كمال الجزولي (1) كنت أشرت، ضمن "روزنامة 7 أبريل 2008م"، إلى أنني، ذات صباح من أواخر فبراير 2008م، وعلى مائدة الإفطار بمطعم هيلتون أديس، أثناء مشاركتنا في المؤتمر الدَّولي حول 

“دارفور وأزمة الحكم في السُّودان” بدعوة مشتركة من جامعتَي أديس الإثيوبيَّة وكورنيل الأمريكيَّة، فاتحت د. منصور خالد، القيادي بالحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان التي يعتبر قطاعها الشَّمالي، الآن، مفردة أساسيَّة من مفردات تحالف الجَّبهة الثَّوريَّة، الطرف المقابل لحزب الأمَّة في “إعلان باريس”، وكانت الحركة تقتسم السلطة، وقتها، مع المؤتمر الوطني، حول شكوكي في أنهم، ربَّما تحاشياً لفتح ملفات انتهاكات الحرب، تواطأوا مع الحزب الحاكم على الصِّيغة الغامضة المبتسرة في “اتفاقيَّة نيفاشا”، والتي انتقلت، لاحقاً، إلى المادَّة/21  من “الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م”، ضمن القسم الموجِّه، لا الملزم، وتنصُّ على أن “تبتدر الدَّولة عمليَّة شاملة للمصالحة الوطنيَّة وإبراء الجِّراح”، عوض التركيز على إلزاميَّة “العدالة الانتقاليَّة”، كمفهوم يستحيل، دون الوفاء باستحقاقاته، إنجاز أيٍّ من هدفي “الاتفاقيَّة” الرَّئيسَين: “السَّلام الشَّامل” و”التحوُّل الدِّيموقراطي”، وكتجربة تتجاوز النمط المايوي البائس الذي خبره شعبنا في مصالحة 1977م بين النميري وبعض معارضيه

 

نحَّى الدُّكتور طبقه جانباً، وفاجأني، مبتسماً، بنبأ من سبأ العيار الثقيل ما كان بلغني علمه من قبل، قال: “صدِّقني .. كلُّ هذا غير صحيح! فقد طرحنا (المحاسبة) عبر آليَّات (العدالة الانتقاليَّة)، كمطلب أساسي للحركة على مائدة المفاوضات، ولم يوفِّر د. جون جهداً للإقناع بها، بل وأبدينا استعدادنا حتَّى لفتح الملفات من 1956م، لولا أن الطرف الآخر قاوم بشدَّة، فلم نخرج، بعد لأي، بأكثر من هذا النصِّ الغامض المبتسر!

 

بعد عودته كرَّر الدُّكتور ذات كلامه، لكن باستفاضة أكثر، في ندوة محضورة بوزارة الخارجيَّة. على أن “الطرف الآخر” استعصم، حتَّى يوم النَّاس هذا، بصمت كثيف، حتف أنف القاعدة الفقهيَّة القائلة بأن “الصَّمت في موضع الحاجة للكلام .. كلام“!

(2)

تمثِّل “العدالة الانتقاليَّة”، بالنسبة لمشروع “إعلان باريس”، إحدى أخطر مهام سلطة “الانتقال” المأمول التي لن تنجز، بدونها، شيئاً، بالغاً ما بلغ فلاحها في القضايا الأخرى، إذ، بافتراض فراغها، جدلاً، من كلِّ شئ، فسوف تتبقى، في نهاية المطاف، تركة الماضي المثقلة بالانتهاكات الجَّسيمة لـ”حقوق الإنسان” في أمكنة وأزمنة السِّلم، و”القانون الدَّولي الإنساني” في أمكنة وأزمنة الحرب، حيث لا بديل عن مجابهتها كلها، وتصفيتها، وإلا رُمَّ جرح البلاد على قيح!

