بابكر فيصل بابكر شهدت الساحة السياسية السودانية تطورات متسارعة في الأسابيع الماضية بدأت بإعلان باريس الموقع بين حزب الأمة والجبهة الثورية ووصلت حتى اتفاق المبادىء بين قوى الحوار الوطني الداخلى وقوى إعلان باريس 

مع الوسيط الافريقي, وسأحاول في هذا المقال قراءة هذه التطورات في ضوء الدور الخارجي المتعاظم في السياسة السودانية.

موقف الحكومة :

واجهت عملية الحوار الوطني التي أعلنها الرئيس البشير أواخر يناير الماضي إنتكاسة كبرى بعد أن قاطعتها قوى المعارضة الرئيسية في شقيها السياسي ( قوى الإجماع الوطني ) والقوى المسلحة (الجبهة الثورية), ثم جاء التراجع الكبير بخروج حزب الأمة من الحوار بعد إعتقال رئيسه, حيث إنتقل الحزب لخانة جديدة جمعتهُ مع القوى المسلحة عبر إعلان باريس الموقع في أغسطس الماضي.

تعثر الحوار الحكومي – كما ذكرنا في مناسبة سابقة – يحتملُ عدداً من التفسيرات. أولها أن الحكومة لم تكن تمتلك رؤية واضحة لماهيَّة التغيير المرتقب وكيفية الوصول إليه, وقد يكون سبب غياب الرؤية راجعاً لإختلافات حول طبيعة ومدى التغيير بين مراكز القوى داخل الحكومة وحزبها, أو أنَّ الغرض الأساسي من طرح موضوع التغيير كان كسب المزيد من الوقت من أجل إستصحاب القوى السياسية للدخول في العملية الإنتخابية المرتقبة في أبريل 2015.

ويدخل ضمن إطار الإختلافات بين مراكز القوى داخل الحكومة ما أقرَّ به الحزب الحاكم مؤخراً من أنَّه يسعى للتنسيق مع الأجهزة الأمنيَّة حتى لا تضار العملية السياسية من الإجراءات التي تتخذها الأخيرة.

لاشك أنَّ العقوبات الإقتصادية التي فرضتها أمريكا على السودان منذ 1997 بدأت تظهر آثارها العميقة على أداء الإقتصاد خاصة في جانب توفير الموارد المالية الأجنبية الذي أضحى يمثل أحد أكبر مشكلتين تواجهان الإقتصاد السوداني بجانب تراجع نمو القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة ), حيث حال الحصار الأمريكي دون الإنفتاح الخارجي و الإستفادة من القروض الخارجية المُيسرة لمواجهة تلك الأزمة.

وقد بلغت الأزمة الإقتصادية مدىً خطيراً تمثلت مؤشراته في إرتفاع نسبة التضخم ( 46.4 %) و الزيادة الكبيرة والمتواصلة في أسعار السلع والخدمات, وإنخفاض قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي بصورة غير مسبوقة ( الدولار يُساوي 9.8 جنيه), وتراجع الإحتياطي النقدي ل 267 مليون دولار فقط في الربع الثاني من هذا العام, إضافة لمؤشرات كثيرة أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

ومن ناحية أخرى إستمرت الحرب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وتزايدت حروب القبائل في دارفور وكردفان بصورة خطيرة إلى جانب حالة الإحتقان السياسي الكبير وإستشراء الفساد المؤسسي وتفاقم الأزمات الإجتماعية وعلى رأسها البروز الكبير للإنتماءات الجهوية والقبلية في مقابل الإنتماء الوطني. 

و بجانب الحصار الأمريكي بدأت تلوح في الأفق ملامح عودة للعزلة الإقليمية عن المحيط العربي, بعد الفتور الواضح الذي أصاب العلاقات مع المملكة العربية السعودية, وهو الأمر الذي أقرَّ به وزير الخارجية على كرتي في أكثر من مناسبة, والعلاقة مع السعودية تمثل مؤشراً لنوع العلاقة مع بقية دول الخليج ( عدا قطر) ومصر, خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار تشكل المحاور الإقليمية الجديدة في المنطقة.

