درويش(2) نعم، لقد باعنا بدو سودانيون لبدو في سيناء، كنا عشرة أشخاص، معي امرأة أخرى، كلهم تقريبا بيعوا في شكل أعضاء، لولا أن أحد البدو أحبني، أو أنني  أعجبته، لما نجوت.

صمتت، كان أحد الخنازير يصرخ بصورة مرعبة، تبعه خنزيران آخران، ثم لم يعد هنالك سوي صوت اصطكاك حديد الناقلة ببعض وضجيج عجلاتها في التحامها بالأسفلت. الجو باردٌ قليلاً، رائحة روث الخنازير تملأ المكان. وهو أمر  متوقع، بل هو الشيء الذي جعلهما يستقلان هذه الناقلة بالذات، فرائحة الخنازير تضلل الكلاب البوليسية عن رائحتهما، بالتالي كان عبورهما للحدود اليونانية مع ألبانيا ويوغسلافيا سهلاً، فالكلاب البوليسية المدربة لم تشم شيئا سوي عفن الخنازير، مرت تحت الناقلة أيضا وعلي جوانبها وغرفة القيادة ولكنها لم تعثر إلا علي خنازير سمينة بائلة، وحتى الشرطِي الألباني الذي وضع عينيه ومنخريه في فتحات التهوية أى   الشبابيك المعدنية، حالما انسحب سريعا مبتعدا عن الناقلة وهو يكح ليخرج كل ذرة هواء استنشقها من جوف الناقلة القذر وكاد أن يستفرغ وجبة إفطاره الرخيصة، أظنه تقيأ فيما بعد.

 لم تكن الخنازير جائعة، فالطعام الذي لديها يكفيها لأسبوع كامل كما أن الماءَ متوافرٌ في احواض مغلقة بصورة طيبة، ولا يمكنها أن تنفتح إلا عندما يضع الخنزير فمه محاولا التقاط خيط خفيف من الماء دائما ما يكون موجودا علي قمة الغطاء ليُعلم الحيوان  مصدر الماء عندما يعطش، وعندما يخرج فمه منه بعد أن يرتوي، ينغلق الوعاء مرة أخري، لكن يبدو أن شهية الخنازير للتزاوج عالية، فإن الذكور لا تتوقف عن محاولة أن تفعل شيئاً ما يحفظ النسل. قالت له:

  • لدينا خنازير برية في البيت عندما كانت أسرتنا تقيم في القرية.

    قال لها وهو يبتعد من خنزير كبير يقترب منه، فالخنازير تحيط به من ثلاث اتجاهات، فكلما أرخي ظهره في جهة ما لحسه لسان بارد يثير القشعريرة في جلده، أو شمه أنف رطب ونفث فيه زفيرا حزينا، أو صرخ حلق في أذنيه:

  • أنا لا أحبها، بل أكرهها، هذه المخلوقات القذرة تثير جنوني.

    قالت له:

  • ما هي؟

  • الخنازير.

    قالت وهي تضع أول ابتسامة علي فمها منذ أن رآها تنكمش هنالك علي جسدها مثل قنفذ أسطوري عملاق، ابتسامة واسعة شملت وجهها كله، وأطلقت أسنانها البيضاء المنتظمة لتعانق بؤس المكان فتضيئه، أو هكذا خُيّلَ له:

  • مشكلتك نفسية لا أكثر، كل المسلمين يكرهون الخنزير، وهو حيوان عادي بريء بل جميل أيضا وطيب، كرهك له لا علاقة له بالخنزير.

    بالطبع يستطيع أن يرد إليها وبإمكانه أن يفند لها ما تدعيه علمياً، لأنه يعرف بل يحفظ عن ظهر قلب التحليل المعملي المشهور عن لحم الخنزير الذي يتحدث عن الديدان التي تعيش في ألياف عضلاته وهي مضرة جداً لصحة الإنسان، لأن الخنزير يأكل القاذورات وفضلات الحيوانات الأخري، ولا نظن أنه  سوف يقول لها إن سبب الضعف الجنسي وقلة الإنجاب لدي كثير من “الخواجات” هو أكلُ لحم الخنزير وهو ما قاله له والده ذات مرة، كما أنه  سيشعر فعلا بالخجل خشية أن تتهمه بالجهل المُفرط إذا  قال لها، ما سمعه من رجل دين معروف: أن لحم الخنزير يقتل الغيرة في قلب الإنسان، وهو السبب المباشر في أن آكليه يتهاونون في مسائل الجنس ولا يشعرون بالخجل في تناولها، بل بإمكانهم أن يمشوا عراةً في الطرقات: ألمْ تسمعي بأندية العُراة وشواطئ العُراة  وربما قُري العُراة أيضاً؟

