حاورته في القاهرة / رشا عوض  وثيقة طموحة انضافت الى رصيد المعارضة السودانية الحافل بأعداد لا حصر لها من الوثائق: "إعلان باريس" جعلناه مادة حوارنا مع الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي،

فوضعنا أمامه المخاوف والعقبات والشكوك التي تحوم حول طبيعة “التغيير” المقبل في السودان….

“إعلان باريس” مؤشر لأن هناك اتجاه الى تسوية سياسية مع نظام المؤتمر الوطني عبر”الحوار ” .. فما هو شكل هذه التسوية..ما هو السيناريو الذي انتم مقبلون عليه؟

لا معنى لأي حوار في السودان لا يستصحب سيناريو “الكوديسا” في جنوب أفريقيا، وهو عبارة عن آلية جامعة لا تعزل أحدا ولا يسيطر عليها أحد، وبرئاسة محايدة، وحكومة انتقالية، وآلية ديمقراطية لوضع الدستور، مع توافر الحريات، هذا ما نسميه باستحقاقات الحوار الجاد،

فاذا ادرك النظام ان هناك عوامل جديدة وميزان قوى جديد وأدرك حجم عزلته وحجم المشاكل التي يواجهها وقبل ان يتعامل مع عملية الحوار على اساس سيناريو مفصل على تجربة جنوب أفريقيا “الكودسا”، فهذا هو الاتجاه الوحيد الذي يمكن ان يؤدي الى نتيجة.

كيف يمكن تحقيق هدف كبير كهذا عبر “إعلان باريس”؟

إعلان باريس حقق نقلة في السياسة السودانية، فقد نتج عنه اتحاد أهم قوة سياسية في المركز وفي الهامش لتحقيق السلام والاستقرار في السودان، وهذا اختراق مهم، ونتج عنه اتجاه الى فكرة السودان العريض العادل بين جميع مكوناته، السودان الموحد بدلا من التمزيق، فالقوة الخشنة(قوة العمل المسلح) ساهمت في إبراز قضايا ومظالم وجعلتها مقبولة قوميا ودوليا، والآن توجد امكانية لحصاد هذا المجهود بوسائل ناعمة، وفي كل العالم اي كفاح مسلح لا بد ان ينتهي باتفاق سياسي،

من مزايا “إعلان باريس” كذلك ، انه كان هناك نوع من استبعاد للعنصر العربي باعتبار ان القضية السودانية تحل في إطار أفريقي ودولي، إعلان باريس جعل لمصر والجامعة العربية دورا في الشأن السوداني.  

كنا نتوقع من النظام السوداني الترحيب باعلان باريس ولكنه لاسباب الغيرة والطفولة السياسية اتخذ موقفا عدائيا ولكنه ابتلع إعلان باريس باسم(دلع) وهو وثيقة اديس أبابا، وفي تقديري ان النظام سوف يجعل من (اسم الدلع) هذا مرجعية، ويحاول التغطية على “اعلان باريس” رغم انه  هو الأصل.

اذا تعامل النظام مع وثيقة أديس أبابا باعتبارها وسيلة لمحو آثار “إعلان باريس” وحاول إجهاض إعلان باريس، فسوف يؤدي ذلك إلى موت الحوار أسوة بحوار الوثبة.

لقد طرحتم سناريو “الكوديسا” منذ سنوات وهو سيناريو مرفوض من قبل النظام فما الجديد الذي ستفعلونه من اجل ان يكون مقبولا

اهم ما سنفعله للضغط في اتجاه ان يكون الحوار وفق سيناريو الكوديسا ثلاثة أشياء:

اولا: تمتين العلاقة مع الجبهة الثورية في إطار “إعلان باريس”، وهذه اولوية أولى، وفي إطارها سوف نعمل على انضمام كل القوى السياسية السودانية لهذا الميزان الجديد للقوى السياسية في السودان

ثانيا: سنعمل على ربط الاستجابة  لمطالب السودان في الدعم  الاقتصادي باستجابة النظام للسلام العادل والشامل، والتحول الديمقراطي الكامل كما يعبر عنهما “اعلان باريس”، فسوف نسعى لان نجعل الاسرة الدولية تعلن انها مستعدة لإعفاء الدين الخارجي ورفع العقوبات وفك تجميد المساعدات الاوروبية ولتمكين السودان من التعامل العادل مع المؤسسات الدولية المالية، إذا تحقق السلام العادل والشامل والتحول الديمقراطي الكامل.

