الفضيحة(1) درويش يسرح بخياله بعيدا في قريته مطاردا بفضيحة ابنته بالحسم وما يجب عليه فعله، أى  أنه  يدير معركته هنالك في ميدان القتال الذي يعرف شُعابه وطرائق كره وفره، ويمكنه أن ينتصر فيه بصورة نهائية وقاسية.

لم يحس درويش أنه  كان متناقضا في يوم ما، لأنه لم يختبر أفعاله في مقابل ما يؤمن به بدقة، فهكذا وجد المجتمع أمامه بمعاييره المتناقضة، التي من قوة تناقضاتها أصبحت في غاية التوازن: فهو يُقبَّل الفتاة، بل يرسل أصابعه إلى ما تحت تنورتها، ويعبث بعُشبِ حديقتها السرية، وتتسلل أنامله الداعرة إلى ما دون ذلك حيث بحيرتها الصغيرة الدافئة، ولا يشعر بأي عيب غير جنون اللذة الذي يسيطر علي وعيه وما بعد وعيه. لم يحس بأية فجيعة أخلاقية وهو يطلب منها أن تتعري وتدير ظهرها إليه وتسجد حانية رأسها تجاه أرضية الشاحنة المسرعة التي تنهب الأرض وتلتهم المسافات الطويلة نحو ما لا يدريان. عبر فتحة في الحاجز المعدني يلقمها الشيءَ. تماما كما تفعل بعض الخنازير الشبقة في القفص المجاور، وعندما أدرك ذروة نشوته أيضا   لم يفكر كثيرا أو قليلا في مسألتي العيب والفضيحة. أو حتى ما يُطلق عليه الناس في بلاده الرجولة. صَرَخَ مِثل ضَبعٍ جريحٍ يقترب منه أسدٌ جائع. والرجلُ في أوطانه عندما يصرخ في تلك الفِعْلَةِ، يُشَبَّه بالْمَرَأةِ ولا تحترمَهُ النِسَاءُ، وهو يحبَ أن يَحْتَرِمْنَهُ.

عبر ذات الباب السري علي أرضية الشاحنة الذي دخلا منه من قبل في زرائب المواشي بضاحية أثينا. أنزلهما السائق عند  مزرعة علي أطراف فيينا، في بيت كبير قديم لفلاح لا وجود له، وطلب منهما أن يستحما ويغيرا ملابسهما، أو يغسلان تلك الملوثة ببول الخنزير، ويبقيان هنالك ليومين آخرين. البيت به كل ما يحتاجا إليه. ثم يتوجها في اليوم الثالث عند الثامنة إلا ربعاً صباحا إلى محطة القطار ويستقلان القطار الذاهب إلى فيينا عند الثامنة ودقيقتين في الرصيف ثلاثة، والمحطة تقع علي بعد أمتار من موقعهما، عليهما أن يكونا في الزمان والمكان بدقة: القطار لا ينتظر أحداً.

هما الآن في أمان ولا خوف عليهما من شيء، ويستطيعان أن يقدما نفسيهما للشرطة ويطلبان حق اللجوء السياسي، ولكن كل واحد منهما علي حدة وفي مكان مختلف من المدينة، ولا ينسيان ماذا يقولان لإدارة الهجرة، وأن يأخذا الأمر بجدية، إنهما يستحقان ذلك الحق ولكن، ليس من السهل نيله، وعليهما أيضا أن ينسيا قصة شاحنة الخنازير، ويتحدثان عن رحلة بالبحر إلى إيطاليا ثم عبر شاحنة تحمل صناديق فاكهة أو أسلحة أو أية أشياء أخرى تخطر في بالهم أثناء التحقيق. لقنهما السائق قصة طريق البحر تلقينا جيداً وهما تقريبا حفظاها عن ظهر قلب، وضعاها جنبا لجنب في رفٍ من دولاب الذاكرة مع تلك القضية الوهمية التي سيعرضانها لإدارة الهجرة في الوقت المناسب. قدم إليهما مالا يكفي لإطعام كل فرد منهما كما قال لأسبوع كاملٍ: قد لا تحتاجان للمال: كُلما أسرعتما بإبلاغ الشَرطَةِ كان خيرا لكما، سوف تحصلان علي السكن والطعام والكساء أيضا مجانا. ثم اتصل بالوسيط وأعطي التلفون لكل واحد منهما وتبادلا معه كلمة السر، وبذلك سيقوم بتحويل المبلغ المحجوز للمهربين في اليونان، أى أن العملية انتهت: حمدا لله علي السلامة، مرحبا بكما في أوربا.