     يهمه الآن أن يكسبها، يريد أن يتقرب منها بأية صورة كانت، ولو يوافقها جزئيا أو مؤقتاً، علي ما ذهبت إليه من رأي بشأن كُرْهِهِ للخنزير، بل علي ما قد يأتي من آراء غريبة من جانبها لاحقاً، لأجل جمالها يستطيع أن يغفر لها كل شيء، فالجمال سلطان يُطاع، بل ما فائدة أن يكسب حوارا ويخسر امرأة؟ قالت له: دعني أحكي لك شيئا، أريد أن أحكيه لك، هل تسمح لي بذلك: من المفترض أن أكون الآن ميتة، وعظامي ترقد في صحراء سيناء مع مئات الجثث التي تحنطها الشمس والرمال الحارقة. لم تكن لدي نقود لأفدي نفسي ولا لأسرتي مال يرسلونه للمختطفين، ولا أحب أن أتعذب ومثلي مثل كل إنسان لا أرغب في الموت، فقلت ذلك بوضوح لشيخ من البدو وهو الحاكم الفعلي للخاطفين والرأس المدبرة لكل شيء، واقترحت عليه أنني أستطيع أن أجلب له مالاً كثيرا جدا، إذا  تركني في حُجرة وأدخل لي من رجال عصابته من يريدني، فهم بلا نساء يقيمون في معسكرات صحراوية لشهور كثيرة. أعجبته الفكرة، وبدأ هو بنفسه. في الحقيقة لم يكن الأمر سيئا تماما، أو أنني        فكرت في أن أستمتع به، تعاملت معه بصدق وموضوعية، كما لو أنني أقوم بعمل مكتبي وآخذ عليه نقوداً وأستمتع بالخدمة في ذات الوقت. كانت رائحة إبطيه مثل صُنان النسر، ولكنه كان رقيقا معي جدا، كأنه لم يكن ذلك الرجل الذي ذبح الشاب الإريتري حقوس قبل ساعتين وعلَّق جثته علي عمود أكبر بقليل من العمود الذي عُلِّقَ عليه السيد المسيح قبل عشرين قرنا من الزمان في مكان ليس ببعيد عن هذه الصحراء القاحلة. الشاب الذي هرب ليلا وقبضوا عليه عند الحدود الإسرائيلية، وكاد أن ينجو، حيث إنه  عبر الحاجز الأول من السلك الشائك، وتبقي له حاجزان آخران ثم يعبر إلى إسرائيل. ذبحه لكي يخيف البقية حتى لا يحاول أحدهم الهرب. ربما هو أيضا  كان يؤدي عمله، العمل الذي يسترزق منه، كان يؤديه بحرفية بدون ضمير بدون أية مشاعر إنسانية، كان رجلا ضخم الجثة، مثل ثور جاموس، ولكنه ليس متوحشا تماما، كما فعل كل البقية، لم يخلع أيا من ملابسه، سوي سروال من الكتان كبير الحجم، بينما كنت أيضا أرتدي فستاني الوحيد، ولا أظن أن رائحتي كانت أطيب من شميم إبطيه، فلم أنل حماما منذ شهور كثيرة، أى  منذ أن باعنا البدو  السودانيون للبدو المصريين في صحراء سيناء البغيضة. فالماء في هذه الصحراء أندر من الذهب. عندما وصل ذروته، كان قد أفرغ كمية هائلة من السائل المنوي، كأنما دفق قارورة كبيرة من الماء في أحشائي، بل ظننتُ أنه  تبول علي، ولكن لم يكن الأمر يخلو من متعة.  كنت أتخيل نفسي أمارس الجنس مع الرجل الذي أحببته كثيرًا، وكنت أصرخ وأنادي باسمه، واري عينيه الطيبتين تحملقان في وجهي وهو ينتشي، وهو يضمني إليه في رفق وهو يرق. لم أحقد علي البدوي بل إنني  مازلت ممتنة له، لقد أنقذ حياتي، فالحياة أغلي من كل شيء. ثم بعد دقائق دخل إلى بدوي آخر، ثم آخر، لا أدري كم عددهم في اليوم الواحد وربما زارني بعضهم مرتين أو ثلاث مرات ما عُدت أميز أحدهم من الآخر، فلقد تطابقت ملامحهم عندي، كانوا مثل عملة من فئة واحدة، نفس الرائحة نفس السحنات نفس اللغة نفس الطريقة في ممارسة الجنس نفس النظرة البائسة التي ترتسم في عيني أحدهم وهو يرتدي سروال الكتان الكبير ويهم بالخروج. في اليوم الرابع، أتاني الشيخ البدوي وقال لي إن ما قمت به كثيرٌ، ولكنه لا يكفي لثمن إطلاق سراحي، وعلي أن أبيع إحدي كُليتي لتغطية الفرق الذي قدره بألف دولار. ستأتي العيادة المتحركة وبها جراحون أكفاء مهرة، وأن العملية بسيطة جدا وأنها لا تؤثر علي حياتي المستقبلية، وكثير من الناس حسب علمه يعيشون بكُلية واحدة، وعلي ألا أخاف، وبعد العملية سيقوم بنقلي إلى المدينة، وهنالك ستعتني بي الحكومة المصرية، إنهم لن يتركونني أموت وهذا وعد منه، وهو لم يفعل ذلك إلا لأنه أحبني، وأنه لا يريد أن يقتل امرأة جميلة وذكية قد يكون لها مستقبل باهر في أوربا، لولا أنهم دفعوا الثمن مقدما للبدو السودانيين، الذين وصفهم بالجشعين، لأطلق سراحي بدون مقابل. إنهم عادة يأخذون الكُليتين والقلب والعينين وبعض الدم أو جُله. وكل ما هو مفيد في جسم الإنسان ويمكن نقله لإنسان مريض آخر ينتظر في مكان ما ولديه مالاً يشتري به البضاعة، ولكن معك سيكون الأمر مختلفاً، مجرد كُلية واحدة، لا أكثر.