ثالثا: تعزيز الفرص المتاحة اقليميا ودوليا لمساندة “إعلان باريس”

وهذه العوامل الثلاثة سوف تكون مصحوبة بتعبئة فكرية وسياسية في الداخل لصالح “إعلان باريس” وهذا من شأنه ان يجعل النظام، إما ان يستجيب لهذه الاستحقاقات فتكون القوة الناعمة حققت أهدافها،او ان يجهض “إعلان باريس”، ويمضي في انتخابات عبثية لاستنساخ نفسه وإعادة التمكين واحتضان العناصر الاخوانية المختلفة وهذا سيزيد من عزلته ويفتح المجال لخيار الانتفاضة الشعبية.

هل تعني بتوسيع قاعدة إعلان باريس اعادة تجربة التجمع الوطني الديمقراطي؟

الفكرة التي اتفقنا عليها مع الجبهة الثورية هي الدعوة لمؤتمر جامع لكل القوى السياسية السودانية المتطلعة لنظام جديد وسلام عادل وشامل وتحول ديمقراطي، لكي نتفق عبر هذا اللقاء الجامع على خطط إقامة النظام الجديد وعلى ميثاق يحكم مستقبل السودان وعلى أسس ومبادئ الدستور الجديد، أي على كل ما هو مطلوب للخلاص الوطني، مجهودنا الآن سيكون في اتجاه عقد هذا المؤتمر لكل قوى التغيير، للاتفاق على الحاضر والمستقبل.

هل اتفقتم على زمان ومكان هذا المؤتمر؟

لا، ليس بعد، ولكننا اتفقنا مع الجبهة الثورية على التنسيق بخصوص زمان ومكان المؤتمر والقوى التي توجه لها الدعوة

الشارع السياسي السوداني لا ينظر بعين التفاؤل الى “إعلان باريس” ويرى فيه تكرارا لتحالفات سابقة للمعارضة المدنية والمسلحة فشلت وابلغ مثال التجمع الوطني الديمقراطي، والآن هناك مؤشرات قوية لأن المؤتمر الوطني يمضي في اتجاه فركشة قوى “إعلان باريس” فقد وقع مع الجبهة الثورية وثيقة أديس ابابا وقد صرح مصطفى عثمان اسماعيل لصحيفة اليوم التالي بان اتصالات المؤتمر الوطني مع المهدي مستمرة قبل وبعد “إعلان باريس” باختصار يمكن جرجرة الجبهة الثورية الى اتفاق ثنائي عبر وثيقة أديس أبابا وجرجرة حزب الامة مجددا الى حوار “الوثبة”؟

وارد جدا ان يقدم النظام على ذلك، ولكن كل هذه الألاعيب باتت مكشوفة لدينا، ونحن الآن نسعى جاهدين لعمل الترياق المضاد لمحاولات التفرقة، وفي اعتقادي ان النظام نفسه مليء بالتناقضات وإمكانية التفرقة بين عناصره أكبر من إمكانية التفرقة بين عناصر التغيير

قد يفكر النظام في طريقة “فرق تسد”، ولكن هناك عوامل موضوعية ستفشل اية محاولة لإجهاض حركة التغيير في اتجاه النظام الجديد المنشود وهي:

أولا: المسألة الاقتصادية لا سبيل لمعالجتها الا في إطار سياسة رادكالية تنبع من نظام جديد، أما النظام الحالي فغير مؤهل لذلك.

ثانيا: كل محاولات النظام لعمل اتفاقيات سلام ثنائية باءت بالفشل ولذلك حتى لو نجح في جرجرة هذا او ذاك من الفصائل فلا فائدة، فلا بد من نظرة شاملة لعملية السلام.

