كمال الجزولي   (1) يحار المرء كيف أن رجلَ دولةٍ بقامة إبراهيم غندور يمكن أن يتكئ، في سياق الصِّراع السِّياسي، على فرية محتومة التلاشي قبل صياح الدِّيك ثلاثاً، حيث "كذبة الأمير بلقاء مشهورة" 

على كلمةٍ لزياد بن أبيه. لكن غندور لم يكتفِ، فحسب، بتنكب الصِّدق في زعمه اعتذار الحركة الشَّعبيَّة/قطاع الشَّمال عن دعوة آليَّة الوساطة الأفريقيَّة الرَّفيعة، برئاسة الرَّئيس الجَّنوبأفريقي السَّابق تابومبيكي، إلى جولة جديدة للتفاوض مع حكومة السُّودان، عالماً، للعجب، بأن الحركة موجودة، وأن الآليَّة موجودة، وأن الحقيقة ليست في بطن غول بأعالي البحار، بل ذهب، مع ذلك، إلى مطالبة الآليَّة بعقد الجَّولة المزعومة حتف أنف “اعتذار” الحركة المدَّعى به (السُّوداني؛ 31 أغسطس 2014م)، ما يعنى تحريض الآليَّة على الحركة، لحملها حملاً إلى طاولة المفاوضات، وهذا، بالطبع، لا يكون!

 

على أيَّة حال، وبصرف النظر عن معقوليَّة أو عدم معقوليَّة هذا المطلب العجيب، فإن مبارك أردول، المتحدِّث باسم وفد الحركة في المفاوضات، لم يجد عسراً في أن يثبت عدم توجيه الآلية، أصلاً، مثل هذه الدَّعوة، وأن يكيل لغندور، من ثمَّ، صِيعاناً من الاتهامات بالكذب والخداع والتضليل (صحف ووكالات؛ 31 أغسطس 2014م)؛ وما كان أغنى غندور عن كلِّ هذا، لو لم يلجأ للاختلاق، ولم يضِفْ إليه التحريض، ضغثاً على إبالة!

 

ولعلَّ مِمَّا يعضِّد وقوع الاختلاق، بالفعل، من جانب غندور، وعدم تجنِّي أردول عليه، ليس، فقط، غياب خبر جولة المفاوضات الجَّديدة المزعومة عن كلِّ أجهزة الصَّحافة والإعلام العالميَّة والإقليميَّة التي لا تترك حركة شاردة، ولا نأمة واردة، في عاصمة الدِّبلوماسيَّة الأفريقيَّة دون أن تسلط عليها أضواءها الكاشفة، وإنَّما، ضف إلى كلِّ ذلك، التَّسريبات التي لم يسارع غندور لنفيها، البتَّة، بل لم يأبه لذلك، أصلاً، والتي تحدَّثت عن مسعاه، دون جدوى، لعرقلة زيارة ياسر عرمان، مسئول العلاقات الخارجيَّة للجَّبهة الثَّوريَّة، إلى ألمانيا، أواخر أغسطس المنصرم، ومحاولته، بلا طائل، لإقناع الألمان بعدم استقباله (الرَّاكوبة؛ 31 أغسطس 2014م).

 