و”العدالة الانتقاليَّة” مفهوم دالٌّ على حقل من النشاط يقرن بين “العدالة” و”الانتقال”، كونه يستهدف الكيفيَّة التي تستطيع بها مختلف المجتمعات مخاطبة تركة الماضي المثقلة بكمٍّ هائل من جراح الممارسات القمعيَّة، أو الأوضاع الحربيَّة، بغرض إماطة الأذى من طريق التحوُّل من “الحرب” إلى “السَّلام”، أو من “الشُّموليَّة” إلى “الدِّيموقراطيَّة”. فالظلامات المرتكبة غالباً ما تكون بلا عدٍّ ولا حد، والمدى الزمني الذي ارتكبت خلاله يُقاس بعشرات السنين، وطريق التقاضي الجَّنائي طويل ومعقد، وشروط إثبات التُّهم فيه صارمة وعسيرة، وعلى رأسها قاعدة الاثبات دون شكٍّ معقول proof beyond a reasonable doubt، الأمر الذي يستلزم قدراً من التمهُّل وعدم استعجال الإجراءات، سواء في الشَّريعة أو في القانون الوضعي. فلئن أمكن تطبيق التقاضي التقليدي في حالات محدودة، فإن الإصرار على اللجوء إليها في جميع الحالات التي قد تبلغ عشرات الآلاف، وبإجراءات قد تمتدُّ لسنوات وسنوات، بينما الجِّراح فاغرة الأفواه تنتظر الإبراء، لهوَّ ترتيب غير واقعي، بالمرَّة، بل يكاد يلامس حواف اﻻستحالة!

ويستند مفهوم “العدالة الانتقاليَّة” إلى ركيزتين أساسيَّتين:

الأولى: أن تطوَّر حركة حقوق الإنسان أثر، وبقوة، في جعل المفهوم متمحوراً حول مركز واحد هو “الضَّحيَّة”، بحيث أضحت جهود النشطاء، في هذا الحقل، تنصبُّ على حقوق الضَّحايا والناجين وذويهم.

 

الثانية: أن “القانون الإنساني الدَّولي” و”القانون الدَّولي لحقوق الإنسان” يفترضان، أكثر من أيِّ وقت مضى، التزام البلدان التي تجتاز “فترات انتقاليَّة” بتصفية أيَّة انتهاكات على هذا الصعيد، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بقطع الطريق أمام تكرارها مستقبلاً، وإعادة تأهيل الضحايا، بما يعزز فرص السَّلام، والمصالحة، والدِّيموقراطيَّة

ولقد راكم نهج “العدالة الانتقاليَّة”، عبر تجارب وخبرات عشرات البلدان، نُظماً مهمَّة، من أبرزها:

أ/ استراتيجيات غير قضائيَّة، كلجان “الحقيقة” و”الاعتراف”، أو “رواية ما جرى”. وأيَّاً كان الشَّكل فإنه يتمُّ بآليَّة تكوِّنها الدَّولة، وفق قانون خاص، تحت مسمَّى “الهيئة الوطنيَّة للحقيقة والإنصاف والمصالحة”، أو نحو ذلك، كما تضمن لها قدراً من الاستقلاليَّة الإداريَّة والماليَّة، لتشرف على تنظيم وإدارة هذه العمليَّات من خلال جلسات استماع عمومي علنيَّة Public Hearing تنشر وقائعها الصَّحافة، وتبثُّها أجهزة الرَّاديو والتلفزيون، بغرض الكشف عن الانتهاكات، وتصفية آثارها، بـ “عفو” الضَّحايا الاختياري، فضلاً عمَّا يترتَّب على ذلك من إلزام المنتهكين بتقديم خدمات معيَّنة للمجتمع المحلي. وعندما سُئل نلسون مانديلا، وكان يروِّج لهذه الاستراتيجيات، لدى الإفراج عنه، بعد سبع وعشرين سنة قضاها في السِّجن: “كيف تضمن أن يعفو الضَّحايا إذا اعترف الجَّلادون”؟! أجاب: “إنني أثق في طيبة قلب الإنسان“!

لكن، مهما يكن من شئ، فإن مِن أهمِّ عناصر هذا الشَّرط أن الضَّحيَّة الذي لا يقبل منح العفو، بعد نيل “الاعتراف”، ويصرُّ على الاحتكام إلى القضاء التقليدي، يكون من حقه أن يفعل، سوى أنه يمتنع عليه، قانوناً، استخدام نفس “الاعتراف” في إثبات دعواه.