لم يلتزما بنصائح المهربين في التعرف علي بعضهما، فقد تبادلا أدق المعلومات عن حياتيهما في السابق، حدثها عن أسرته وإخوانه الاثنين غير الشقيقين العاطلين عن العمل علي الرغم من تخرجهما في الجامعات،عن أبيه السوداني عليه الرحمة وأمه المصرية، عن أحلامه وآماله وبنت تحبه تركها خلفه. وحدثته هي عن الحرب في بلدها والتطهير العرقي الذي يمارس علي قبيلتها، عن البدو القتلة، وعن حبيبها وأشياء أخري، ولكن الشيء الوحيد الذي لم تقله له، بل كذبت عليه فيه، عندما سألها وهما في الشاحنة: ماذا كنت تعملين في مصر؟

كانت قد حدثته عن أنها  بقيت في المستشفي لخمسة أشهر  بعد أن أخذ   البدو كُليتها ورموا بها في شارع  في مدينة العريش، وأنها أصيبت بالتهاب بالغ كاد أن يودي بحياتها نتيجة للظروف غير الصحية التي أجريت لها فيها عملية نزع الكُليةبالإضافة إلى الساعتين اللتين قضتهما بدون رعاية في العراء. ولكن طبيبا مصريا عجوزا اهتم بها كابنته وساعدها في أن تتخطي محنتها فقد قام بنقلها إلى        مستشفي القصر العيني بالقاهرة حيث يعمل بصورة شبه دائمة، وهنالك تلقت رعاية طبية جيدة بتوصية منه وتحت بصره ولم تدخل في تفاصيل أدق أيضا فيما يخص المستشفي، ربما أنها  لا تريد إعادة ذكري لحظات كانت فيها أقرب للموت، بل إذا  كانت تؤمن بالموتى الذين يعودون للحياة لاعتبرت نفسها واحدة منهم، فهل هنالك شيء آخر غير فقد الأمل في الحياة وأن تظل تنتظر خروج روحك بين الفينة والأخري، تراقب نبض قلبك وهو يتلاشى تدريجياً يغوص عميقا في بئر من الصمت المريع، تُشل رئتاك وتشعر بالعالم يضيق ثم يضيق ثم يضيق إلى أن يصبح في حجم إصبعك، في حجم شعرة، في حجم ذرة من الليل. ثم تغيب عن الوعي بالأشياء. لقد مَرَّتْ بهذا كُله، بتجربة الموت والسقوط في هوة العدم. ظلت في حالة موت أو حياة لا تدري، ولكنها حالة عدم مؤكد، إلى  أن استيقظت ذات صباح باكر، كان الضوء يغمر الغرفة كلها، يغمر روحها، أحست به في أحشائها، يجري مع دمها، كان كل شيء يستيقظ من سُبات لا تدري كم مضي من الوقت.أأشهرٌ أم شهرٌ ام جزءٌ ضئيلٌ من الثانية؟.

 وحين أوان مغادرة المستشفي كانت لا تدري إلى أين تذهب، وليس لديها جُنَيَّه واحد في جيبها، لقد أخذ البدو من جيبها حتى العملات المعدنية الصغيرة جداً، وكل ما تمتلك من زينة وهي حلقة واحدة من الفِضة كانت في شكل دائرة صغيرة تعلق بأذنها اليسرى، وزنها خمس جرامات سعرها قد لا يبلغ ربع دولار أمريكي، هذه الحلقة الرخيصة تعني لها الكثير، كانت لأمها، في الحقيقة هي كل ما تملك أمها من زينة، أعطتها إليها من أجل أن تبقيها معها للأبد، ويعني ذلك الأبد أنها  عندما تموت يجب أن تُدفن معها حتى تتعرف عليها أمها في الحياة الأخرى عندما تلتقيان في الجنة وسط زحمة من الأمم.

 لا تعرف شخصا غير الطبيب الطيب الذي قام برعايتها، ولكنها قررت أيضا ألا تتصل به، يكفي ما قام به تجاهها، وأنه أنقذها من الموت، وأنها ستشق طريقها وحدها.  فكرت كثيرا جدا في الخطوة اللاحقة. ثم سألت ممرضة القسم أن تصف لها أقرب  كنيسة من مستشفي القصر العيني، لكن الممرضة قالت لها إن دكتور جمال عباس يريدها ويطلب منها أن تنتظره، وهو الآن بالمستشفي، وسيحضر حالاً. أما كل ما قصته له بعد ذلك كان ليس سوي كذبات ألفتها في حينها. مثلا قولها أنها  تزوجت الطبيب المصري العجوز وأنها حصلت علي تمويل رحلتها إلى        أوروبا منه بكامل رضاه، والأكذوبة المصاحبة لهذه القصة بالطبع، التي يستطيع كل قارئ مهما كان خياله ضعيفاً جداً ومُرهقاً من القراءة ويعاني مزاجه من عكرة سببها إشكالات أسرية شائكة، أو حمي ليلية مع حرقان في الحلق والروح والتبول، أو إمساك مزمن، أن يتنبأ بها وهي: أنها  سَرقت مبلغاً كبيراً من المال من دكتور جمال عباس العجوز وركبت البحر بجواز سفر مزور إلى اليونان!.