كل هذه العوامل تجعل الحكومة تسعى لإحداث تغيير سياسي يُخرجها من الأزمات ويُطيل أمد بقاءها في السلطة , وبالطبع فإنَّ التغيير الذي تسعى إليه لن يصل لمدى قبولها “بتفكيك مسامير النظام” على حد تعبير أحد رموز الحزب الحاكم, ولكنهُ على الأقل تغيير يخلق إنفراجاً من العزلة الإقليمية والحصار الدولي, ويساعد في تحريك عجلة الإقتصاد الذي يمثل لها العقبة الكؤود, وإذا نجح في وقف الحرب فإنَّ ذلك أقصى ما تطمح إليه الحكومة.

موقف الجبهة الثورية :

هنالك أربعة عوامل دفعت بالجبهة الثورية لتغيير موقفها الجذري الداعي “لإسقاط النظام” والقبول بمبدأ “التغيير” عبر الحوار الذي ربما يؤدي إلى شراكة سياسية مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم في القريب العاجل شبيهة بتلك التي أعقبت توقيع إتفاق السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في 2005.

يجيء في مقدمة هذه العوامل فقدان الفصيل الأكبر داخل الجبهة الثورية (الحركة الشعبية)  للظهير الجنوبي الذي كان يمده بالسند اللوجستي والتمويل والسلاح نتيجة للنزاع الداخلي الذي إندلع في دولة جنوب السودان في ديسمبر الماضي بين الجيش الحكومي بقيادة الرئيس سلفاكير والقوات المتمردة بقيادة الدكتور رياك مشار.

كذلك نجاح حملة الصيف “الحاسم” العسكرية الحكومية في تحقيق إنتصارات كبيرة في مسارح العمليات بالجبهات النشطة ( خاصة جنوب كردفان ودارفور) مما أفقد الجبهة الثورية الكثير من مواقع تمركزها وأدى لتراجع كبير في مدِّها العسكري الذي استطاع في العامين الماضيين تحقيق نجاحات كبيرة أوصلتها حتى ولاية شمال كردفان.

العامل الثالث يتمثل في نجاح الطرف الحكومي في إستمالة بعض الفصائل داخل الجبهة الثورية لعملية الحوار عبر النشاط الكثيف للجنة الإتصال الحكومي (لجنة صديق ودعة) ومؤخراً نشاط أطراف معارضة شاركت في الحوار الحكومي ( على الحاج-المؤتمر الشعبي) مما خلق تخوفات جديَّة من ضعضعة قوة الجبهة حال خروج بعض الفصائل منها والتحاقها بالحوار الحكومي.

أمَّا العامل الأكثر أهميَّة فيتمثل في الضغوط الخارجية التي مارستها الدول الأوربية ومن خلفها أمريكا, وكان آخرها إجتماعات “ستراسبورغ” الذي أوصلت فيها تلك الدول رسالتها الواضحة بأنها لن تقبل “بإسقاط” النظام عبر العمل العسكري وربطت دعمها للجبهة الثورية بنجاح الأخيرة في خلق “بعد سياسي” عبر توحيد المعارضة السياسية مع الأخرى المسلحة وهذه هى الخلفية الحقيقية التي أدَّت لتوقيع الجبهة إعلان باريس مع حزب الأمة.

لهذه الأسباب مجتمعة لم يكن أمام الجبهة الثورية من خيار آخر سوى القبول بمبداُ “التغيير” عوضاً عن “الإسقاط”, ومع ذلك فإنها تراهن على “شمولية” عملية الحوار المرتقب بحيث تصطف القوى السياسية المعارضة ( حزب الأمة- الإجماع الوطني) إلى جانبها لإحراز أكبر المكاسب في مواجهة الحكومة.

موقف القوى السياسية المعارضة :

قوى الإجماع الوطني تمثل الحليف الأول للجبهة الثورية, وهى في واقع الأمر تعاني من ضعف هيكلي ناتج عن ضعف مكوناتها الحزبية التي ظلت في حالة صراع مستمر مع النظام الحاكم منذ خمسة وعشرين عاماً, ولذلك فإنَّ إلتصاقها بالشارع وقدرتها على تنظيم وقيادة “الجماهير” واجهت تحديات كبيرة نتيجة للظروف الموضوعية التي ألمَّت بالأحزاب السياسية منذ مجىء الإنقاذ.

