عبد الله الشيخ تفشى التطرق في السودان كأفق معرفي في واقع الناس الذي تسوده الشفاهة والأُمية وحياة الترحال، لأن المعرفة عبره كانت ممكنة عن طريق الولاء والوِرد، والفائدة منه كانت مباشرة، بالانتماء إلى قطاع اجتماعي عريض..

والطريقة كما هو معلوم، تبشر منتسبيها  بقدر كبير من الامل، في استرضاء القوى الخفية، أو تحييدها في الصراع مع البيئة، ومع الاجناس المتزاحمة فوق ارضٍ لم  تتمتع بعدُ بسلطان دولة راكزة..”كان مشايخة الطرق ومؤسسوها نواباً للنبي المعصوم، في عهد الجهالات.. ينقلون الناس اليه، في حكمة، وبصر، وعلى هدي مستنير.. وهذا هو السر الذي به ظهرت الشهادة المثلثة فأدخلت المشايخ..”لا اله الا الله محمد رسول الله، الجيلاني ولي الله”.. وقبل أن يرفض السلفي هذا القول ،عليه أن يتذكر ، أن “الشهادة المثلثة ” وردت عند الامام المهدي كذلك.. فقد كتب الامام المهدي على الراية التي رفعها، منذ معركته الأولى في أبا..(لا اله الا الله، محمد رسول الله، محمد المهدي خليفة رسول الله)..! والتثليث ماهو الا تعبير  لتقريب فكرة الولاء العريض، وليس القصد منها التشريك بطبيعة الحال ،، ولو كانت كذلك،  لما أقدم عليها  المهدي واتخذها عنواناً لتصوفه، و لـ “سلفيته الفريدة”.!. كان هذا التثليث احدى الحيل،، لرفع شعار عريض يجمع الناس من مشارب القبائل، اذ أن القبيلة لم تكن لقمة سائغة للطريقة، فهي لم تستسلم تماماً، لا للطريقة ولا للدولة، بل بقيت ملامحها حتى في الأحزاب الحديثة!، حيث  “النظام البرلماني في السودان، يعبر في الواقع، عن القوى الممعنة في الرجعية”..(راجع الماركسية وقضايا الثورة السودانية،ص 152).

ورويداً رويداً، لم تعد القبيلة ذات مسئولية مطلقة على الفرد، وكل من تسامى عن ولاءه القبلي ونسب نفسه إلى التطرُّق كان سهماً فى وجه القبيلة، لأن الولاء الجديد، كان بمثابة البحث عن “ايدلوجيا” تقبل ما عليه الحال من أغشية النظام  القبلي، و تُرَادِف معه على سرجها، عقدية الدين وفنون الحكماء، وطقوس السحر و الاسطرة، و”كريم المعتقدات” المتوارثة.. لذا، من غير المنطقي أن نتوقع براءة  تلك الايدلوجيا الجديدة المتوالدة عن “ترهات و لواعج وأحابيل” البيئة التي نمت فيها..!  معنى هذا، ان الطريقة القادرية التي اضاءت حلكات الحيرة فى بلاد السودان، كانت قد تكيفت مع البيئة الاجتماعية التاريخية، والتف حولها الناس كامتداد لتجاربهم الدينية والروحية السالفة ، بل كانت امتداداً وتطويراً لتجاربهم مع “الغريب الحكيم”..

و قد و صف ود ضيف الله جانباً من ملابسات  الوضع الانتقالي بين القبيلة والطريقة في حديثه عن خلوة الشيخ عمار بن عبدالحفيظ ، فقال أن “زاويته بها اناس يتحدثون بتجارة الحجاز، وتجارة الغرب وتجارة الصعيد”. وفي جانب آخر من الطبقات ، يورد وصفاً لخلوة الشيخ القدال الفرضي و يقول:” بها الف طالب، وقيل الفان.. ويقال التكارير وأولاد البلد تقاتلوا..”..! وقطعاً لم يكن قتال أخوة الطريق هنا، سوى التعبير عن الولاء “للرابطة”…. أصبح المسيد مركزاً الحراك الاجتماعي،وإلى جانب اثره الروحي كان ميداناً لمآرب اخرى لا تخلو من المفاتن القبلية.. من المسيد انطلقت مؤسسات التعليم الحديثة ، ومنه توارثت الأجيال عادة اصطفاف الطلاب في “الروابط”.. وبمرور الوقت، نلاحظ علو شأن قبائل كانت هامشية، لأن زعاماتها برعت في استخدام آليات الكيان الجديد…. في حقبة الانتقال تلك، وجد غلام الله مدينة دنقلا العجوز، “في غاية الحيرة والضلالة”،، كانت المرأة ، كأنها ترمومتر لقياس الواقع الاجتماعي،، كان “يطلقها زوجها ويتزوجها غيره في يومها من غير عِدّة”..هذا وحده يكفي لدحض التلقيب بالأسلمة في حقبة “الحيرة” التى كانت ظرفاً تاريخياً، أو اشارة إلى “ليل المخاض”، لمجتمعٍ يمور ويمور، لِيلدَ الايدلوجيا الهادية له..