وقبل أن يخمد جمر هتين الواقعتين، انفجر، من ركن آخر، تصريح زميل غندور في الحزب والدَّولة، د. مصطفى عثمان اسماعيل، وزير الاستثمار، والمسؤول السِّياسي بالمؤتمر الوطني، زاعماً أن حزبه تلقي، عبر صدِّيق ودعة، مسؤول اتصالهم بالحركات المسلحة، موافقة شفاهيَّة على الحوار مع النظام من مني أركو مناوي، رئيس حركة جيش تحرير السُّودان، ونائب رئيس الجَّبهة الثَّوريَّة (سودان تريبيون؛ 30 أغسطس 2014م). غير أن الحركة المذكورة ما لبثت أن كذَّبت التَّصريح، مؤكدة أن رئيسها لم يلتق مع ودعة لأكثر من سبعة أشهر، ومتَّهمة إسماعيل بأنه إنَّما يهدف لإحداث بلبلة داخل صفوفها، والتَّشويش على علاقاتها بحلفائها في الجَّبهة الثَّوريَّة والمعارضة السِّياسيَّة (الرَّاكوبة؛ 1 سبتمبر 2014م). ولم يكتف مناوي بنفي الحركة الرَّسمي، بل زاد عليه، شخصيَّاً، خبر حديث قال إن إسماعيل أدلى به لتلفزيون السُّودان قبل خمسة أشهر، قاصداً إثبات “صدقيَّة” حكومته في تعهُّدها لقادة الحركات المسلحة بضمان دخولهم البلاد، إن أتوها مشاركين في “الحوار الوطني”، وعودتهم سالمين، ضارباً المثل بأنه سبق أن حاور مناوي في مدينة الأبيِّض عام 2004م، ولمَّا لم يصلا لاتفاق تركه يعود إلى قواته سالماً! وفي تعقيبه على ذلك الكلام اكتفى مناوي بأن أكد على أنه “لم يحدث أن زار الأبيِّض طوال حياته!” (الرَّاكوبة؛ 30 أغسطس 2014م).   

 

ثمَّ إن بعض الصُّحف ووسائل الإعلام السُّودانيَّة المنسوبة للنظام روَّجت، مؤخَّراً، لمحادثات وصفتها بـ “المكوكيَّة”، زاعمة أنها جرت بالعاصمة الإثيوبيَّة بين صدِّيق ودعة عن الحزب الحاكم، من جهة، وبين كلٍّ من جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، ومني أركو مناوي، من جهة أخرى، سوى أن جبريل سارع لنفي الخبر من أساسه، موضحاً أن ودعة تصادف أن نزل معهما في نفس الفندق بأديس أبابا، فتبادلوا التحايا، والمجاملات الاجتماعيَّة، والسؤال عن أخبار السودان، كأبناء بلد واحد، لكن “لم تكن هنالك محادثات مكوكيَّة أو غير مكوكيَّة” (الرَّاكوبة؛ 2 سبتمبر 2014م).

 

(2)

والآن، لئن كان تنكب الصِّدقيَّة، سواءً في الوقائع أعلاه أو في غيرها، ضارَّاً بالسُّمعة السِّياسيَّة لأقصى حدٍّ، فما الذي ألجأ الحكومة وحزبها إليه؟! الإجابة تكمن، غالباً، في ملابسات بعض الأحداث التي وقعت مؤخَّراً، وأورمت أنف النظام الذي يمثِّل الاستعلاء التَّاريخي في أسوأ صوره، حيث لم يسهل عليه أن يتحمَّلها أو يبلعها، وهو الذي لم ينفطم، بعد، من نهج الأحاديَّة، والفردانيَّة، والشُّموليَّة الذي يجعله يستنكف العدل، والسَّويَّة، والنَّصَفَةَ مع الآخرين، فهم، طاروا أم حطوا، لم يبرحوا، في نظره، محض مشروع للإخضاع والاستتباع، خصوصاً إذا كانوا من أهل الهامش. ومن أبرز هذه الأحداث: 

 

أوَّلاً: إقدام أمبيكي، بعد أن أضيف “الحوار الوطني” في السُّودان لاختصاص آليَّته الرَّفيعة، على توجيه الدَّعوة إلى قيادة الجَّبهة الثَّوريَّة للحضور إلى أديس أبابا بغرض التفاكر معها حول فرص هذا الحوار (وكالات ـ الرَّاكوبة؛ 31 أغسطس 2014م)؛

 

ثانياً: الاجتماعات التي عقدتها الآليَّة مع الجَّبهة، في هذا الإطار، والتي كان الجَّديد الاستثنائي فيها، والذي أثار، ولا بُدَّ، ثائرة المؤتمر الوطني:

 