ولمَّا كانت العملية السياسية لا تعرف سوى “موازين القوى” فإنَّ أحزاب قوى الإجماع ظلت على الدوام تراهن على تحالفها مع الجبهة الثورية بإعتبارها الجهة التي تملك القوة الأكبر في مواجهة الحكومة والمتمثلة في “السلاح” والعمل العسكري, وبالتالي فإن أمام قوى الإجماع خيارين : أمَّا السير في طريق حلفائها وقبول الحوار مع الحكومة أو تمييز صفهَّا برفض الحوار والعمل على تقوية أحزابها عبر سياسة طويلة النفس من أجل إستعادة قوتها الجماهيرية التي تمثل سندها الرئيسي بعيداً عن تحالفها مع القوى الأخرى.

ربما تؤدي الإختلافات في الرؤية نحو قضية الحوار إلى تمايز للصفوف داخل قوى الإجماع الوطني وبالتالي يُمكن أن تحدث إنشقاقات بين مكوناتها التي ستوافق على الحوار وتلك التي ستقرر السير في طريق تنظيم الجماهير وحشدها من أجل إحداث التغيير الذي تنشدهُ (التغيير عبر الإنتفاضة), وهو عملٌ شاق يحتاج لرؤية إستراتيجية طويلة لا تتوفر لدى الأحزاب السودانية عموماً.     

حزب الأمة يبدو في وضع أفضل بعد توقيعه “إعلان باريس” الذي خفف كثيراً من نزاعات الحزب الداخلية والشد والجذب الذي صاحب دخوله في الحوار الحكومي, وقد بات الآن يراهن على تحالف عريض مع الجبهة الثورية وقوى الإجماع الوطني في مقابل ما يراه إصطفافاً للقوى الإسلامية “المؤتمر الشعبي – المؤتمر الوطني – الإصلاح الآن”, وهو الإصطفاف الذي كان الدافع الرئيسي وراء خروج الحزب من الحوار الحكومي وإعلانه “وفاة” ذلك الحوار.

يعي حزب الأمة أهمية الدور “الخارجي” الكبير في السياسة السودانية في الوقت الراهن, وكما ذكرت قبلاً فإنَّ توقيع إعلان باريس كان في جزء منهُ إستجابة لذلك الدور, وقد كانت الدكتورة “مريم الصادق” نائب رئيس الحزب حاضرة في إجتماعات ستراسبورغ التي الحَّت على ضرورة توحيد شقي المعارضة, ولذلك فالحزب ينشط هذه الأيام في حشد الدعم الإقليمي والدولي لعملية الحوار التي يرى أنه كان رأس الرمح في الدعوة لها.

الدور الخارجي :

والمعني به في هذا الخصوص دور أمريكا وحلفائها الأوربيين الذين نشطوا كثيراً في الآونة الأخيرة, وهو بالضرورة يعني دور الوسطاء الأفارقة (الإتحاد الإفريقي), ولكن التركيز في التحليل سينصبُّ على الدور الأمريكي بإعتباره اليد الخفيَّة والظاهرة التي توجه بقية الأدوار.

كتبتُ مقالاً في مارس الماضي بعنوان “الموقف الأمريكي من الحوار السوداني” أشرتُ فيه إلى التغيير الذي وقع في الإستراتيجية الأمريكية تجاه التعامل مع قضايا السودان وعلى رأسها مشكلة النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

وأوردتُ في ذلك المقال مُقتطفاً من شهادة للمبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان دونالد بوث أمام لجنة أفريقيا المتفرعة من لجنة الشئون الخارجية بالكونغرس, قال فيها إنَّ خطاب الرئيس البشير (الوثبة) يمثل فرصة تاريخية لحل النزاعات في السودان إذا كان الحوار ( كلياً وشاملاً ولا يقصي أحداً ).

وقال كذلك : ( النزاعات في السودان تمثل مؤشراً لفشل واسع النطاق للحكم بصورة عادلة وجامعة , ويجب على المجتمع الدولي الا يسمح للخرطوم بمواصلة التعتيم على القضايا الوطنية من خلال تصويرها كنزاعات إقليمية معزولة، ولا يمكن أن نسمح لهم بتمرير أي عملية وطنية شكلية لا تتضمن التمثيل والمشاركة الحقيقية لجميع مستويات و أقاليم السودان).

