خالد فضل  بدون فذلكات مطولة , ودون الخوض في اطار نظري مسهب , فإن ما توفره التجربة الانسانية المعاصرة يشير بوضوح الى أن الدولة الوطنية الحديثة المندرجة في سياق التقدم 

والمدنية وكفالة حقوق الانسان هي الدولة العلمانية , ذلك أن طبيعة الدستور وبالتالي القوانين التي تحكم وتنظم حياة الناس فيها تمتاز بصفة عمى الألوان , نعم إن أفضل الدساتير هو ذاك الأعمى عن رؤية البشر فيفرق بينهم بسبب اللون أو العرق أو المعتقد أو الثقافة أو النوع وغيرها من أوجه وممارسات التفرقة بين البشر , فالدستور العلماني ميزته أنه لا يفصل الحقوق الانسانية على أي أساس من أسس التفرقة التي تسود حياة المجتمعات الانسانية بل يضمن الحقوق المتساوية ويوفر ضمانات العدالة لجميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز . إذا صفة العمى هنا صفة ايجابية لأن الدستور عندما ينظر الى الناس من منطلق أديانهم أو أعراقهم أو ثقافاتهم إنما يكون دستورا جزئيا غير شامل للمواطنين كلهم في البلد المعني , فالحقوق الانسانية كافة مما لا تخضع لمعيار الأغلبية والأقلية , فهو أي معيار الأقلية والأغلبية إنما يتخذ فقط لحسم نتائج التصويت في العملية الانتخابية للفصل بين المترشحين لمنصب ما , فهو معيار وقتي وفي اطار ممارسة ديمقراطية واحدة هي الانتخابات , أما في ميدان حقوق الانسان فلا أقلية ولا أغلبية فالحقوق تتأسس على الفرد ومن بعده الجماعة . فإذا كان في البلد المعني شخص واحد يعتنق مذهبا سياسيا أو معتقدا دينيا أو ينتمي الى عرق أو ثقافة غير ما يعتنقه كل سكان البلد الآخرين ولو كانوا مليار نسمة , فإنه وفي المجتمع العلماني الديمقراطي يمتلك ذات الحقوق التي يتمتع بها مليار البشر الذين يشاركهم المواطنة فيه , ومن حقه أن يرشح نفسه وواجبه أن يلتزم بمعايير الترشح , فإن كان من ضمن شروط الترشح مثلا أن يدفع المرشح مبلغا ماليا محددا كرسوم , أو أن يحصل على تأييد بطريقة محددة من 5 اشخاص مثلا لاعتماد ترشحه فأن القانون هنا ينظم العملية فقط ولا يصادر حقا , وإذا لم ينجح ذاك الفرد الواحد في الوفاء بمطلوبات الترشح فإنه لا يشعر بأن حقوقه قد هضمت أو انتهكت , بل يعترف بأن وضعه هو لم يمكنه من الوفاء بالمطلوب وليس هناك عيب في الدستور أو القانون , وحتى إذا كان يرى عيبا فإن حقه الانساني في الدولة الديمقراطية العلمانية يظل مكفولا عبر قيم حرية التعبير والنشر والتنظيم والدعوة السلمية للآخرين لاعتناق رأي أو دين محدد . أو تصحيح خطأ يراه الشخص الفرد , وعبر ذات الوسائل الديمقراطية يمكن للفرد أن يؤثر على الدستور والقوانين في موطنه , ولعل الناس عندنا هنا في السودان يعرفون مصطلحا قضائيا اسمه (السوابق القضائية ) وقد جاءت هذه السوابق في الغالب جراء حادث فردي قاد القاضي الذكي الى استنباط حكم لم يكن موجودا في القانون الذي يحكم به من قبل , وبفضل موقف ذلك الشخص وثقة القاضي وسعيه وتحريه العدالة يتحول الأمر من حالة فردية الى قانون يحتكم اليه كل الناس . أفرأيت كيف أن حقوق الإنسان تتأسس على حقوق الفرد وليس بالضرورة حكاية الأغلبية والأقلية ذات النطاق المحدد كما أسلفنا القول .