(1) رفض الجَّبهة، بصرامة، مقترح الوساطة للاجتماع مع الحركات منفردة، وتمسُّكها بوفد كيانها الموحَّد، وإلا فإنها لن تحضر الاجتماع المقرَّر له الأول من سبتمبر (الرَّاكوبة؛ 31 أغسطس 2014م). كانت حُجَّة الوساطة الابتدائيَّة هي عدم وجود تفويض لديها بالاجتماع مع الجَّبهة متَّحدة، لكن الجَّبهة أثارت، فوراً، التساؤل المنطقي، من جانبها، عن التفويض الذي كان لدى الوساطة عندما اجتمعت مع لجنة “7 + 6“! وحسناً فعلت الوساطة عندما تراجعت، بعد ذلك، عن مقترحها، مِمَّا عدَّه مراقبون هزيمة لسياسة تجزئة الحلول التي يعتمدها النظام، كما أكدت بعض التَّسريبات ورود احتجاجات إلى الوساطة من الخرطوم، فضلاً عن وقوع بعض المحاولات لعرقلة الاجتماع (المصدر). وسيتعيَّن على الوساطة، في مقبل الأيام، أن تنأى بنفسها عن هذه الشَّاكلة من المقترحات الجالبة للشُّكوك، المثيرة للريب!

 

(2) اتِّساع وفد الوساطة، بمشاركة شخصيَّات دوليَّة وإقليميَّة مرموقة إلى جانب آليَّة أمبيكي، لأوَّل مرَّة، كمحمَّد بن شمباس، رئيس البعثة الأفريقيَّة الأمميَّة المشتركة بدارفور “يوناميد”، وهايلي منقريوس، مبعوث الأمين العام للمنظمة الدَّوليَّة إلى السُّودان وجنوب السُّودان، والسَّفير لسان، ممثل رئيس الوزراء الأثيوبي وهيئة الإيقاد، وعبد السَّلام أبو بكر، الرَّئيس النيجيري السابق (الجريدة؛ 2 سبتمبر 2014م)؛

 

(3) ضخامة وفد “الجَّبهة الثَّوريَّة” الشامل لرئيسها مالك عقار، ورئيس هيئة أركانها عبد العزيز آدم الحلو، وأمين علاقاتها الخارجيَّة ياسر عرمان، فضلاً عن نوَّاب الرَّئيس والشَّخصيَّات السِّياسيَّة المهمَّة: جبريل إبراهيم، وعبد الواحد محمَّد نور، ومني أركو مناوي، ونصر الدِّين الهادي المهدي، وزينب كباشي، والتوم هجو، وعلي ترايو، والهادي نقد الله، وأحمد آدم بخيت (الرَّاكوبة؛ 31 أغسطس 2014م).

 

ثالثاً: شمول االدعوة للصَّادق المهدي الذي التقى، في عشاء عمل مطوَّل، مساء 30 أغسطس 2014م، بقيادة الجَّبهة (المصدر)، وجرت، على هامش ذلك، مصالحة بينه وبين نصر الدين الهادي، وقد اتفقا على مواصلة اجتماعاتهما بالقاهرة خلال الأيَّام المقبلة، وربَّما يطلقان للعلن حقيقة أن انتماء نصر الدين إلى الجَّبهة تمَّ، منذ البداية، باسم حزب الأمَّة، وبموافقة وتوجيه المهدي! 

 

رابعاً: الاتصالات والمشاورات الواسعة للجَّبهة الثَّوريَّة مع قوى الإجماع الوطني المعارضة في الدَّاخل (المصدر)؛

 

خامساً: اجتمـاع 31 أغسـطس 2014م العاصف بالخرطوم لـ “لجنة 7 + 7” (تجدر تسميتها “لجنة 7 + 6“، بعد انسـحاب حـزب الأمَّـة منها)، والذي تمخَّض، بعد خلافات وجدل طويل، عن قرار إيفاد كلٍّ من غازي صلاح الدِّين، رئيس حركة الإصلاح الآن، واحمد سعد عمر، وزير مجلس الوزراء، إلى أديس، باعتبارهما مسؤولي اللجنة عن الاتصال الخارجي، للاجتماع مع “الجَّبهة الثوريَّة”، عن طريق الآليَّة الرَّفيعة (سونا؛ 31 أغسطس 2014م)؛ علماً بأن مشاركة الوزير سعد عمر في هذا الاتِّصال قد تُقرأ كإشارة لا تجوز المكابرة فيها لـ “اعتراف” الحكومة بالجَّبهة، رغم أن الأمر قد احتاج لوساطة أمبيكي كي توافق هذه الجَّبهة على الالتقاء بالوفد (سودان تريبيون؛ 2  سبتمبر 2014م). 