قلت حينها أنَّ شهادة المبعوث الخاص تعكس التغيُّر الذي طرأ على موقف الإدارة الأمريكية تجاه حل الأزمة السودانية, وهو الموقف الذي كان – إلى ما بعد توقيع إتفاق نيفاشا في 2005 – ينحاز للحلول الجزئية التي تحصر التفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة, وقد بدأ هذا التغيُّر في الموقف الأمريكي في البروز منذ منتصف العام الماضي عندما كتب المبعوث الأمريكي السابق برنستون ليمان مقاله (الطريق إلى حوار وطني في السودان).

بجانب الموقف الجديد لأمريكا من الحلول الجزئية, ظلَّ موقفها الإستراتيجي الرافض “لإسقاط” النظام بالقوة العسكرية ثابتاً وهو الموقف الذي كان قد عبَّر عنه في السابق الدبلوماسي الأمريكي رفيع المستوى ” دان سميث ” مساعد المبعوث الأميركي الخاص في السودان في دارفور عندما قال في إطار حديثه عن تحالف الجبهة الثوريِّة (كاودا ) : ( قلنا لتحالف الجماعات المتمردة، بأننا لن نؤيد الإطاحة بالحكومة بالقوة ). إنتهى

وفي هذا الإطار لم تقدِّم امريكا للجبهة الثورية الدعم الذي كانت تنشدهُ, بإعتبار أنَّ ( تحالف كاودا يتكون من جماعات غير عربيَّة في المقام الأول ولذلك فإنه يمكن أن يستقطب العرب الذين يهيمنون على الحكومة السودانية ضد الجميع، بحُجَّة أنَّ العرب يتعرضون لهجوم وكذلك الاسلام يتعرض لهجوم ) على حد قول سميث.

الموقف الأمريكي من إسقاط النظام بالقوة له كثير مما يبرره ويأتي في مقدمة تلك المبررات أولويات السياسة الخارجية التي حددتها إدارة الرئيس أوباما تجاه السودان, والتي تمثلت في ثلاثة أهداف : إكمال تطبيق إتفاق السلام الشامل مع الجنوبيين, ووقف الحرب في دارفور, و التعاون على مكافحة الإرهاب.

وفي هذا الخصوص فإنَّ أمريكا ترى أنَّ إسقاط النظام الحالي بالقوة العسكرية سيخلقُ فراغاً لا توجد قوى سياسية أو عسكرية سودانية قادرة على ملئه, وبالتالي فإنَّ سيناريو الفوضى والإقتتال سيكون هو المرجح, وهو الأمر الذي سيجعل من السودان مرتعاً خصباً للتنظيمات الإرهابية الدولية, وبحكم موقعه الجغرافي الواصل بين غرب إفريقيا وشرقها فإنَّ الأخيرة ستتمكن من تحويله لحزام للفوضي يمتد من المغرب العربي حتى الصومال.

بالطبع ليس من أولويات السياسة الأمريكية تجاه السودان إيجاد نظام ديموقراطي تعددي حقيقي يراعي توفير الحريات ويحافظ على حقوق الإنسان, وهو الأمر الذي يجب أن يعيه كل شخص أو جهة تتوهَّم غير ذلك.

ومع أن أمريكا لن تسمح بإسقاط النظام بالقوة إلا أنها كذلك لن تسمح للحكومة ( بتمرير أي عملية وطنية شكلية لا تتضمن التمثيل والمشاركة الحقيقية  لجميع مستويات و أقاليم السودان) على حسب قول المبعوث الأمريكي دونالد بوث, وهو ما يُفسِّر إصرارها على شمولية الحل والتي لا تعني بالضرورة “جذريته”.

ما يؤكد تحليلنا أعلاه, وكذلك الحضور الأمريكي القوى في الحراك السياسي السوداني الأخير هو الرد الذي أرسلهُ المبعوث دونالد بوث الخميس الماضي (4 سبتمبر) لمنظمة “أعمل من أجل السودان” وهى تجمع يضم 64 جماعة مناصرة مناهضة للحكومة السودانية, كانت قد بعثت بخطاب للرئيس أوباما بتاريخ (4 أغسطس) تطالبه فيه بإتخاذ موقف حاسم من تصاعد حدة العنف واستهداف المدنيين في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق.