كان بيت الفلاح كبيرا جدا، يتكون من طابقين أو أكثر، لم يهتما كثيرا بما فيه، ولو أنهما تجولا كثيرا في أنحائه حيث كل مرة يكتشفان غرفا جديدة لم يشاهدانها من قبل، كانت السمة العامة لكل شيء هي الإهمال الشديد والغبرة البيضاء المتراكمة علي الأشياء بداخل الغرف ورائحة الرطوبة وتعفن الأشياء البطيء، تخلصا من ملابسهما المتسخة الملوثة ببول ومخلفات الخنازير. لم يقوما بغسلها بل ألقيا بها في سلة أوساخ كبيرة مُهْملة في البلكونة، أخذا حماماً بماء بارد حيث لا يُوجد ماءٌ ساخنٌ، قاما بإعداد غرفة واحدة للنوم، حيث يستحيل إعداد غرفتين أو مفرشين فالأمر يحتاج ربما ليوم كامل وهما مرهقان، وجائعان وقلقان. قد يفعلان ذلك في الغد. كان اسمها ناديا صوميل من رواندا، وهي من أقلية التوتسي التي ترزح تحت سيطرة أغلبية شريرة تُسمي الهوتو ذلك حسب تعبيرها باللغة وتفاصيل وجهها. أسرتها الآن تقيم بكيجالي  العاصمة القومية. غادروا قريتهم إلى المدينة تجنبا للعداء المتواصل من جيرانهم الهوتو الذين يطمعون في أرضهم  وحيواناتهم. الذين لا يترددون في قتلهم إذا  لم يتركوا لهم كل شيء بسلام فأخذوا ما يسهل حمله وغادروا لحي فقير في أطراف العاصمة تاركين أرضهم  وبيوتهم للهوتو. كذلك فعلت أغلبية التوتسي، كانوا يحسون أن شيئاً مؤلماً ما سيحدث لهم في هذه القُرى البعيدة عن نظر السُلطة المركزية حيث سيطرة العشائر والمجموعات القبلية. المركز أيضا   يسيطر عليه ذات الهوتو ولكنه أهون حيث تُوجد بعض الرقابة الدولية. لقد حدثت عدة عدائيات في أزمنة مختلفة راح ضحيتها الكثيرون من بني جلدتها في القُرى والتجمعات السكنية النائية.

كان سرير الفلاح كبيراً ومتسعاً، ولو أنه كان بارداً جداً، وتفوح منه رائحة الرطوبة والقِدَم والإهمال، لم يتحدثا كثيراً، دخلا تحت الغطاء الثقيل، حضنا بعضهما وناما. لا يدري كم كانت الساعة، ولكن يبدو أن الصباح لم يحن بعد، حيث كانت الإضاءة التي تدخل من الخارج للغرفة هي ذاتها التي كانت عندما خلدا للنوم، بعض الفوانيس الكهربائية الشاحبة متناثرة حول المكان أو عند بوابات بعض البيوت، كان اللحاف قربه دافئاً، عندما زحفت أنامله تتلمس ما حوله. وفجأة انتبه إلى أن أنامله لم تحصل علي شيء، فنهض من السرير ودار بنظره في الغرفة لم يجدها، كانت أشياؤها مازالت متناثرة في الغرفة، ولا حظ أيضا أن شعاعا من الضوء يأتي من ناحية ما من المنزل الكبير، من الجزء الأسفل بالذات. حسنا تكون قد ذهبت لقضاء الحاجة في المرحاض الذي يوجد في الأسفل. قاما بتنظيفه بالأمس، ولكنه أيضا فضل أن يتبع الضوء نحوها. أخذ خطاه للأسفل، واستطاع أن يشاهدها بعد خطوات قليلة من خلال حِنية الدَرَجْ، تجلس في القاعة الواسعة علي الكنبة، كانت ترتدي ملابس نومها وهي عبارة عن جلباب من السلك قصير أبيض. تشع من البعد علي انعكاس الضوء عليها، أمامها تربيزة صغيرة من الخشب البُني، مرا عليها بالأمس. تدخن سيجارة. صاح بتحية. ردت إليه وأشارت بأن يأتي.عندما اقترب منها شم ذات الرائحة التي شمها من قبل في بيت المهربين في أثينا. أنه  البنقو، سألها مستغرباً

بنقو؟