رشا عوض عند مناقشة العلاقة الثنائية بين السودان وأي دولة على وجه الكرة الأرضية، فإن السؤال المحوري الذي يجب ان يدور حوله النقاش هو سؤال "المصلحة السودانية المرجوة من من وراء هذه العلاقة" 

والمصلحة المقصودة هي مصلحة السودان دولة(وليس نظاما حاكما)، وشعبا(وليس حزبا او جماعة)، اي باختصار”المصلحة القومية” بكل معنى الكلمة، و”المصلحة القومية” حسب مفاهيم العلاقات الدولية الحديثة  هي أمر قابل للقياس الحسابي، والتثبت المنطقي.

ولكن هذه القاعدة تم تقويضها تماما على يد نظام الإنقاذ منذ استيلائه على السلطة في السودان بالانقلاب العسكري عام 1989، وشروعه بعد الانقلاب في عملية تحويل الدولة السودانية الى “ضيعة حزبية مملوكة للحزب الإسلاموي الحاكم بمسمياته المختلفة”، وعملية “الحزبنة” هذه شملت كل المجالات، وفي مقدمتها مجال العلاقات الخارجية، التي لم يعد ينطبق عليها مسمى”علاقات السودان الخارجية” بل “علاقات حزب المؤتمر الوطني الخارجية”، وحتى عندما يبرز اتجاه للتغيير في العلاقات الخارجية يكون ذلك انعكاسا إما لمستجدات تخص الحزب الحاكم، او انعكاسا لصراعات داخله، فقد أصبحت صراعات الأجنحة في المؤتمر الوطني تنعكس مباشرة على الدولة التي يسيطر الحزب على كافة مفاصلها، فانعدمت المسافة الفاصلة بين الحزب والدولة لدرجة مفزعة ! وهذا حديث يطول!

على هذه الخلفية فقط نستطيع تفسير “توريط” السودان في علاقة تحالفية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، علاقة ظاهرها انتشار المراكز الثقافية وتبعا لذلك انتشار المذهب الشيعي، وباطنها، وهذا هو مربط الفرس وبيت القصيد “العلاقات العسكرية والاستخبارية” التي لا يظهر منها إلا “رأس جبل الجليد”، ثم التراجع الجزئي عن هذه العلاقة بالقرار الأخير بإغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية والمراكز التابعة لها في كل أنحاء السودان.

ان العلاقة المريبة التي تم توريط السودان فيها مع إيران، بحسابات الربح والخسارة لمصالح السودان القومية علاقة مضرة، لأنها تضع السودان في محور إقليمي تتزعمه إيران، وتجعله طرفا في صراع إقليمي ودولي مرهق ومكلف، خصما على مصالحه في الاستقرار، وخصما على علاقاته مع دول الخليج ومصر، التي يجب ان يكون تطويرها وتقويتها من أولويات سياسة السودان الخارجية،حسبما يقتضيه التفكير الموضوعي والواقعي.

فهل اقدام الخارجية السودانية على إغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية، وترديد أسطوانة التمدد الشيعي ومخاطره على عقيدة السودانيين وتهديد إيران للأمن الفكري في السودان،  هل كل ذلك مؤشر إيجابي إلى عودة النظام الحاكم في السودان الى التفكير الواقعي والعقلاني في مصالح البلاد، وتجنيبها صراعات المحاور الإقليمية وإعادة النظر في علاقاتها الخارجية على هذا الأساس؟

لا نستطيع استنتاج ان ثمت تغييرا جوهريا قد طرأ، ومحوره مصالح السودان الاستراتيجية، فالنظام في سياساته الخارجية كما الداخلية لا يتحسس شيئا سوى استمراره هو في السلطة، وفرقعة منع إيران من النشاط الثقافي في السودان ما هي إلا مساومة ظرفية، مدفوعة بصراعات النظام الداخلية، والهدف منها استرضاء دول الخليج ومصر على خلفية التحركات الاخيرة للمعارضة، وقد يتم التراجع عنها لاحقا، وحتى ان لم يتم مثل هذا التراجع،

سيظل الجانب المؤذي من علاقة النظام بإيران، أي المؤذي للشعب السوداني ومصالح الدولة السودانية، والمؤثر على العلاقة مع دول الخليج والدول الغربية قائما! وأقصد بذلك الدعم العسكري الإيراني للنظام في حروبه الأهلية، والتدريب الإيراني للأجهزة الأمنية، مقابل تخزين الاسلحة والسماح لإيران باستخدام الأراضي السودانية والموانئ السودانية لأنشطة عسكرية واستخبارية تخص صراعاتها الإقليمية، والتي لا علاقة للسودان بها، هذا هو الجانب الذي يهم عموم السودانيين، ابتداء من الذين يقتلون بالسلاح الايراني في مناطق النزاعات، مرورا بالذين تقتلهم الغارات الجوية الإسرائيلية المتعقبة للأسلحة الإيرانية المخزنة في السودان أو المهربة الى حماس عبر السودان، وصولا الى الذين يستنشقون الغازات الإيرانية المسيلة للدموع في مظاهرات الخرطوم! وهي غازات رديئة ومضرة جدا وأحيانا تكون قاتلة! فالضرر الإيراني  الواقع على السواد الأعظم من السودانيين ليس تهديد المراكز الثقافية الإيرانية لأمنهم الفكري(على حد تعبير البيان الصادرعن مجمع الفقه الاسلامي)! وإنما هو تهديد السلاح الإيراني وتهديد الغارات الجوية الإسرائيلية المتتبعة له، لأمنهم على حياتهم من حيث هي! وهذه الغارات الجوية الإسرائيلية لا وسيلة لحماية السودان منها إلا بسياسات حكيمة تبعده عن الخوض في صراعات ليست من شأنه، فلن يحميه منها “وزير الدفاع بالنظر” او”الحاج ساطور”!