 

سادساً: توجيهات الميرغني، زعيم الاتحادي الدِّيموقراطي، لقادة حزبه، بالتقارب مع الجَّبهة، وذلك قُبيل اجتماعات أديس، وعقب لقائه مع وفدها بلندن (الرَّاكوبة؛ 31 أغسطس 2014م).

 

وإذن، فقد غضب النظام أشدَّ الغضب، واحتشد غيظاً من جملة تلك الأحداث وغيرها، إذ أَنَّى لهؤلاء “المتمرِّدين” المشرَّدين في الآفاق أن يتطاولوا، فيقوم لهم ذكر، وتسلط عليهم أضواء باهرة، ويقطفون، وحدهم، اللقاءات، والحوارات، والتفاهمات، والمواثيق مع هذه المؤسَّسات والقامات الدَّوليَّة والأفريقيَّة الرَّفيعة، وربَّما تعاطفها أيضاً، بينما السُّلطة، بقضِّها وقضيضها، قابعة في العتمة، بمنأى عن مركز الاهتمام في أديس، وقبله في باريس؟! أفلا يكفي كلُّ ذلك لتفسير سبب لجوء النظام للتشويش على المعارضة، ولو بإطلاق الأكاذيب، واختلاق الوقائع؟!     

 

(3)

من جهة أخرى كانت لجنة “7 + 6” التي تتمتَّع السُّلطة فيها بغلبة مريحة قد صاغت، في التاسع من أغسطس المنصرم، مشروع خارطتها للطريق، وأبرز ملامحها، المصوغة أغلبها بأكثر العبارات فضفضة، التَّأسيس الدُّستوري للدَّولة الرَّشيدة، والعدالة الاجتماعيَّة، والانتخابات  النزيهة، وتوفير مطلوبات الحوار، كإطلاق سراح المعتقلين، وكفالة الحريَّات، كحريَّة التعبير والنشر، وضمان انخراط الجَّميع في الحوار، بمن فيهم حملة السِّلاح، مع الوقف الشامل لإطلاق النار.

وفي اجتماعها الذي استغرق أربع ساعات مع آليَّة الوساطة الأفريقيَّة الرَّفيعة، مطلع سبتمبر الجاري، طرحت الجَّبهة الثَّوريَّة، بالمقابل، خارطة طريقها هي للحلِّ السِّلمي، وأرفقت بها “إعلان باريس” مع حزب الأمَّة، والذي اجتذب، مع الأيَّام، قوى جديدة، كالميرغني وأبو عيسى إلى جانب الصَّادق؛ وفحوى الوثيقتين “الخارطة + باريس” عمليَّة دستوريَّة لتغيير بنيوي شامل، وتحوُّل ديموقراطي كامل؛ ويأتي إنهاء الحرب، ووقف العدائيَّات لتنفيذ العمليَّة الإنسانيَّة، بتوصيل الغذاء والدَّواء وما إليهما، كمدخل أساسي لإقناع جماهير الشَّعب بجدوى وإنتاجيَّة العمليَّة السِّياسيَّة، فيدعمونها باتجاه الحوار الذي يتطلب، إلى ذلك، توفير الحريَّات، وإلغاء القوانين التي تقيِّدها، وإطلاق سراح المعتقلين والمساجين السِّياسيين، وتبادل الأسرى، فضلاً عن التوافق، منذ البداية، على أن يفضي الحوار المنشود إلى قيام حكومة انتقاليَّة تعالج إفرازات الحرب، وتضع دستوراً دائماً، وتسلم السُّلطة لحكومة منتخبة، ثمَّ تأتي، بعد ذلك، لا قبله، المسائل المتعلقة بتحديد الأجندة، والحضور، والوسطاء، ومكان الانعقاد، ومدَّته، وطريقة اتخاذ القرارات .. الخ.

