خالد فضل  مجددا ذكرى أولئك الأماجد والماجدات من الشهداء , يطل شهر سبتمبر , تلك الوجوه الأليفة التي كانت تضج بالحياة والأمل والطموح , حرمها جور سلطة الاسلاميين السودانيين من باقي العمر ,

نفذ فيهم أقسى وأقصى درجات انتهاكات حقوق الانسان (القتل ) ليحرمهم من   الحق في الحياة ذلك الحق الفطري الممنوح للانسان من لدن الخالق العليم . وما يزال الملف العدلي لأولئك الشهداء يتأرجح بين الاهمال والانكار , ولكن هل غابت فعلة القتلة عن الأذهان رغم ممارسات الكتمان ؟ هل انتفت المطالب المشروعة التي خرجت من أجلها تلك الحشود الضخمة من المواطنين السودانيين , وهي تهتف من أجل حقوقها الطبعية في بلدها ؟ لقد أودى رصاص القناصة بحياة الشباب والطلاب نساء ورجال ولم يسلم حتى الأطفال من القتل العلني بدم بارد , فهل يطوي النسيان تلك الأفعال ؟ الاجابة الواضحة (لا), ولأن النضال ليس معركة واحدة ينتهي بعدها كل شئ بل سكة طويلة جدا تهبط وتعلو فإن استلهام قيم الشجاعة والتضحية والصمود من سيرة ذلك النفر الكريم من أبناء وبنات الشعب السوداني تظل فاعلة ومؤثرة ونشطة , تحاصر نظام البطش والارهاب , وتخنق أنفاسه الواهنة المضطربة , وكلما زاد الخناق على تلك الفئة المستبدة زاد بطشها وترويعها واساليب قهرها , هذه معادلة مفهومة فحالة الفشل الداوي التي يتخبط فيهاالنظام في كل أوجه الحياة تزيد من حصارة , ويصبح التخبط ديدنه وسلوكه اليومي , ولعل المراقب العادي يلحظ ذلك جليا , فقد دعا نظام الاسلاميين الى حوار وطني يضم الناس كل الناس , اتضح سريعا أنه مناجاة خاصة بين فصائل الاسلاميين ومن والاهم إذ لم يتم كفالة الحد الأدنى من الحريات الذي تتطلبه عملية الحوار المنتج , وزادت وتائر الحرب والقهر في مناطق النزاعات المسلحة في أكثر من نصف مساحة البلاد من دارفور الى جنوب النيل الأزرق الى حدود ولاية سنار ,مرورا بجنوب كردفان وشمالها وتبعا لزيادة وتيرة الحرب والقصف والارهاب نزح مئات الآلاف من منازلهم وقتل المئات واغتصبت النساء وتجددت مآسي وجرائم الحرب التي ظل النظام يرتكبها ضد المدنيين والابرياء من أبناء الشعب السوداني طيلة سنوات حكمه الطويلة الممتدة لأكثر من ربع القرن لم يهنأ خلالها الشعب السوداني بأبسط حقوقه الانسانية ولم ينج من الانتهاكات المتصلة لتلك الحقوق , هذا وجه من أوجه الحصار الذي يلف أعناق الفئة الحاكمة ويعلن فشلها اليومي في ادارة الشأن العام بمستحقاته .

