د.ناهد محمد الحسن قبل الغزو التركى , اى فى فترة الممالك الاسلامية , لم يخرج العنف والقهر من الاطار القبلى , الذى يعتبر جزء من المجتمع الابوى الذى لازال سائدا فى السودان ,

الشكل الهرمى للقيادة التى تنتهى بسلطة وحيدة لدى شيخ القبيلة او الطائفة, او الجماعة المحددة والتى تنحو نحو الوراثة فى اختيار القيادات لا الى المؤهلات وبالتالى لايصعد من هو فى اسفل الهرم الى اعلاه . وفى مجتمع الفونج مثلا لايمنح لقب الارباب او الامير لمن كانت امه من العامة وابوه اربابا. فى حين يقتصر اللقب على من كانت امه اميرة باعتبار ان الاميرة ليس لديها خيار ان تتزوج رجلا من العامة ولضمان السيادة الاقطاعية وسط من سموا انفسهم بالسادة . وكما ذكر عبد السلام سيد احمد ان النظام فى الفونج كان اقطاعيا بشكل حرفى لمفهوم السادة والعبيد ونمط الحياة , حيث يحظر على العامة التشبه بالسادة فى الملبس مثلا وفى رؤيته ان ظهور طبقة الفقهاء كطبقة موازية خارجة فى سلطتها على التقييم الاقطاعى كانت السبب فى خلخلة نظام الحكم الذى سقط سائغا فى يد الاتراك.

دشنت الحكومة التركية دخولها الى سنار باعدام عبد الله بخيت وادريس ود عقيد بالرفع على الخازوق لاشتراكه فى قتل الوزير محمد ود عدلان وزير السلطنة وذلك بتحريض من حسن ود رجب الذى كان له ثأر على الوزير لقتل الاخير شقيقه محمد ود رجب . ويعتبر الاستاذ محمد عبد الخالق ان هذا الاعدام سياسيا لان المحرض الرئيسى تم اعفاءه من القتل وان اسماعيل باشا لم يكن حريصا على انصاف دماء الرجل الذى هدد الغزاة الترك بالمقاومة فى مقولته الشهيرة ( لايغرنك انتصاركم على الجعليين والشايقية فنحن الملوك وهم الرعية…)انما قصد الاعدام بهذه الصورة لبث الرعب فى سكان سنار واظهار هيبة السلطة الوافدة . كانت هذه فاتحة لعهد اتسم بالعنف والقهر ضد المواطنين , اتبعت فيه السلطة التركية سياسات الابادة الجماعية , الاعدام او الاغتيال الوقائى , القتل بالشبهة واخذ البرئ بدم المذنب( النيل من اهل المعارض واقاربه ). وقد اورد الاستاذ محمد فى بحثه نماذجا لهذه السياسات منها الابادة الجماعية. مثال لذلك لم يشهد السودان فى تاريخه القديم مثلما شهد فى حملة الدفتردار الانتقامية بعد مقتل اسماعيل باشا فى 1823 . ذكر كاتب الشونة فى وصفه لهذه الحملة ( ولما جاوز دار الجميعاب وضع يده بالقتل والخراب, وخرب تلك المدائن وعدم فيها القاطن والساكن ), كما ذكر فى استمرار القتل (ووضع يده بالخارب ثانيا فما ترى بها انيسا ولا تسمع بها حسيسا من حد شندى الى كترانج ) وقد ذكر كاشف المتمة بعد عامين ان عدد القتلى قدر بخمسين الف نفس ومهما كانت التقديرات فانه من الثابت ان عدد الضحايا كان كبيرا وقد ادى العسف الى هجرات كبيرة ونال العقاب قبائل بريئة لم تشارك اصلا فى الانتفاضة .ومن ذلك ان الحسانية اجتمعوا بالجزر التى على النيل تنحيا من طريقه فوصل اليهم على الارماث واوقع بهم مجزرة هائلة . كما نكل بالشكرية وجل الهمج .ومما يعزز نية الابادة الجماعية لدى الدفتردار كما يقول الاستاذ محمد عبد الخالق متابعة المصير الذى واجه اسرى هذه المطاردات والملاحقات . فقد نتج عن مجزرة المتمة الفى قتيل وثلاثة الاف اسير قتلوا عن آخرهم .وقتل حرقا من لجأ الى خلوة الفقيه احمد الريح.

فى نظرى ان الاثار النفسية التى تخلفها الابادة الجماعية ليست اقل بشاعة من القتل. نواصل..