عبد الله الشيخ  "الآن حصحص الحق"..!هل أخذت "الحصاحيصا" إسمها من هنا، حتى تبدو حالمة ومشتهاة..!؟

قمت بزيارة خاطفة لها،ووجدت هاشم كرار لم يتغير كثيراً، لولا أن”عامل السن” أجبره على التقليل من الشطة الخدراء “الوَحْوَاحَةْ “بالدكوة والليمون…….! أقول قولي هذا وأترك للذين يعرفونه ــ وغالبيتهم من أجيال ما قبل الانقاذ ــ  أترك لهم حرية الشك في مثل الذي قلتُ..!

 ساحدثكم عن المدينة وعشيقها، لكن فى هذه العُجالة ،أُعطي القوس للاسطى وراق حسن، ليبدأ الحكاية.. (السبعينات كانت  مرحلة تاريخية تمور بالحراك والتثوير.. نشطت خلالها حركة الآداب والفنون و إرتبط تاريخ الغناء والشدو الجميل بتلك الحقبة..السبعينات كانت مرحلة تحول في الفكر  والنهج الانساني .في مطلع  السبعينات تأثر الشباب والطلاب في السودان  بحركة التغيير التي احدثها انقلاب مايو واصبحت الموضة أوالتوجه لدى الغالبية العظمى هو لبس البزة العسكرية  بالإنخراط في الجيش والبوليس ، كانت الكلية الحربية وكلية الشرطة “رغبة اولي” لخريجي الثانوي فى  معاينات التقديم ، فقد فضلوا الالتحاق  بهما على الكليات العلمية أو الانسانية بالجامعات..هاشم كرار ، ود بت الجعيلي  غرد خارج سرب  أولاد دفعته  مقتفياً  أثر  بيئته  الأدبية والثقافية التي  زرع شتولها فى دواخله  شقيقه الراحل طه كرار الذي كان محراباً للآداب والفنون ، بعد أن اضافت أُمه  الراحلة بت الجعيلي  على عالمه بعداً فولكلورياً شعبياً.. وعندما أمسك هاشم إبنها القلم ليكتب فى الصحافة ، وفى الادب خرج على القراء بنص  يزاوج بين  ذكريات طفولتها وصباها في قرية المقل في الولاية  الشمالية .. كانت بنت الجعيلي قد جاءت من هناك “عروس مدللة بي حجباتها ، وبتعاويذ حفظتها، واستنطقتها مع شهادة الوفاة”..

 جاءت من هناك  ولم تعد أبداً الى المقل ، وهاشم الذي ارتوى من نبعها لم يزر تلك النواحى قط ..!من طه ، ومن بنت الجعيلى تشكل عالم هاشم مفعماً  بليبرالية حياة كنبو عمال المحالج، وشفتنة و”حبرتجية ” أولاد الحلة الجديدة وترابطهم ..! من هذه البيئة المشبعة  بالحب والمترعة بالابداع خرج هاشم كرار ناضجاً،  شق  طريقه منتمياً لإنسانيته التي رعاها شقيقه الثاني عوض كرار، النقابي  الذي نذر عمره وحياته للطبقة العاملة  ولبنت الجعيلي أُمه ،  وللصغير هاشم . ولأن ود كرار كان منذ صغره “عكروداً ” يهوي  المتاعب  والمجازفات  فقد إختار ان ينتمي لمهنة البحث عن المتاعب ..التحق الآداب قسم اللغة العربية ، تسلل الى وجدانه عشق المفردة الجميلة ، و،، لم يزل حتى هذه اللحظة مفعماً ومعجباً ببشار بن برد ، وبالمتنبئ ، وبالفيتوري ، وغيرهم ،، لم يزل ” يهذي ” بآيات الشعر فى محاولة لا يأس فيها ، ذلك أنه يتقصد نقل عدوى الشعر الى كل الشوارع ..!

من نافذة  الشعر تخرج من الجامعة صحافيا كامل الدسم ، وأديباً له مدرسته الخاصة في العشق وفى الكتابة، وفى “إخراج” النكتة والدعابة ، وفى تصوير المشاهد والتفاصيل الصغيرة  بدقة الملاحظة ، واقنتاص الفرصة لإشاعة الفرح فى الناس مستبشراً ومبشراً بأن “الغد الزاهر أمامنا”.. أو هكذا ظل يقول .. شكَّل ود بنت الجعيلي  مع زملاءه في ذلك الوقت مدرسة قائمة بذاتها ميزت صحيفة الايام بنكهة فريدة ، إذ تمكن ود بنت الجعيلي  من “توفيق” أوضاع لغة الصحافة ذلك الوقت عندما “سودنها”  بقاموس المفردة السودانية  الرصينة .. فهو الذي يستطيع أن يكتب داخل النص إضاءات المعنى بلغة االباريا، أو التبوسا ، أو النوير ، أو النيمنق ، أو دارفور ، و هو الذي تخاله يقلوِّز الطاقية و يفتح الدوباي ، ويسيل مع الحِبر الى “جر النم ” فتخاله إعرابياً سارحاً مع قطعان الإبل فى فيافى كردفان، ناهيك عن غوصه فى لغة الشوايقة ،التى اكتسبها من منازلهم ،من بنت الجعيلي ومن مجلسها، الى الدرجة التى جعلته يناجز رواد المجلس  فى غُنا الجبوبات)..!