وكان مِمَّا زكَّت به الجَّبهة مشروعها، وأهَّلته لإغراء الطرف الآخر بقبوله، أنه يرسي، بدلاً من قاعدة الحوار القديم الذي أضحى يترنَّح في البرزخ بين الحياة والموت، قاعدة أخرى لـ “حوار وطني” أقرب لأن يكون مقبولاً ومرغوباً فيه، وأن ثمَّة من سيفيد منه في معسكر السُّلطة، وفي مقدِّمتهم  ثلاث جهات أساسيَّة: رئيس الجُّمهوريَّة، حيث سيتحرك الجُّمود الحالي في ما يتَّصل بمشكلة المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة؛ والحركة الإسلاميَّة التي من مصلحتها الفكريَّة والسِّياسيَّة والأخلاقيَّة فتح صفحة جديدة مع الشعب؛ وإلى ذاك وتلك الجَّيش الذي سـينزاح عن كاهـله عـبء الرَّاهن الثقيل؛ وكلها أمور من شأنها أن تشدَّ الانتباه حتى وسط غلاة الإسلام السِّياسي.    

 

(4)

مشروعان يحمل كلٌّ منهما عنوان “التَّسوية السِّلميَّة”، بيد أنهما ما يزالان شديدي التَّباعد، رغم ما قد يلوح بينهما، للوهلة الأولى، من تقارب مظهري في مرتجِّ العيون الجَّائلة بين حِزَم البنود والفقرات، ورغم الإقرارين المتطابقين، معنى ومبنى، والصَّادرين في أديس فجر 5 سبتمبر 2014م، حيث قام موفدا “لجنة 7 + 6“، غازي صلاح الدِّين وأحمد سعد عمر، من جهة، وممثلا إعلان باريس، مالك عقار والصَّادق المهدي، من جهة أخرى، بتوقيعهما بثماني نقاط، وشهد على كلٍّ منهما رئيس الآليَّة الرفيعة، وحازا على ترحيب ومباركة  الأمين العام للأمم المتَّحدة، وحثِّه الحكومة، بوجه مخصوص، على “ضمان خلق بيئة مفضية إلى حوار شامل، وشفَّاف، وذي صدقيَّة، حسب ما ورد في الإقرارين، بما في ذلك وقف العدائيات، وضمان الحريات السِّياسيَّة شاملة حريَّة التَّعبير والتَّنظيم، وإطلاق سراح المعتقلين السِّياسيين، وغيرها من إجراءات بناء الثقة”، وذلك وفق النَّصِّ الذي أصدره الناطق الرَّسمي باسم الأمين العام، بعد بضع ساعات من توقيع الإقرارين، مثلما حاز إعلان باريس نفسه، وإنْ بطريق غير مباشر، على اعتراف المنظمة الدوليَّة، مِمَّا قد يوحي بتقارب المواقف شيئاً، خصوصاً في ما ورد، ضمن الإقرارين، لجهة اعتبار “الحلِّ السِّياسي الشَّامل” بمثابة الخيار الأمثل لمشاكل السُّودان، و”ضمان حقوق الإنسان الأساسيَّة”، وما إلى ذلك مِمَّا اجتزأ الناطق الرَّسمي باسم الأمين العام للأمم المتَّحدة في بيان الترحيب بالإقرارين. 

لكن، مع ذلك كله، وبصرف النظر عن أيِّ تقارب محتمل في أيَّة جزئيَّة، هنا أو هناك، فثمَّة مسائل أساسيَّة لا تحتمل الخلاف، ولا يُنتظر من تباعد المواقف حولها غير تدمير أيَّة إمكانيَّة لأيِّ “توافق” متصوَّر، ومن ثمَّ لأيَّة “تسوية سلميَّة” مرتجاة، اللهمَّ إلا بالكثير من “التنازل” غير المتوقع من جانب تحالف “المعارضة” لصالح تحالف “السُّلطة”؛ ولنضرب لذلك مثلاً بمسألتين مركزيَّتين:

المسألة الأولى: مطالبة مشروع الجَّبهة الثَّوريَّة وحزب الأمَّة، وجميع قوى الإجماع الوطني الدِّيموقراطي المعارض، في كلِّ ما صدر عنهم من وثائق، بوضع انتقالي كامل، خلال فترة انتقاليَّة محدَّدة، وتحت إشراف حكومة انتقاليَّة توافقيَّة يُعهد إليها بمهام انتقاليَّة معلومة؛ غير أن موقف “السُّلطة” هو الرَّفض التَّام لهذا المطلب جملة وتفصيلاً، وبالتالي لم يرد أيُّ تعبير عنه، لا في وثيقة التاسـع من أغسطـس 2014م لـ “خارطـة طـريق لجنة 7 + 6“، ولا في وثيقة الخامس من سبتمبر 2014م بإقرار ممثلي هذه اللجنة، على النحو المار ذكره؛ علماً بأن هذا الترتيب الانتقالي هو كلمة السِّر المفتاحيَّة في أيَّة تسوية سلميَّة، حيث أن الكثير يتوقف عليه، ولا شئ يمكن أن يتمَّ بدونه!