   لقد بات في وعي غالبية المواطنين أن السلطة الحاكمة لا يرجى منها خير كما أنها لا تكف شرها عن الناس , فحتى الذين يتعرضون لنكبات السيول والأمطار في العاصمة والولايات القريبة منها , وهم يعرفون أن نكبتهم بسبب الاخفاقات الهندسية في التنفيذ للجسور والمصارف والطرق , لكنهم في تلك اللحظات الحرجة لا يكترثون الا للاغاثة العاجلة من انقاذ ومأوى وغذاء يجدون التدخل السالب من جانب الحكومة بمختلف مستوياتها ولا تصلهم منها الاغاثات وما يصل يذهب لغير مستحقيه , عبر عن هذه الممارسات نفر من المواطنين في الصالحة بام درمان قبل بضعة اسابيع , وهنا نجد ملمحا آخرا من ملامح الحصار الداخلي الذي يلتف حول عنق الفئة الحاكمة , حصار المطالب الشعبية المتصاعدة بأبسط الحقوق من حفر بئر لمياه الشرب الى مركز للعلاج الى ما دون ذلك , مطلب وصول الاغاثة التي يجود بها الآخرون من داخل البلاد ومن خارجها في أوقات النكبات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية , حصار المطالب الشعبية المتصاعدة بالحرية للسجناء السياسيين والمعتقلين دون ذنب جنوه اللهم الا مواقفهم الرافضة للاذلال وغمط الحقوق , واهدار حقوق شعبهم وكرامته , والتحية هنا مجددا للاستاذ ابراهيم الشيخ ود. مريم الصادق فهم الطلقاء والسجان أسير مخاوفه وظنونه وسؤ طويته .وكلمة الحق ستبقى أبدا كابوسا يزلزل مضاجع الطغيان , ومثلما ستظل أرواح ملايين السودانيين التي ازهقت بغير حق منذ أيام حرب الجنوب الى بيوت الأشباح وسوح الجامعات ودارفور وكردفان والنيل الازرق والشرق وكجبار وأمري ومعسكر العيلفون ووووووو غيرها من سجلات المآسي الطافحة التي سودت صحائف الاسلاميين وكللت بالعار كله عهدهم المشؤوم , ستظل تلك الارواح وتلك الملفات مفتوحة حد القصاص , إذ لم يبق سنتميتر سوداني واحد بشرا وأرضا ومواردا لم يبصم فيه عهدهم بصمة السؤ , هذا حصار آخر يجعلهم يجرجرون أرجلهم ويترددون في السير نحو صبح الحلول الشاملة , فهم على يقين أن أي فضاء حر وديمقراطي وعادل سيفتح عليهم طاقات الأسى الذي ظل الشعب يرزح تحت نيرها طيلة عهدهم النكد , ولكن في آخر المطاف لا يصح الا الصحيح , ولن يبقى الا وجه الحقيقة دون رتوش , وطال الزمن أو قصر فإن الحقوق لا تسقط بالتقادم , والأنظمة المستبدة لن تصمد بالبندقية الى الأبد , وساعة الطوفان لا تأبه لرصاص , والآن تلوح في الأفق بادرة أخرى للحل الشامل تم التعبير عنها في اعلان باريس , ووجهت مساراتها تفاهمات أديس أبابا , وإذا كان الاسلاميون قد ادمنوا التآمر وتخصصوا في الدسائس والتدابير ومنحوا بدل الفرصة عشرات الفرص ليستقيم مسارهم ولكنهم في كل مرة يجانبون السوية ويلجون الدرك الأسفل من الممارسات , فإنه في المقابل لم يعد في وسع غالبية الشعب الركون والسكون الى تلك الألاعيب الصغيرة المملة على شاكلة وقع واهرب من التنفيذ , وعوضا عن السير في خطوات الحل يكون كل الهم منصبا في كيفية افراغ أي اتفاق من فحواه , قال بهذا مني أركو مناوي , فخرج , وابوالقاسم امام وتمرد وأحمد عبالشافع فانقسم , ومن قبل الحركة الشعبية الأم فانفصل الجنوب كله , عشرات المرات توقع الاتفاقات وينقضها الاسلاميون , فهل تستمر ذات الوتيرة في قادم الاتفاقات ؟ الوقت يمضي والمأساة تكبر والصبر ينفد وساعة الانفجار الداوي تقترب فهل يلحق الاسلاميون باقي بصيص الأمل في نجاتهم من الطامة الكبرى ؟ لنر إن كان في العمر بقية . ولتبق ذكرى شهدائنا الأبرار في مختلف الشهور والسنوات ولمختلف الأسباب وبمختلف الوسائل التي بها استشهدوا لتبق ذكراهم دوما بوصلة هادية لطريق الشعب (الأوسع من زحام الضيق ) كما في قول الراحل الخالد فينا محجوب شريف .