ب/ حِزَمٌ مختلفة من جبر الضَّرر، وإعادة تأهيل المتضرِّرين، فرديَّاً وجماعيَّاً، ويشمل ذلك شتَّى نظم ما يُعرف بالانتصاف، والتي قد تتخذ شكل التَّعويض المالي، أو العلاج الجُّسماني، أو النَّفساني، أو مقاربة  إدماج النَّوع الاجتماعي، أو المساعدة على إعادة الإلحاق بالعمل، أو توفير مصدر الرِّزق المقطوع، أو الدِّراسة، أو السَّكن المناسب، وما إلى ذلك. ومثلما قد تتوجَّه المعالجة إلى الأفراد، قد تتوجَّه، أيضاً، إلى الجَّماعات أو المناطق بأشكال من التَّمييز الإيجابيpositive discrimination في التَّنمية، والإعمار، والخدمات، وغيرها؛ 

 

ج/ أشكال مختلفة من إحياء، وتكريم، وتخليد ذكرى الضَّحايا، بعد التشاور معهم، أو مع ذوي المتوفين منهم، وذلك بإنشاء النُّصُب التذكاريَّة، وتحويل المواقع التي كانت تستعمل في الماضي كبيوت اعتقال، أو معسكرات تعذيب، إلى منتزهات تذكاريَّة، أو “متاحف ذاكرة”، كالمتحف الذي أقيم، مثلاً، داخل مصنع البطاريات بسيربينيتسا في البوسنة، حيث وضعت متعلقات 20 من أصل 8000 ضحيَّة من المسلمين الذين تمت تصفيتهم فيه من جانب الصِّرب، فضلاً عن تفعيل حوار مجتمعي بنَّاء حول أحداث الماضي، كي تبقى متَّقدة، ولا تنطمس ذكراها.

د/ إصلاحات واسعة وعميقة للمؤسَّسات الرَّسميَّة التي استخدمت في الانتهاكات، وشكلت  رأس الرمح في التَّجاوزات، كالتَّشريعات، والسِّياسات، والقضاء، والنيابة، والشُّرطة، والجَّيش، وأجهزة الأمن، وعلاقات التَّساكن، باعتبار ذلك ضمانة، وإجراءً احترازيَّاً من وقوع أيَّة انتهاكات مستقبليَّة؛

 

هـ/ تتويج كلِّ ذلك بدعم مبادرات “المصالحة الوطنيَّة”، لا في القاعات المغلقة، وإنما عبر أوسع تفاكر وطني، بمشاركة الضحايا أنفسهم، حول الفرص المتاحة للتعايش السلمي الذي لا مناص منه مع “أعداء” الماضي، دون الانتقاص من مبادئ العدالة، وقواعد المحاسبيَّة.

(3)

التاريخ الفعلي لنشأة المفهوم غير معروف بدقَّة، فلطالما جرى تداوله، أوَّلاً، في حقل السِّياسة الفرنسيَّة؛ لكن المصطلح ظهر عام 1992م، ضمن كتاب نيل كيرتز: “العدالة الانتقاليَّة: كيف تنظر الدِّيموقراطيَّات الوليدة إلى الأنظمة السَّابقة”، ليشير إلى مفهوم استثنائي يشتغل، فقط، من فوق تاريخ مثقل بانقسامات حادة، نتيجة حرب أهليَّة، أو قمع وحشي، أو تعذيب منهجي للخصوم، وذلك في البلدان التي:

أ/ تعاني من قدر هائل من الانتهاكات يستوجب ذات القدر الهائل من العقوبات القضائيَّة للمنتهكين، الأمر الذي يُخشى، حسب مانديلا، أن  يعوق عمليَّات بناء المستقبل؛

ب/ تروم، مع ذلك، تفريغ احتقان نفوس الضَّحايا وذويهم بنزعات الانتقام؛

ج/ تروم، في ذات الوقت، استدبار الشُّموليَّة، وإقرار السَّلام، والتحوُّل الدِّيموقراطي، والمصالحة الوطنيَّة.

وحيث أن مقالتنا هذه تركز على التَّدابير غير التَّقليديَّة “غير القضائيَّة”، إذ أن التَّدابير التَّقليديَّة “القضائيَّة” معلومة وليس ثمَّة ما يحول، قانوناً، من انتهاجها، أيضاً، خلال فترات “الانتقال”، فإن مفهوم ومصطلح “العدالة الانتقاليَّة” لا يمكن إدراكهما، وفق الخبرات المتراكـمة من تشـيلي (1990) إلى غواتيمـالا (1994)، ومن جـنوب أفريقـيا (1994) إلى سيراليون (1999)، ومن تيمور الشَّرقية (2001) إلى المغرب (2004)، وغيرها، بمعزل عن مقاصدهما الكليَّة المتمثِّلة في تحقيق إحساس اجتماعيٍّ بالعدالة أكثر شمولاً وأبعد أثراً، عبر شبكة كاملة من المفاهيم والمصطلحات الأخرى، كـ”الانتصاف”، و”لجان الحقيقة”، و”إعادة تأهيل الضحايا”، و”إعادة البناء الاجتماعي”، و”إدماج النَّوع”، و”المصالحة الوطنيَّة”، و”الإصلاح القانوني والقضائي والسِّياسي”، بما في ذلك “إعادة صياغة مؤسَّسات الدَّولة” كافة، المدنيَّة منها والعسكريَّة .. الخ.

 

وقد مكنت جهود البروفيسير أليكس بورين والقس ديزموند توتو، المهندسَيْن الحقيقيَّيْن، بجانب مانديلا، لتجربة جنوب أفريقيا، من  تأسيس “المركز الدَّولي للعدالة الانتقاليَّة ICTJ” في نيويورك عام 2001م، كمنظمة دوليَّة غير حكوميَّة تسعى في تعميم خبرات وتجارب ودروس المحاسبة على الانتهاكات الجَّسيمة لحقوق الإنسان، ومساعدة الدِّيموقراطيَّات الناشئة، والبلدان الخارجة من ظروف القمع أو النزاعات الدَّاخليَّة المسلّحة، في معالجة ظلامات الماضي، باستخدام آليَّات “العدالة الانتقاليَّة“.

وبالنسبة للسُّودان تعتبر تجربتا جنوب أفريقيا والمغرب هما الأقرب، بطبيعة الحال، ولأسباب معلومة، وإنْ تكن العناوين العامَّة للدروس المستقاة من تجربة المغرب، على علاتها، هي التي تناسبنا أكثر، لكونها قامت، إجمالاً، على “الحقيقة والإنصاف والمصالحة”، بينما قامت تجربة جنوب أفريقيا على “الحقيقة والمصالحة”، فحسب، الأمر الذي تسبَّب مؤخَّراً في تفجير بؤر خطرة للاحتجاج، وربَّما للارتداد، مِمَّا عُدَّ عيباً بنيويَّاً في التَّجربة نفسها يستوجب الأخذ، لدى استلهامها، في الاعتبار.

لقد شملت تجربة المغرب فتح 16.861 ملفاً للانتهاكات تغطى الفترة من 1956م إلى 1999م، حيث تمَّ اجتراح شتَّى المعالجات، بما في ذلك التَّعويضات الماليَّة، وتسوية الأوضاع القانونيَّة، والوظيفيَّة، والإداريَّة، والتَّعليميَّة، وقضايا نزع الملكيَّات، فضلاً عن مختلف أشكال جبر الضَّرر الجَّماعي، كردِّ الاعتبار تنمويَّاً للمناطق التي طالها التَّهميش، ومقاربة إدماج النوع الاجتماعي في ما يتَّصل بظلامات النساء .. الخ (المملكة المغربيَّة ـ هيئة الإنصاف والمصالحة؛ التقرير الختامي، 30 نوفمبر 2005م).

لكن، برغم اختلاف تجربتي جنوب أفريقيا والمغرب، إلا أنهما، مثل الكثير من التَّجارب العالميَّة الأخرى، اعتمدتا “جلسات الاستماع العموميَّة” كآليَّة لاستخلاص “الحقيقة”، حيث واجه الجَّلادون ضحاياهم باعترافات علنيَّة في جنوب أفريقيا، وتمكن الضَّحايا، في المغرب، من تأسيس “حكي وطني” عن آلامهم. فللتجربتين، إذن، مثلما لغيرهما من التجارب، قيمة كبيرة، بالنسبة لبلادنا، خصوصاً في ما يتَّصل بدور المجتمع المدني، بأحزابه، ومنظماته، وقواه الحيَّة كافة، في عملية “الانتقال”، بمعنى التَّحوُّل، أو التَّغيير، أو تجاوز “سنوات الرصاص”، بالمصطلح المغربي، لفظاً للعنف، وتفادياً لنزعة الانتقام، واعتماداً للوسائل الدِّيموقراطيَّة في تقصي “الحقيقة”، وأداء “واجب الذَّاكرة”، وفق علم النفس الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للضحايا، ماديَّاً ومعنويَّاً، ونقل الشَّعب، بأسره، من خانة “الرَّعايا” إلى خانة “المواطنين” متساوي الحقوق والواجبات، وابتداع “الإصلاحات الهيكلَّية” الكفيلة بقطع الطريق أمام أيِّ انتهاكات في المستقبل، وإجراء “مصالحة” حقيقيَّة ومكتملة، لا مع النظام كما قد يتبادر للأذهان خطأ، وإنما مع التاريخ الوطني نفسه!

ولئن استندت التجربة، في بيئات الثقافة المسيحيَّة، على التعاليم الكنسيَّة حول “العفو”، فتعاليم الإسلام نفسها قائمة، في هذا الجانب، على فضيلة “العفو عند المقدرة”. ويقيناً ليس ثمَّة ما يكفل هذه “المقدرة” أكثر من حمل “الجلادين” على “الاعتراف” بـ “الحقيقة”، وطلب “العفو” علناً، أو تمكين “الضحايا” من رواية وتوثيق “ما جرى” علناً أيضاً، كشرط لاستبعاد الخيار القضائي الجَّنائي.

(4)

الفروق شاسعة بين “اتفاقيَّة نيفاشا” و”إعلان باريس”، ولكن بالإمكان اختزالها، بالنسبة لما نحن بصدده هنا، في الآتي:

 

أوَّلاً: “الاتفاقيَّة” عهد ثنائيٌّ مغلق بين السُّلطة وبين الحركة الشَّعبيَّة، وإن كانت، وقتها، أقوى بواشق المعارضة المسلحة، أمَّا “الإعلان” فتواثق مفتوح بين تحالف أقوى أربعة بواشق في المعارضة المسلحة، وبين أحد أكبر حزبين سياسيَّين في البلاد، كمشروع علاج لـ “المعضلة السُّودانيَّة” غير موقوف على طرفيه، بل مبذولاً ومفتوحاً ليس، فقط، لكلِّ راغب من القوى الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، بل وللسُّلطة  نفسها، حالَ اقتنعت به كوسيلة هبوط ناعم soft landing؛

ثانياً: “الاتفاقيَّة” غرقت في تفاصيل القضايا دون أدنى ضمان لآليَّات تنفيذها، غير رعاتها الدَّوليين والإقليميين، من جهة، وغير “قسمة السُّلطة” الضيزى نفسها، من جهة أخرى، وهي الأخطر، حيث عمدت لإطلاق يد الحركة الشعبيَّة، إلى أقصى حدٍّ، في كلِّ ما يتَّصل بالشَّأن الجَّنوبي، بينما كبلتها، إلى أدنى حدٍّ، في كلِّ ما عداه! فبموجب إحدى أهمِّ نقاط الضَّعف البائنة في “الاتفاقيَّة” استأثر المؤتمر الوطني وحده بنسبة 52% من السُّلطة الاتحاديَّة، مقابل نسبة 27% لـ “الحركة الشعبيَّة”، وأنصبة ضئيلة تكاد لا تذكر، تفتَّتت بين أحزاب وقوى أخرى شاركت، اسميَّاً، في “سلطة الانتقال”، على مستوى الحكومة أو على مستوى “المجلس الوطني = البرلمان”. ذلك، بالتحديد، هو ما جعل “الاتفاقيَّة”، بالنسبة لمجمل قضايا السُّودان، سواءً الوطنيَّة أو الاجتماعيَّة، محض “فيل أبيض” طوال ست سنوات ونصف انتهت، بل كان لا بُدَّ، منطقيَّاً، أن تنتهي، بالانفصال!

أمَّا “الإعلان” فيشير، الآن، إجمالاً، إلى أهمِّ المشكلات، وأعمِّ مناهج علاجها، فاتحاً الباب أمام المزيد من الانضمام إليه، وتاركاً التَّفاصيل لعمليَّات الحوار، والتَّداول، والتَّطوير اللاحقة، ومستنداً في ضمان الالتزام بما يمكن أن تسفر عنه هذه العمليَّات إلى الحرص المفترض لدى أطرافها من القوى الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة على سمعتها السِّياسيَّة، ومسؤوليَّتها أمام الجَّماهير، عساها تدير الظهر لجدل أهل بيزنطة، وتنكبَّ على هذا العمل الصَّالح، لئلا يتسرَّب كالماء من بين الأصابع، فليست تُتاح، كلَّ صباح، منصَّة كهذه مبذولة للتَّكاتف، ووحدة الكلمة، وجمع الصَّف، وتنسيق المواقف، والَّتعاضد لأقصى حدود الآمال الشَّعبيَّة.

