بابكر فيصل بابكر لقد ظلَّ حُلم إستعادة "الخلافة الإسلامية" يُراودُ مُختلف تيارات "الإسلام السياسي" المُعاصرة وعلى رأسها جماعة الأخوان المُسلمين و حزب التحرير الإسلامي الذي بات هذا الحُلم يمثلُ هدفهُ الأكبر والأهم.

وبينما مثلت الخلافة الإسلامية الحلقة الخامسة من الحلقات الست في الإستراتيجية التي وضعها حسن البنا للإنتقال بالإخوان من مرحلة “الإستضعاف” لمرحلة “التمكين” و التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المُجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً “أستاذية” العالم, فإنَّ حزب التحرير يضعها في مقدمة أولوياته ويدعو لتطبيقها اليوم قبل الغد.

وشأنهُ شأن جميع حركات الإسلام السياسي فإنَّ الأخير لا يملك “رؤية” مفصلة وواضحة “لكيفية” الوصول للخلافة أو وسيلة “إختيار” الحاكم أو “تداول” السلطة او تجاوز العقبات التي أفرزها تغير الزمان و منها حقيقة وجود الدولة “الوطنية”, ولكنه يكتفي بطرح “الشعار” و إبراز صورة وردية غير “تاريخية” للخلافة.

في هذا الإطار أجرت صحيفة “التيار” حواراً مع الأستاذ “إبراهيم أبو خليل” الناطق الرسمي بإسم حزب التحرير, وعندما سئل السؤال التالي : مارأيكم في دولة الخلافة التي أعلنتها (داعش) ؟ أجاب بالقول :

– (الخلافة ليست مجرد إعلان أو تنصيب لشخص، وإنما لها طريقة شرعية تقام بها، وهي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسلكنا وعليه فإن من أعلن الخلافة ليس له مقومات السلطان، وإنما أعلنها على أجزاء وهم مجرد فصيل يقاتلون النظام، وإعلان الدولة بهذه الطريقة مجرد لغو، فليس هناك مقومات دولة، والتي أهمها السلطان وهذه مفقودة ). إنتهى

قول الأستاذ أبوخليل أنَّ هناك “طريقة شرعية” تقام بها الخلافة وهى طريقة النبي الكريم يُجافي الحقيقة, فالرسول لم يضع طريقة مُحدَّدة لإختيار “الحاكم”, وإن كان أبوخليل يعني “البيعة” فلا توجدُ كذلك طريقة متفقٌ عليها لعقدها.

وكما ذكرنا مراراً فإنَّ إختيار سيدنا أبوبكر في السقيفة كان بإسلوبٍ غلب عليه الصراعُ و النزاع بين المُهاجرين والأنصار من جهة وبين آل بيت الرسول وبعض كبار الصحابة من جهةٍ أخرى. فالأنصار الذين يئسوا من تولية سعد بن عبادة بعد أن رأوا تشبُث عمر وأبي بكر قالوا ” منا أميرٌ ومنكم أمير” ليُجيبهم الصديقُ رضى الله عنهُ ” منا الأمراءُ ومنكم الوزراء”. ومن جانبٍ آخر يرفضُ أبوسفيان بن حرب تولية سيدنا أبوبكر مُطالباً بأن يستقر الأمر لدى آل عبد مناف ويقول فيما أوردهُ الطبري ” والله إني لأرى عجاجة لا يُطفئها إلا الدم. يا آل عبد مناف فيمَ أبوبكر من أموركم ؟ أين المُستضعفان ؟ أين الاذلان ! علىٌ والعباس“.

 

وبعد تولية الصدِّيق يرفض سعد بن عُبادة مبايعتهُ ويقول ” والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي, وأخضِّب سِنان رُمحي, وأضربكم بسيفي ما ملكت يدي. وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي. فلا أفعل وأيم الحق. لو أنَّ الجِّن إجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي”. وأمَّا علىٌ كرم الله وجههُ فقد رفض تولية أبوبكر على إختلاف في الرواية بين رفضه المُبايعة أياماً في أضعف الروايات, وشهوراً حتى موت فاطمة في أغلبها.

وعندما توفي الصدِّيق رضى الله عنهُ لم يترُك تولية من يخلفه إلى جمهور المسلمين أو حتى أهل “الحل والعقد” بل أوصى لسيدنا عُمر بكتاب مُغلق بايع عليه المسلمون قبيل وفاته دون أنْ يعلمُوا ما فيه. وعندما دنا سيدنا عُمر من ملاقاة ربِّه لم يتبِّع أسلوب السقيفة أو أسلوب الصديِّق في الإختيار, بل قصَرَ الإختيار على ستةِ أسماء ( علىٌ وعثمان وطلحة والزبير وإبن عوف وسعد ), يختارون من بينهم من سيتولى الأمر.

أمَّا سيدُّنا على فقد تمَّت توليتهُ تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح بموافقة بعض الأمصار ورفض البعض الآخر, عقب فتنة إغتيال ذو النورين. وبعد إغتيال علي إنفرد معاوية بن أبي سفيان بحكم المسلمين.

مع توَّلي معاوية بن أبي سفيان تحوَّل الحُكم إلى مُلكٍ عضوض وإختفت حتى اليوم كل أساليب الأختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة. وفي قصِّة تولية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان التي يوردها صاحب “العقد الفريد” دليلٌ على ما نقول : ( لما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد كتب في سنة خمسٍ وخمسين إلى سائر الأمصار أن يَفدِوا عليه, فوفد عليه من كل مصرٍ قوم, فجلس في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه,وقد تقدَّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد, فتكلم جماعة منهم, ثم قام يزيد بن المقفع فقال أمير المؤمنين هذا” وأشار إلى معاوية ” فإن هلك فهذا” وأشار إلى يزيد ” فمن أبى فهذا” وأشار إلى سيفه). إنتهى

 هذا ما كان من أمر الإختيار وأساليبه, وقد إجتهد الخلفاء الراشدون بحسب مُعطيات واقعهم, وجاء إجتهادُ كل واحدٍ منهم مُختلفاً عن الآخر. ومنذ أن تحوَّل الحكم إلى ملكيةٍ مُطلقة على يد الأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم وحتى العثمانيين الذين إنتهى حكمهم في 1924 لم يعرف المسلمون وسيلة لإختيار الحاكم سوى الغلبة والتوريث.

أمَّا قول الأستاذ أبو خليل أنَّ من أعلن الخلافة “ليس له مقومات السلطان، وإنما أعلنها على أجزاء وهم مجرد فصيل يقاتلون النظام”، فهو ضربٌ من الهروب من الحقيقة المتمثلة في الفشل الذريع والممارسات البشعة لداعش والتي أظهرت نوعاً من الغربة “الزمانية” عن أحوال العصر, ولو كان موضوع “مقومات السلطان” هذا يمثلُ ركيزة أساسية في فكر حزب التحرير فلماذا لم يؤيدوا الدولة الإسلامية التي أعلنتها “طالبان” في أفغانستان من قبل, ولماذا لم يُبايعوا “المُلا عمر” الذي كانت له سلطانٌ معترفٌ به من قبل كثير من الدول ؟

boulkea@gmail.com

  

نواصل …..