المسألة الثانية: مطالبة مشروع الجَّبهة الثَّوريَّة وحزب الأمَّة، وجميع قوى الإجماع الوطني الدِّيموقراطي المعارض، في كلِّ ما صدر عنهم من وثائق، بوقف جزئي عاجل للعدائيَّات يتيح إنفاذ العمليَّة الإنسانيَّة التي لا يمكنها أن تنتظر، والمتمثِّلة في توصيل الغذاء والدَّواء للمدنيين فـي معسـكـرات النزوح ومناطـق العـمليَّات. فعـلى الرُّغـم من أن موفدي “7 + 6“، غازي وأحمد سعد، لم يتمسكا، في إقرارهما بأديس أبابا،  بـ “الوقف الشَّامل لإطلاق النار”، كما هو وارد في خارطة طريق لجنتهما، ووقعا، بدلاً من ذلك، على صيغة “إعلان وقف إطلاق النار، ومعالجة الأوضاع الإنسانيَّة في مدخل أيِّ حوار”، إلا أن موقف السُّلطة الاستراتيجي الثَّابت، والذي يُخشى أن يفرض الارتداد إليه ما يمكن أن يرد على النَّصِّ، لاحقاً، من تفسيرات وتأويلات، هو عدم استعدادها للقبول بأقلِّ من تجريد الحركات من سلاحها، أولاً، قبل السَّماح لها بالتَّوغل في أجندة أيِّ حوار. ولعلَّ من دلائل خطورة موقف السُّلطة الاستراتيجي في هذا الشأن سابقة تشكيله لأحد أهمِّ أسباب انهيار المفاوضات مع قطاع الشَّمال، بالعاصمة الأثيوبيَّة، خلال الأسبوع الأخير من أبريل الماضي!

 

(5)

مشروعان للتَّسوية: فثمَّة، من جهة، مشروع السُّلطة الذي يستهدف تركيع المعارضة “سلميَّاً”، ولا يحظى إلا بدعم أقليَّة اجتماعيَّة يعلم راعي الضَّأن في الخلاء أنها، وحدها، المستفيدة منه، بالكامل، وفق شروط تحققه الرَّاهنة، وهي، بالضَّرورة، شروط “فاسدة”. بالتالي، وبما أن أيَّ مساس بهذا المشروع هو، في الواقع،  مساس مباشر بمصالح هذه الأقليَّة في العظم، فما من سبيل، إذن، للاستمرار في حراسته بغير “القمع” المجلل بـ “الكذب”، صباح مساء؛ وثمَّة، من جهة أخرى، مشروع المعارضة الذي يأذن “إعلان باريس” بتأهيل طاقته الكامنة potential نحو تحشيد شعبي غير مسبوق، ودفع ثوري أقوى من أيِّ وقت مضى، في ما لو أحسنت إدارته، ولم تسلمه الأثرة، والأنانيَّة، والمزايدات، ونزعات التهافت، وضيق الأفق، والتقديرات الذَّاتيَّة المعزولة، لمصير التَّبدُّد والضَّياع!

وهكذا، ما لم يتراجع مشروع “الأقليَّة” لصالح مشروع “الأغلبيَّة”، قولاً واحداً، وفق تسوية سياسيَّة سلميَّة ومستقيمة، فستواصل السُّلطة صبغ المستقبل كله بلون “القمع”، وطعم “الكذب”، بحيث لا يتبقى لـ “الحقيقة التَّاريخيَّة”، كيما تفرض تجليها المحتوم، في نهاية المطاف، سوى خيار وحيد، لكنه للأسف .. عالي الكلفة!