تطرَّق المبعوث الأمريكي في ردِّه على خطاب المنظمة إلى العديد من النقاط, أهم ما يتصِّل منها بموضوعنا هو إشارته للدور الذي تلعبه أمريكا في قضية الحرب والحوار السوداني, حيث قال : ( نحن نعمل مع الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ورئيس بعثة السلام المشتركة (يوناميد) على صياغة إستراتيجة لوقف القتال في المنطقتين ودارفور, ولتأسيس عملية تفاوض متماسكة بين الحكومة وجماعات المعارضة المسلحة. نحن كذلك نعمل مع الآلية الأفريقية للضغط من أجل توحيد عملية السلام بإعتبار انَّ الأسباب الرئيسية للنزاعات تعتبر أسباباً مشتركة. علاوة على ذلك فإنَّ الحكومة الامريكية, بالتنسيق مع الشركاء الدوليين, تعمل على حث لحكومة السودان للإلتزام الصادق بعملية وطنية جامعة و شاملة من أجل مخاطبة الأسباب الكامنة وراء النزاعات التي أثرت في هذه الأمة لفترة طويلة جداً ). إنتهى

حديث بوث أعلاه يتطابق مع أولويات السياسة الأمريكية تجاه السودان والتي منها إيقاف الحرب, وهو كذلك يتحدث بوضوح عن الحوار “الشامل”, وهى الأمور التي بدأت تتحرك بسرعة في الساحة السياسية السودانية مؤخراً, وتم تتويجها بإتفاق المبادىء الذي وقعتهُ قوى اعلان باريس ولجنة الحوار الوطني (7+6) مع الوساطة الإفريقية الاسبوع الماضي, مما يؤكد الحضور القوي لأمريكا في سلسلة العمليات السياسية المتسارعة.

النقطة الثانية المهمة التي أشار إليها بوث في خطابه تتعلق بحديث لوزير الخارجية الأمريكي حيث يقول : ( أكَّد وزير الخارجية كيري لحكومة السودان أن الولايات المتحدة لن تشرع في إجراء أي تحسينات ذات مغزى في العلاقات الثنائية حتي تقوم الحكومة السودانية بإحداث تغيير جذريّ في الطريقة التي تعامل بها مواطنيها). إنتهى

هذه الرسالة القوية التي أوصلها وزير الخارجية الأمريكية جون كيري لحكومة السودان تؤكدُ صحة حديثنا حول أنَّ العلاقات الأمريكية لن تتحسَّن إلا بعد حدوث تغيير ملموس في سياسات الحكومة, خصوصاً قضية الحرب, “فالتغيير الجذري تجاه المواطنين” الذي يعنيه كيري يتعلق بالدرجة الأولى بضحايا الحرب, وبدرجة أقل الشعب السوداني بصورة عامة.

الحكومة السودانية في أمس الحاجة لتحسين العلاقة مع أمريكا لأنها تعلم أنَّ بيدها مفاتيح العلاقات مع بقية دول الإقليم والعالم – بمن فيهم حلفاء الحكومة في قطر – وبالتالي فإنَّه برغم علمها أن أمريكا لا تدعم إسقاط الحكومة بالقوة فهى تدرك أن الاخيرة كذلك لن تقبلُ بحل “تجميلي” يسمح بإستمرار الوضع كما هو.

خاتمة : 

لن أقول كما قال الرئيس المصري الراحل أنور السادات في إطار حديثه عن الصراع العربي الإسرائيلي أنَّ “أمريكا تملك 99 % من خيوط اللعبة”, إلا أنني أقول أنَّ حالة الإنهاك والضعف التي تعاني منها الحكومة والمعارضة على حد سواء سمحت بأن يلعب العامل الخارجي – خصوصاً الأمريكي – دوراً متعاظماً في تطورات الأزمة السودانية, هذا الدور يبدو أكثر وضوحاً في الحراك الذي شهدتهُ الساحة السياسية مؤخراً.

إذا صحَّ تحليلنا هذا فإنَّ هنالك “تسوية” سياسية تلوح في الأفق سيكون من شأنها إحداث تحولات كبيرة في المشهد السياسي السوداني, ولكنها بالطبع لن تؤدي لتحقيق طموحات أطراف في المعارضة تأملُ في الإطاحة بالنظام الحاكم, وهى كذلك ربما تخلط أوراقاً كثيرة تقود لخلق تحالفات وظهور قوى جديدة في الساحة.

boulkea@gmail.com