د.ناهد محمد الحسن في كتابه ميزان المصير الوطني في السودان ظل السيد الصادق المهدي يكرر بإستمرار أن مشاكل السودان لم تبدأ مع الإنقاذ ولكن الإنقاذ بمشروعها الفكري وسياساتها المغلوطة هي التي وصلت بتلك المشاكل الى منتهاها.

وهنا يبرز سؤال هام: لم ظلت مشاكل السودان الأساسية ترحل من حكومة الى أخرى دون حلول؟ وماهي تلك المشاكل؟ وماهي الرؤية لحلها؟. يمكن تلخيص مشاكل السودان في فشل النخبة المثقفة في تقديم مشروع فكري جامع يستوعب قضايا التنمية المتوازنة وادارة التنوع وقضية الهوية .أي بمعنى انه قادر على ابداع الذات القادرة على تطوير السودان وتوحيده والنهوض به اقتصاديا وانسانيا وحضاريا بالمفهوم الشامل للتنمية في بنياتها المختلفة كالتعليم والصحة والزراعة والصناعة والإقتصاد والموارد البشرية وغيرها .كما أنه قادر على إبداع تصورات للكون وللعلاقة مع الاخر في الداخل والخارج.

إن حالات الكسب او الخسارة المفاجئة هي شكل من أشكال الضغوط النفسية والتي يظهر تفاعل الأفراد معها شخصياتهم الحقيقية وبالتالي ان حصول مجموعة تحمل شعارات اسلامية فكرية للتغيير للسلطة- مكاسب مفاجئة- والطريقة التي تعاطت بها مع السلطة تنبيء الى حد كبير عن جوانب في الشخصية .والشخصية التي سأقارب تخومها هنا هي شخصية انسان الوسط الذي ادار السودان منذ الإستقلال. وما سأقوم به هنا لايعدو ان يكون تلمسا للقيم والاتجاهات العامة فى التفكير وطريقة النظر الى الحياة .تهدف هذه المقاربات الى ايجاد اجابات ولو تعميمية تحاول ان تفسر ، فشل الانظمة الديموقراطية وندرة  القيادات والشخصية الانسحابية التى لاتحتج على شىء ، ويفعل بها اى شىء . وانتشار فكرة عدم ملاءمة الديموقراطية والتعددية والعمل الجماعى للسودانيين. الافكار التى راهنت عليها الانظمة العسكرية واعتمدتها كمبررات لاجهاض الانظمة الديموقراطية ومن ذلك ان دعاة الديموقراطية كانوا اول من تنكر لها قبل ان يصيح الديك . وقد قام كثيرين بايجاد تحليلات للتجارب السياسية السابقة لتعرية الاخطاء وتجاوزها مستقبلا ومن ذلك كتابات الدكتور منصور خالد ( النخبة السودانية وادمان الفشل)، والدكتور ابو القاسم حاج حمد (السودان المأزق التاريخى وآفاق المستقبل )،ومحنة النخبة السودانية للاستاذ فتحى الضو محمد .

ولاننى اؤمن بان الشخص ليس حاملا سلبيا لثقافة مجتمعه وان بامكانه استحداث انماط ثقافية جديدة ، اعول على هذا الشخص كثيرا فى احداث التغيير الاجتماعى المطلوب . واهم هذه الشروط ان يتحرر هذا الشخص من وطأة ثالوث المكان والزمان والشخص . الثالوث الذى اعتبره الدكتور ماجد موريس حائلا امام الابداع الحر .وفى نظرى ان مفتاح الابداع باطلاقه هو ابداع الشخص لذاته .

 والانسان فى السودان حصل على سماته الانسانية من محدداته البيئية والثقافية ومن شخصيته التى قامت بصياغتها انظمة تربوية بعينها اتسمت باستبطان القهر وافرازه ولاوضح هذه العبارة ساتمثل بالرق كمؤسسة اجتماعية تهاوت فى السودان والعالم اجمع . غير ان تداعياتها المجتمعية لازالت باقية تتسلط على لاوعى الشخص الذى كانت عائلته قبل مائة عام جزء من الرقيق، وان كان اليوم اميزنا فكراً واكثرنا استنارة !كما ان فهم الحرارة والسادة لازال  فى عقلية من كان اجداده لهم رقيقهم وان كان اليوم ادنانا منزلة وعلما ، فى وقت هذبت فيه الحركات التحررية والنضالات من اجل حقوق الانسان الرؤية الى الآخر المختلف واسست الى ما ذهبت اليه الاديان السماوية وغيرها من الاديان التى ارست مبادىء العدل والمساواة فى الكرامة والحقوق دون اختلاف فى النوع او العرق او الدين او الثقافة او نمط المعيشة وغيرها من الاختلافات الشوفينية . لذلك كان لابد لى من مراجعة تاريخية القهر الذى ظل يتسلط على انظمتنا التربوية والحياتية ، وساكتفى فى البداية بالوقائع العنيفة فى التاريخ السودانى التى شكلت نظرته الى ذاته معتمدة على الدراسة القيمة التى قام بها الاستاذ محمد عبد الخالق بكرى بعنوان سيرة الاعدام السياسى فى السودان1821 1898  وسأقوم من بعدها بمراجعة نظامنا التربوى الذى يعجز عن انتاج قيادات رشيدة .