أما مناحات المجمع الفقهي، وشيوخ السلفيين وبعض الصحف على عقائد السودانيين التي أفسدها التشيع، وتحريضهم للسلطات ضد الشيعة، ومطالبتها بسن قوانين تجرمهم على أساس معتقداتهم كما ورد في البيان الصادر عن المجمع الفقهي والذي تحدث عن حماية الهوية السنية للبلاد وتجفيف منابع الخطر المهدد لعقائد الامة(والخطر المقصود طبعا هو التشيع)، واستبشارهم وترحيبهم بإغلاق المستشارية الثقافية الإيرانية باعتبار انه سينهي التشيع في السودان، ويدشن حربا ضد الشيعة، فهذا وجه آخر من وجوه المأساة! لأنه يدل دلالة واضحة على ان السودان مقبل على صراع جديد (لنج) هو الصراع بين السنة والشيعة!

رغم ان نشر المذهب الشيعي  في السودان قد تم لأهداف سياسية وفي سياق توسع النفوذ السياسي الإيراني، إذ ان إيران دولة “إسلام سياسي” بامتياز، تنعدم فيها المسافة بين الدين والسياسة، إلا أن كثيرا من الذين اعتنقوا المذهب الشيعي لم يكن الامر بالنسبة لهم أمر سياسة، بل أمر عقيدة! ومسألة حياة او موت! وبالتالي فلن يتركوا تشيعهم لمجرد ان المستشارية الثقافية الإيرانية أغلقت! وأي محاولة لاستئصالهم او ممارسة الاضطهاد الديني عليهم، وفي ظل وجود عناصر شيعية أو موالية لإيران  تدعمهم داخل التنظيم الحاكم وفي مؤسسات الدولة، سوف تقود لصراع عنيف! ظاهره الدين وباطنه السياسة! هذا بالنسبة للمحتالين الكبار في الفريقين”السني والشيعي” ، ولكن تحت قيادة هؤلاء “المحتالين” في طرفي الصراع(السنة والشيعة)، هناك أعداد كبيرة من المخلصين والمتحمسين الفدائيين الذين هم على استعداد للقتال دفاعا عن ما يعتقدون انه”الدين الصحيح” وهؤلاء هم وقود المعارك!

هذه هي بعض النتائج المدمرة للإسلام السياسي سواء كان سنيا او شيعيا! يحول الدين الى عنصر صراع واقتتال واستقطاب سياسي.

والمشهد برمته يصلح شاهدا على درجة انعدام المسئولية لدى النظام الحاكم في السودان، واستخفافه بامن واستقرار البلاد، فهذا النظام فتح الباب للتشيع السياسي الى ان اصبحت له قاعدة اجتماعية، في بلد أعفاه تاريخه وجغرافيته من كلفة الصراع السني الشيعي، كما فتح الباب واسعا لنمو وتكاثر الحركات السلفية المتعصبة ضد الشيعة لأن له فيها مآرب سياسية أخرى، والآن، ومن باب الفهلوة السياسية يقلب ظهر المجن للشيعة والتشيع، وبأعلى درجة من الضجيج الإعلامي، ضجيج مادته العواطف الدينية والتحريض ضد من يسبون الصحابة وأمهات المؤمنين بلغة محفزة على العنف والصراع ! وكأنما السودان لا يكفيه ما يكابده من صراعات عرقية وجهوية وقبلية وسياسية معقدة ومركبة تنذر بتدميره وتفكيكه!

إن ملف العلاقات السودانية الإيرانية يجب ان يوضع على طاولة السياسة ويتم التداول فيه بلغة السياسة، بعيدا عن لغة التعصب الديني والمذهبي التي يسرف في استخدامها المحتالون السياسيون للتغطية على جوهر الأزمة (العلاقات العسكرية والامنية المضرة بمصالح السودان)، فالمحتالون ليسوا وحدهم في الساحة! والجماعات الدينية المصنوعة لاغراض سياسية في الغالب تكتسب داينميات مستقلة للتحرك وللتطرف وللتعبير عن ذاتها خارج السياق الذي رسم لها!