   إن مراجعة سريعة لكثير من المواقف والوقائع تؤكد زعمنا بأن النظام العلماني الديمقراطي هو الحل وليس أي شعار آخر , أنظر مثلا الى حركات التمرد في البلدان ذات الأنظمة العلمانية (الديمقراطيةغالبا) مثل تمرد اقليم الباسك  في اسبانيا , أو كويبك في كندا أو تمرد الجيش والحزب الجمهوري الايرلندي في بريطانيا بل حتى تمرد الأكراد في تركيا والعراق وتمرد الجنوبيين في السودان سابقا تجد أن مطالبهم تكاد تنحصر في حق تقرير المصير والانفصال عن الوطن الأم , وليس لهم شعارات أو أهداف تتعلق بحمل المجتمعات في تلك البلدان على وجهتها العقائدية أو الثقافية كما تفعل حركات التمرد ذات الطبيعة الاسلامية خاصة , فهي تريد حمل المجتمعات وبالتالي الحكومات لإتباع أفكارها وآيدولوجياتها المنحصرة كليا في شعار فطير عنوانه (الاسلام هو الحل ), وهي _أي تلك الحركات الاسلامية _ لا تمتلك أي اجابة شافية وموضوعية ومقاسة لتفصيلات الحياة الانسانية بما يكفل ويصون حقوق الانسان الفرد في تلك المجتمعات , إنها تكتفي في الغالب بتعميمات انشائية , واستدلالات نصية أو فقهية لا تستطيع الصمود طويلا أمام تحدي الواقع الحديث , فحتى النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة تخرج من سياقها التاريخي والاجتماعي لقسرها وحشرها في واقع اليوم بغير هدى وبصيرة , لهذا ليس غريبا أن تأتي نتائج دراسة علمية عن معايير اسلامية الدول وفق 113 مؤشر مستقاة جميعها من القرآن والأحاديث النبوية , بدول مثل نيوزيلندة والنرويج وفلندا والدنمارك وحتى اسرائيل في المراكز الخمسين الأولى من أصل 208دولة طبقت عليها المعايير نفسها بينما دول بح صوت حكوماتها من ترديد شعارات الاسلامية كحكومة السودان وايران تحتل المراكز المتأخرة في تصنيف الاسلامية , فانكشف الغطاء الزائف عند المحك العملي التجريبي وهذا ما عناه كاتب السطور عندما استهل هذا المقال بأن الواقع هو المحك وليس أي فذلكات أخرى وتبريرات ساذجة مكررة عن , العيب فيمن يدعي والخطأ في التطبيق وغيرها من تبريرات لا تغني عن الواقع شيئا بل تطرح في الواقع أسئلة اضافية عما إذا كان الاسلام غير قابل للتطبيق منذ وفاة النبي محمد ؟ فقد تحول الأمر لدولة تحكمها ظروفها الزمانية والمكانية وفق طرائق مختلفة لاختيار الحكام والحكومات بما فيها الاغتيال والابادة وليس من ضمنها بأي حال الانتخابات الحرة النزيهة الديمقراطية .

   لقد شغلت الاوساط السودانية منذ نهاية الاسبوع الماضي باخبار طرد الملحق الثقافي الايراني من السودان . وما بين النفي والتأكيد يصدر بيان الخارجية السودانية مشيرا الى أن السبب وراء القرار هو تهديد الملحقيات الثقافية الايرانية للأمن الفكري والاجتماعي في اشارة الى ما يعرف بنشر مذهب الشيعة وسط السودانيين , هذه تبريرات ساذجة أيضا , فالشيعة والتشيع لآل بيت النبي نشأ تاريخيا كحزب سياسي وليس عقيدة دينية وجاءت ظروف نشأته كرد فعل على عنف الحكومة الاسلامية الملكية العروبية الأموية  ضد القوميات غير العربية (الفارسية على وجه التحديد ) والتهديد الفارسي ليس دينيا بل كان سياسيا وفكريا , قوامه الاساسي تفوق الفرس بحضارة باذخة وعمران ونظم حكم متقدمة وثقافة مدنية عالية مقارنة بالأعراب الذين سيطروا على الحكم بالقوة وقتلوا ضمن حملاتهم تلك الحسين بن علي (حفيد النبي من بنته فاطمة ), أما الأمن الفكري المزعوم فإن مهدداته بل قاصمة ظهره هو الدولة المدعية الاسلامية نفسها وليس الحزب الشيعي السياسي , فمن وأد الفكر وحارب المفكرين وأغلق منافذ الوعي والتنوير وخرب النظام التعليمي من رياض الاطفال الى درجة الدكتوراة هي الحكومة ذات المسوح الاسلامي في السودان وليس في ايران . أما الأمن الاجتماعي المزعوم فقد حولته الي خوف اجتماعي بمعنى الكلمة أجهزة البطش منذ بيوت الأشباح ودق المسامير في الرؤوس الى عهدنا الراهن حيث الرباطة في الجامعات والقناصة في المظاهرات والجنجويد في الفلوات , بل حتى مستشفى الخرطوم في قلب العاصمة لم ينج من مظاهر الخوف الاجتماعي وبعض المرضى من جرحى حرب داحس وغبراء الرزيقات والمعاليا يتربص بهم آخرون للانتقام , فتأمل في هذا المشهد المفزع لخراب النسيج الاجتماعي واعد البصر كرتين إن كان الذي تم قد فعله شيعة الحسين ورهط المحبين لآل البيت !!

إن الحكومة الايرانية تعتبر من اعداء شعب السودان لأنها تمد سلطة القمع بأدوات القتل والتدريب على القمع ولأنها سلطة ذات طبيعة معادية للديمقراطية وحقوق الانسان فإنها تدعم جرائم سلطة الخرطوم وكلتاهما في طهران والخرطوم تزعمان الاسلامية وتفشلان في مضمار الواقع . لهذا تظل الدولة العلمانية الديمقراطية هي الملاذ من جحيم الاسلامية المزعوم في طول البلدان الموسومة ب(اسلامية) وعرضها , ولا داعي لمزيد من اللجلجة والاختباء وراء هلام لم تصمد تطبيقاته على أرض الواقع فالناس لا يريدون ولا يطمعون أن تدخلهم الحكومات الجنة أو تنجيهم من عذاب النار إن ما يهم الناس أن تكفل حكوماتهم حقوقهم كبشر أسوياء وهذا ما لا يمكن تحقيقه بعدالة وتساو في ظل أي دولة دينية أيا كان زعمها .