فعدت وبها شئ من دبوجة والى معرفة عما اذا كان لا يزال يدخن “البحاري” “وابوكديس” وقريفن( أ ) كسابق عهده في عقد الخمسين من القرن الذي ذهب أم أنني أتحدث الى نفسي بصوت لا يسمعه غيري أو بتعبير أدق واجود بكلمات تاج السر:فما رسمتُ صورة لوجه كردفان ,لكن رسمتُ قلبيَ المغترب الولهان.

 

يا كردفانُ ياربوعُ

يا أزاهرا تضوعُ

كم خضّر الخريفُ في وديانك الجذوع

لا تحسبونا نقبر الأشواق والحنان

لا تحسبونا نجهل الأيام والإخوان

فقد رسمنا في قلوبنا سهول كردفان

حشائش” السوريب” عندما تسور المياة

وشجر اللالوب حينما يفيض بالحياة

و(السمبر) الأنيق حين زغرد الخريف

لن تسمعوا سوى صدى الأمطار والحفيف

فما رسمتُ صورة لوجه كردفان

لكن رسمتُ قلبيَ المغترب الولهان

**

**أخي (دقيس)

هلاّ ذكرت الأمس بالكُتّاب

والحرب كان ظلها يغادر الأبواب

كنا نقود جيشا يعبر الصحراء

جيشا يقاتل النازية الحمقاء

وقد هزمنا صانعي الدمار

الحرب وَلَّتْ لم تعد تهدد الديار

لكن بنادق الفروع في أكفنا تلوح

الشوك كالسلاح كم يفتِّح الجروح

و(التوم) لن يموت

والحرب ولت لم تعد تهدد البيوت

أخي (دقيس)

كيف تراها أبعدتنا شُـقَّـة الزمان؟

ألم تكن تضمنا ضلوع (كردفان)

وأين (بكري)؟ أين ثلة الإخوان؟

وأين ابن الأحمر (السباق) في الميدان.

 

شجيرة (الهَشَاب) خلف فصلنا الأخير

رأيتها كما عهدتها بظلها النضير

ولم تزل فروعها تفيض بالعبير

شجيرة (الهشاب) ياصحاب

نسيتموها.. أم تُرى أنساكم الغياب؟

أم أن هذه الحياة كلها سراب”

كتب ابراهيم منعم منصور رفيق صبا الشاعر تاج عن تلك الايام في مدرسة النهود الشرقية.

(ولا انسى الشاعر تاج السر الحسن وهو بالمناسبة من مواليد النهود وبما أن البعض قد لا يعلم ما اشار اليه “تاج” كما كنا نناديه في قصيدته *وادي النهود* من شجرواسماء –أود ان اقول أن “التبلدية” كانت موجودة في “المدرسة الشرقية” والتي هي احدى مدرستين اوليتين في النهود في ذلك التاريخ :الشرقية والغربية وشجر الهشاب كان بالمدرسة الشرقية في ذلك الاوان.زملاء الدراسة يتقدمهم “دقيس” اسم لمحمد أحمد جحا :تاجر ثم مقاول ثم عضو برلمان وكان “أول من نادى بالحكم اللامركزي الاقليمي في اول مجلس للشعب في ثورة مايو وضرب مثلا : كيف يعقل ان يتقدم مواطن في النهود لطاحونة في صقع الجمل بطلبه للخرطوم للتصديق عليه.ودقيس اول من قام بتصنيع” حبيبات وبودرة الصمغ العربي” في مصنع البان بابونوسة المهجور وقام بتصديرها الى اروبا.

ومن زملاء الشاعر بكري (بكري النذير) المساعد الطبي فيما بعد.وقد توفى عليه رحمة الله مبكرا. أما التوم فقد كان أحد ابناء “فريق الشايقية” بالنهود واشتهر بانه العداء رقم واحد في سباق المبادلة والميل في المنافسة مع المدرسة الغربية.وزميلهم أحمد ” ودالاحمر”فقد هجر المهنة الطبية مبكرا كممرض-واشتغل جزارا ثم مساعد لوري.ابراهيم منعم منصور مقدمة كتاب دار حمر د-الحاج سالم مصطف ص19 (2014))

-6-

سباق مارثون التلاشي بين دبوجة وتاج

قد قرأت في فبرابر( 2013 ) أن العلم الذي ظل يرفرف خفاقا لاكثر من ثمانين عاما فوق ذري جبل حيدوب -محمد ابراهيم دبوجة قد احترق ولم يعد بوسع النهود رغم كرامات شيوخها ابو قمراية والزبال ومحمد عبدة وحمد النيل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ان تراه بجلبابه الطويل يجوبها بعطر روحه وعقله متهدجا بالتوزيع المعروف لموسيقى صوته . ثم طوي العالم في الرابع عشر من مايو( 2013 ) خبر جاءني بالاضطراب والزعازع أن قلب تاج السر الحسن الحسين ايضا قد توقف عن الخفقان في الحاج يوسف فبرق وشع وهب أمامي على التو جيلي عبدالرحمن ( 1931 -1990 ) صنوه و صفيه وتوأمه في الترحال والتجوال والمالات الحزينة : ينشد بصوته الاسر الحزين على بوابات العالم السبع : الصمت زجاج مكسور واجمة كالثكلى الدور . قد انطفأ المصباح فما جدوى الزيت.

كم غنيت الحرية والموت
فالحرية تلد الفرحة للناس
والموت رقاد لا عتمة فيه ولا صوت
ما اعمق هذا الاحساس
ان لاح جناز قد هرول فى صمت للقبر
وارتاع الناس على الافريز بكوا من غير دموع
فليرحمه الله
ثم انسابوا فى موجات النهر”

هل انساب “تاج” حقا ذرات مذابة تحت اقحاف الرمال التي وردت كثيرا في اشعاره بعد ان شدا للخور والصرفان والدومات واللالوب والهشابات والنيمات والنهيدات ورأى التبلدي ينشر روائع اللوحات من فروعه ؟

“فلقد شدا للخور والدومات

ورأى التبلدي ينشر الاعلام

في كردفان روائع اللوحات

تزهو بهن على المدى الايام

*

ورمال النهود حيدوب على الوديان

نسيت خطاه تعبر الصرفان

وبكاه حيدوب قبيل الموت

ونعته كل معاشر العربان”

*

اطل “تاج” اخيرا واخرا بوجهه الصوفي النبيل بعد الدورة الابدية لمارثون سباق التلاشي بعد أن نال بجدارة كأس الغياب.

شجيرة (الهشاب) ياصحاب

نسيتموها.. أم تُرى أنساكم الغياب؟

أم أن هذه الحياة كلها سراب؟”

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk