عندما انقلب حكام اليوم على النظام الديمقراطي اختفيت لإعطاء فرصة لردود فعل مضادة، ولأعرف هوية الانقلاب فإن لم يكن أجنبياً أقدمت على حواره، وبعد أسبوع بدا لي أن الانقلاب سوداني،

فكتبت مذكرة كانت في طريقها إليهم أقول فيها: إن مشاكل السودان مزمنة أهمها الهوية بين الإسلام والتنوع الثقافي، والحرب الأهلية، والتنمية. وقلت أنتم معكم القوة ومعنا الشرعية، والبلاد لا تحتمل المواجهة فلنتجاوز الخلاف حول الطريقة غير الشرعية للاستيلاء على السلطة ونضع مصلحة الوطن نصب أعيننا ونبحث عن مخرج قومي للبلاد. شبقهم للانفراد بالسلطة فوّت هذه الفرصة.

ومنذئذٍ تكررت فرص إيجاد مخرج للبلاد: في 1993م، وفي 1996م، ولكنهم أصروا واستكبروا استكباراً، وبعد إعلان المعارضة الموحدة اتفاق أسمرا على القضايا المصيرية اهتدى النظام قبل هجرتي في تهتدون أن أفضل وسيلة يتعاملون بها مع عاصفة أسمرا أن يضعوني في الحبس رهينة.

أطلق سراحي من هذا المصير التدابير التي اتخذها النظام لإخفاء دوره في محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسن مبارك.

وكان اتفاقنا مع النظام في جيبوتي في نداء الوطن عام 1999م فرصة أخرى لإيجاد مخرج قومي  من الزاوية الأحادية التي حشر النظام نفسه فيها عن طريق سياسة التمكين الغبية، ولكنهم حولوا حوارات نداء الوطن لوجهٍ آخر من وجوه التمكين، فاخترقوا صفوفنا عن طريق إغراء الفريق المكلف بالحوار معهم بالمال والوظائف ففوتوا فرصة أخرى.

وفي أبريل من عام 2006م زارني المرحوم مجذوب الخليفة وقال إنه يريد أن يستأنس برأيي وهو في الطريق لمحادثات السلام في أبوجا مع حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في مايو 2006م، قلت له: لو أننا نتعامل معهم بمنطق السياسيين لتمنينا لهم الفشل، ولكننا نتعامل بمنطق الوطنيين الحريصين على حقن الدماء وإنهاء معاناة أهلنا في دارفور. أقول لك نصيحة من ثلاثة بنود إذا اتبعتها سوف تحصل على تجاوب الفريق الدارفوري، وسوف تحصل الآن على تأييدنا دون مقابل. قال لي: هات. قلت له:

أولاً: فيما يتعلق بمشاركة أهل دارفور في رئاسة الدولة، والإقليم واحد أم ثلاثة، وإدارة الحواكير، وحدود دارفور مع سائر أقاليم السودان، التزموا بالعودة لما كان عليه الحال في عام 1989م.

ثانياً: التزموا للنازحين واللاجئين بتعويضات فردية وجماعية والعودة آمنين لمناطقهم الأصلية.

ثالثاً: التزموا لأهل دارفور بأن يكون نصيبهم في السلطة والثروة بنسبة حجم السكان على أن تثبت هذه الاستحقاقات في الدستور.

رد عليّ قائلاً: هذه النصيحة غير مقبولة لأنها تتعارض مع ثوابت ثورة “الإنقاذ”، وتتعارض مع اتفاقية السلام الشامل. قلت له: هذه الأبقار المقدسة سوف تحول دون السلام في دارفور، فامض لمحادثاتك ولكن سلام دارفور لن يتحقق. وقد كان. هكذا ضيعوا فرصة أخرى.

وفي عام 2008م لاحت فرصة أخرى عن طريق التراضي الوطني الذي هندسنا تفاصيله واستجابوا له ثم أجهضوا التراضي.

وقبل اندلاع الحرب في جنوب كردفان ثم في جنوب النيل الأزرق، وفي اجتماع مع رئيس الدولة في مارس 2011م تحدثت عن احتمال انفصال الجنوب القادم، وعن احتمالات جنوب جديد بعد ذلك، وأن علينا أن نتفق على برنامج قومي استباقي ينفذه رئيس وفاقي، واقترحت له تفاصيل البرنامج القومي وآلية اختيار الرئيس الوفاقي، وكانت فرصة أخرى. لم يقل رأس الدولة إزاءها لا أو نعم.

وفي يونيو 2011م بعد فشلهم في تنفيذ بروتوكول جنوب كردفان وجنوب دارفور وتوصل الأخوين مالك ونافع لاتفاق إطاري من شأنه أن يحقق السلام، أجهضوا الاتفاق بصورة مستهترة فضاعت فرصة أخرى، واشتد القتال.

وبعد انفصال الجنوب في يوليو 2011م واجه النظام صدمة اقتصادية ومالية ما زال يترنح منها، واستمرت الحرب الأهلية في دارفور وفي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وصار النظام يعاني من استنزاف بشري ومالي غير محدود، وبدا واضحاً أن هياكل النظام الأمنية والسياسية بدأت تتصدع في أكثر من وجه. وواجه النظام هبة سبتمبر 2013م بوحشية الخائف على مصيره.

هذه هي العوامل الحقيقية وراء خطاب الوثبة في يناير 2014م، ولإدراكنا هذه العوامل لم نشتغل كما انشغل الآخرون بنوايا النظام، واعتبرنا هذه الوثبة في ميدان طالما دعونا إليه، ولكن بدا واضحاً أن النظام يريد حواراً مقيداً برئاسته، وبلا كفالة للحريات أي حوار على سنة التمكين وشبق السلطان، لذلك نفضنا يدنا منه وتركناه أشبه بمحرمات الطعام: كالمنخنقة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع لا يؤمه إلا من أعلنوا مسبقاً التوالي مع أصحاب التمكين. هكذا أهدرت فرصة أخرى للخلاص الوطني.

لا يمكن لعاقل أن يستخف بالقوى الشعبية، والسياسية، والقتالية التي تمثلها الفصائل المنضوية تحت الجبهة الثورية السودانية. إنهم يمثلون قوى اجتماعية ذات وزن ثقيل ولا سبيل للقضاء عليهم عسكرياً وكل إدعاءات اجتثاثهم نوايا واهمة.

إن حزب الأمة وهو صاحب شرعية تاريخية، وشعبية، ودبلوماسية، وعطاء فكري لا يجارى لم يشك أبداً في وزن الجبهة الثورية السودانية ولا في مشروعية حقوقهم، ولذلك لم يقطع حزب الأمة القومي صلته بهم، ولكنه لأسباب وطنية كان يتحفظ على إسقاط النظام بالقوة العسكرية وعلى تقرير المصير لمزيد من مناطق السودان. لذلك عندما لاحت فرصة لاتفاق مع الجبهة الثورية لوقف الحرب وتحقيق السلام العادل الشامل وإقامة نظام جديد بوسائل خالية من العنف رحبنا بها ترحيباً حاراً واعتبرناها فرصة تاريخية لتحقيق مطالب الشعب المشروعة.

ومع أن (إعلان باريس) يسلب أصحاب التمكين من زمام المبادرة، ويضع زمام المبادرة في يد قوى سياسية جديدة تصنع توازن قوى جديد، ما يثير الغيرة السياسية لمدمني التمكين، فقد كنا نعتقد أن الضيق الذي يعاني منه النظام، وما يتعرض له من حصار متعدد الجبهات، وحاجة الوطن لمخرج ينهي الحرب، ويضع حداً لأزمة السلطة؛ عوامل كافية تجعل النظام يقتصد في الشبق المعهود ويرحب بما حقق (إعلان باريس) من فرصة تاريخية، ولكن إدمان النظام المعهود على تفويت الفرص جعله مرة أخرى يهدر فرصة تاريخية كأنه يكتسب وصفه تعالى: (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)[*].

إنني في وجه هذا الإهدار للمصلحة الوطنية أشكو لله، وأشهد التاريخ، واستشهد الشعب السوداني الذي يقع تفويت الفرص هذا عليه سفكاً للدماء، ودماراً للعمران، ومزيداً من المعاناة.  شكوى وشهادة قد لا تكون لها نتائج عملية ولكنها أنة مجروح بمداد الدم والدموع، وقديماً قيل:

ولابُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَةٍ              يُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتألم

ليعلم سدنة التمكين أننا عازمون على فعل كل ما يلزم لتحقيق السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل، وسوف نستخدم كل الوسائل الخالية من العنف، ونعتقد أنه: ما ضاع حق قام عنه مطالب.

ونطرق أسماع وعيون سدنة التمكين أن يراعوا الله والوطن، بل يراعوا مصالحهم الذاتية للخروج من الهاوية ولكن:

من ليس يفتح للضياء عيونه          هيهات يوما واحداً أن يبصرا