ثالثاً: “الانتقال” من “الحرب” إلى “السَّلام”، أو من “الشُّموليَّة” إلى “الدِّيموقراطيَّة”، يلزمه، كما قد رأينا، تصفيَّة تركة الماضي بآليَّات “العدالة الانتقاليَّة”. وحيث أن “غموض وابتسار” هذه المسألة في “الاتفاقيَّة”، ثمَّ في “الدُّسـتور”، قد أجهضا كلَّ أمل في “إلزاميَّتها” خلال الفترة الانتقاليَّة السَّابقة، فإنه لن يتبقى، خلال أيِّ “انتقال” مأمول لاحق، سوى التأويل الإيجابي لإشارات “الإعلان” إلى “العدالة الانتقاليَّة” كمنهج يتجاوز دعوة “العفو عمَّا سلف”، ويكشف “حقيقة” الانتهاكات، و”مرتكبيها”، ثم يوجب “الاعتذار” العلني عنها، رمزيَّاً، و”إنصاف” ضحاياها، فعليَّاً، وصولاً إلى تحقيق “التَّعافي الوطني”، و”المصالحة الشَّاملة”. فبرغم عدم تناول “الإعلان” لهذه القضيَّة تفصيلاً، بحكم طبيعته، كما قلنا، إلا أنها ما تنفكُّ تمثل “الغائب الحاضر” فيه، حيث يعجُّ نصُّه بإشارات مختلفة من شاكلة: “إيقاف جرائم الحرب كمدخل للحكم الانتقالي”، وإعلاء “مبدأ عدم الإفلات من العقاب” و”تحقيق العدالة والمحاسبة ورفع الظلم وردِّ الحقوق”، و”تعويض المتضرِّرين فرديَّاً وجماعيَّاً” .. الخ. وحتَّى المادَّة/21 من دستور 2005م، إذا ما استمرَّ سارياً، فإن توفُّر القدر اللازم من الإرادة السِّياسيَّة سيكفل، قطعاً، تفسيرها بما تقتضيه الحاجة إليها كمطلب مُلح، بصرف النظر عمَّا يتعاورها من عيب النصِّ “الفضفاض”، والموقع “غير الملزم” من الدُّستور.

 

(5)

تلك هي، تحديداً، “الإشارات” الواردة في “الإعلان” صوب “العدالة الانتقاليَّة”، والتي حضرت فيه “حُكماً”، وإن غابت “نصَّاً”، مِمَّا يحتاج من القوى الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة عموماً، ومن مثقفيها على وجه الخصوص، إنْ خلصت النوايا وتوفَّرت الإرادة، إلى تأويل إيجابي، وتطوير إبداعي، وتفصيل متمكث، استدباراً لإرث كامل من الإخفاق التَّاريخي في حسم هذه المسألة، عقب ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة أبريل 1985م، حيث استصعبت “سلطة الانتقال”، في الحالين، الاستجابة لمطالب الجِّيوش الجَّرَّارة من ضحايا النظام الشُّمولي في التَّعاطي مع الكـمِّ الهـائل من انتهاكاته، فإمَّـا تضعـضعـت، بعـد أكـتوبر، تحـت إغـواء شعار “عـفا الله عمَّا سلف”، فأعفت مجرمي نظام عبود من “المحاسبة”، أو استهلكت الفترة الانتقاليَّة القصيرة نسبيَّاً، عقب أبريل، في  محاكمات” قضائيَّة” محدودة، لا أرضاً قطعت، ولا ظهراً أبقت!

لكن، لعلَّ من حسن الطالع، هذه المرَّة، وفي هذا الإطار، أن كيانات أساسيَّة أبدت انتباهاً مقدَّراً لقضيَّة “العدالة الانتقاليَّة”، وعبَّرت، على نحو أو آخر، وفي أكثر من مناسبة، عن ضرورتها الحاسمة لمستقبل بناء الدَّولة السُّودانيَّة. فعل ذلك حزب الأمة عبر محاضرات وتصريحات رئيسه السَّيِّد الصَّادق المهدي، والجَّبهة الثَّوريَّة عبر بياناتها وتصريحات رئيسها الفريق مالك عقَّار، والحزب الشيوعي ضمن وثائق مؤتمره الخامس، ومن خلال مختلف التَّعبيرات السِّياسيَّة والفكـريَّة لزعيمـه الرَّاحـل محمَّـد إبراهيم نقد، طيَّب الله ثراه، فضلاً عن التَّصريحات الصَّادرة عن بعض القيادات الاتحاديَّة، كنائب رئيس الحزب  الأصل علي محمود حسنين، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.