أمل هباني *التقتني  قبل أيام ..لم اتعرف عليها فقد تدهورت صحتها وفقدت كثيرا من وزنها وبدت أكثر حزنا من أيام متابعة القضية في المحكمة فقد كانت حينها متفائلة بنصرة العدالة 

لها ولبناتها ولاسرتها ….تلك كانت أماني ….

*وأماني أم لطفلتين جميلتين تعرضتا للاغتصاب من قبل استاذهما وجارهما بل أنه هدد شقيقهما الذي رآه يغتصب شقيقاته و الذي لم يتجاوز السادسة وقام بأطفاء السيجارة على جسده الصغير تخويفا له أن تحدث بما رأي …

*استضفت أماني في برنامج أشياء صغيرة الذي كنت اعده واقدمه في قناة ام درمان وكانت نموذجا للأم الشجاعة وتحلت بدرجة عالية من الوعي برغم قلة تعليمها جعلها تؤمن أن طريق القانون هو الطريق الوحيد لنيل العدالة والقصاص من هذا الذئب …..وتابعت هذه الاسرة لما يزيد عن العام اجراءات القضية وكلفة المحاكم العالية من مواصلات وامجاد واتعاب محاميين وغيره  …

*وقد كنت حاضرة لجلسة الحكم على المتهم والذي بدت عليه مظاهر الالتزام الديني من علامة صلاة ولحية وتقصير جلباب ،والتي اضحت في هذا الزمان من أدوات (النصب والاجرام) خاصة في قضايا الانتهاكات الجنسية للأطفال …ودائما ما يكونوا محل ثقة الاسرة والمجتمع بمظهرهم الديني هذا …

*حكمت المحكمة بالسجن عشرين عاما على المتهم ….. الأسرة وأن ابدت ارتياحها للحكم الا أن والدتهم  لم تشعر بالرضا  قالت لي هذا حكم مخفف على مغتصب طفلتين ومعنف  لشقيقهما ..لكنها قبلت  على مضض واعتبرت أنه نال جزاء يستحقه وقبلت بارادة الله كدأب كل السودانيين المؤمنين بأن حقهم لن يضيع مادام (الله في …)

*الجاني المغتصب حر طليق و(حايييييييم ) في الحلة بعد اقل من ستة اشهر من صدور حكم المحكمة ……..دون أي حكم اسئناف لانهم لم يبلغوا بأي اسئناف كطرف شاكي في القضية ….وهذا هو سبب انتكاسة اماني ……احساس بالضيم والخذلان في العدالة  لدرجة الاكتئاب حزنا

* لا نعرف حتى اللحظة ما الذي حدث؟وحاولت الاتصال مرارا بمحامي الاسرة لكنه لايرد  ..ومهما يكن ماحدث  فانه مؤشر خطير لانفراط عقد الدولة التي تعتبر سيادة حكم القانون صمام امانها …..فهذه اسرة بسيطة كافحت وناضلت  لتنتزع  حق طفليتها في معاقبة الجاني  بالقانون في جريمة يتعرض لها في اليوم والدقيقة والثانية آلالف الاطفال في السودان وفي كل انحاء العالم …واي خلل او تهاون في هذا النوع من القضايا تحديدا يعني مزيدا من الاغتصاب ومزيدا من الهروب من العدالة ….لأن جزء هام من مناهضة اغتصاب الاطفال هو العقوبة الرادعة تماما مثل جريمة (القتل) ….فكثير من الناس لا يقتلون ليس لانهم (ملائكة أخيار ) لكن لعلمهم أنهم لن ينجو من (الموت) إن قتلوا ….بذات المنطق يخشى الفرد  أن يدفع حياته ثمنا لجريمته إن اغتصب طفلا….ولكن حين يفعل فعلته تلك وبطفلتين ….ثم يعود بعد الحكم عليه باشهر ل (يقدل) في ذات الحي مسرح الجريمة وبعد قليل يعود للتدريس في ذات المدرسة وفي هذه المرة الضحية ستكون جيل باكمله …ولن يثق احد في القانون الذي اضحى تحت (جزمة الجميع) في السودان ….ولن يذهب ذوي الضحية للمحكمة …..بل سيلجأوا لقانون الغاب حماية لاطفالهم ……ساعتها لا يطلقن  احد سهام عنصريته وكراهته وبغضه  أن هؤلاء هم ابناء قبيلة كذا (الحاقدين) أو اسرة (كذا) المجرمين ،قتلوا معلم  ملتزم ومتدين   ……… بل سيكون تحليلها وتفسيرها أن الناس عندما (لا ) يجدون طمأنينتهم بالحماية  في دولة يحكمها قانون العدالة والمساواة فسيبحثون عن نيل حقوقهم عبر اصطفافهم و(تنعرهم ) القبلي والجهوي والعشائري فهذه هي الجهات البديلة التي سيبحث الناس عن الحماية والامان ورد الظلم والعدوان عن انفسهم   عبرها  …..