     بكيت كثيرا جدا، ولكن عندما أتيت غرفة العمليات المتحركة وهي عربة صغيرة. كان قد أغْمِي علي وأنا أري أصدقائي يخرجون منها جثثا هامدة تسيل دماؤهم من علي نقالات صدئة حيث تُرمي بجثثهم في حفرة كبيرة في جوف الرمال الحارقة. كلهم عندما دخلوا عربة الجراحة كانوا يصدقون قول البدوي بأنهم فقط سيأخذون الكُلية اليسري أو اليمني لا أكثر، وأنهم سوف يرسلونهم بعد ذلك إلى المدينة،  يلقون بهم في أطرافها، سيُبَلِغْ عنهم المارةُ، تأتي الشرطة وتأخذهم لمستشفي شرم الشيخ، حيث يتم إسعافهم.

    صمتت عندما توقفت العربة فجأة، كانا يسمعان بعض الحوارات بلغة لا يدريانها، ثم هوهوة كلاب خشنة، يحسان بحركة أفراد حول الناقلة، وتحتها. كانت تضع كلتا كفتيها علي فمها، كأنما تُريد أن تحبس صرخةً داوية من الانفجار، وهي تغمض عينيها بشدة. ثم ساد صمت لفترة طويلة، ثم تحركت العربة مرة أخري.

    قالت له: تعال قريبا مني، أنا خائفة، تعالَ هنا.

     كانت ترتجف وهي تلتصق بسيخ الحاجز، جاء قربها إلى أن التصق هو أيضا   بسيخ الحاجز، أدخلت كفها عبر فتحات السيخ، أمسكتْ بكفه، كانت عيناها قد أخذتا تحمران مرة أخرى سقطت بعض الدموع علي فخذها.

     قالت: أنا خائفة لا أستطيع تحمل أية  مآسي أخرى. لولا أنهم سيقتلونني في بلدي لعدتُ.

     كانت ترتجف كأنما أصابتها حمي فجائية، يدها باردة ومعروقة، مرر كفه الطليقة علي وجهها كان ساخناً، مسح أدمعها، لا يدري ماذا يقول لها، لا يعرف كيف يواسيها، فهو لم يوضع في هذا الموقف من قبل، كانت الخنازير كعادتها تصرخ في كل الجهات، رائحة روثها تحتل الأمكنة، الجو بارد، وجهها ساخن، ويستطيع أيضا   أن يحس  بسخونة جسدها. يبدو أنها  أخذت تطمئن قليلا قليلاً، أدخلت كلتا يديها عبر سيخ الحاجز وهي باركةً علي ركبتيها، فاستدار هو وبقي علي ذات الوضعية، فتواجها. طوقت خصره بساعديها وجذبته إليها، طوقها أيضا بساعديه. فأصبح نصفهما الأعلى في حالة مواجهة كاملة للحاجز. قالت له وهي تحملق في عينيه بمقلتين محمرتين  وعلي فمها ابتسامة قلقة : قبلني.

 كان وجهاهما ملتصقين علي السيخ، وعبر الفتحات مرر شفتيه ليلتقيا بشفتيها. كان طعمهما مالحاً، وهما دافئتان.

نواصل الخميس المقبل