ثالثا: النظام يواجه حصارا دوليا بموجب 61 قرارا دوليا، هذه القرارات ولا سيما القرار 1593 الخاص بمحكمة الجنايات الدولية وغيره من القرارات لا سبيل للتعامل معها  إلا عبر اتفاق سياسي سوداني، وكما قلت لك نحن نعتقد ان مطالب السودان للدعم المالي من الأسرة الدولية ستكون مرتبطة بالتحول الديمقراطي الكامل والسلام العادل الشامل، وهذه ايضا تضع كوابح في سبيل محاولات فرق تسد،

نحن في حزب الامة سوف نتصل بكل الجهات ولكننا لن نسمح لهذه الاتصالات ان تؤثر سلبا في علاقتنا بقوى “إعلان باريس”، واعتقد ان الجبهة الثورية ايضا اكتسبت مناعة ضد محاولات جرها او جر فصائل منها لاتفاقات ثنائية .

في حديثك عن الاسرة الدولية تفاؤل كبير بأنها سوف تدعم التغيير حسب رؤيتكم في “إعلان باريس” ولكن الأسرة الدولية معروف عنها البراغماتية في التعامل مع الأنظمة في منطقتنا، وعدم اشتراطها لان تكون ديمقراطية بالكامل، فيمكن ان تقبل الاسرة الدولية بتعديلات جزئية في النظام لا ترقي لسقوفات ما اتفقتم عليه في”إعلان باريس” لأنها تريد الاحتفاظ بالنظام لحسابات أمنية في إطار مكافحة الإرهاب مثلا ؟

في رأيي الأسرة الدولية الآن مقتنعة تماما بأن نظام المؤتمر الوطني قد أفلس سياسيا وفكريا، وما دام هناك القرار 1593 لن تستطيع الاسرة الدولية التعامل مع النظام ، فهذا القرار عقبة تحول دون التعامل مع النظام

في تقديرنا التقييم الحقيقي هو ان الاسرة الدولية تدرك ان في السودان الآن عوامل جديدة توجب التغيير، حيث يوجد أمراء حرب يسيطرون على مواقع ويفرضون عليها إرادتهم بالقوة وفي استقلال تام عن الدولة  ومثل هذه الظواهر يمكن ان تفتح الباب لكل أنواع الارهاب، لانها تخلق امارات حربية لا تخضع لادارة مركزية وهذا هو الطريق الى الدولة الفاشلة التي تشجع على تمدد الإرهاب، فالاسرة الدولية مدركة لان استمرار النظام الحالي سيحول السودان الى اكبر ميدان لإغراء الحركات الإرهابية.

بالنسبة للوساطة الأفريقية هل تغير تفويضها المحدد في قرار مجلس الأمن 2046 واصبح لها تفويض جديد للتوسط في حوار سوداني شامل يجمع الجبهة الثورية والقوى السياسية المعارضة والحكومة ؟

الوسيط الأفريقي بدأ يدرك الواقع الجديد، وقلنا له في مذكرة مكتوبة انه  لكي يتمكن من النجاح يجب ان يحدد اهداف الوساطة وهي الاستقرارفي السودان والسلام العادل ثم يعترف بالواقع الجديد ،  وفي الوثائق التي وقعها في اديس ابابا ما يدل انه اعترف بالواقع، وقد كتبنا له ما ينبغي ان يعرضه على الاسرة الدولية والامم المتحدة ومجلس السلم والأمن الافريقي، ان يعرض عليهم جميعا اخذ الواقع في الحسبان.

اكبر عقبة تجاه ما تطرحونه موقف المؤتمر الوطني فهو يرفض الوضع الانتقالي ويريد حوار يؤدي الى الانتخابات فماهي كروت ضغطكم عليه

النظام يدرك انه لا بد من دستور جديد ولقاء جامع

مقاطعة ولكن يصر على استمرار رئاسة البشير

نعم صحيح ولكن كل ما ذكرته لك هو ضغوط اساسية اذا لم يستجيبوا لها فسوف تنفجر الانتفاضة ضدهم

من الملاحظ ان النظام الآن يجهز نفسه للانتخابات وقد تم ترسيم الدوائر ووضع الجداول وعضويته تتصارع حول الترشيحات لمناصب ولاة الولايات وهكذا.. فهو غير مكترث لحديثكم عن التغيير والنظام الجديد ولا يأخذ حديثكم عن الانتفاضة مأخذ الجد

انا مستغرب جدا من انشغالهم بمثل هذه الامور، فالخيارات امام المؤتمر الوطني إما انتخابات حقيقية، وإما انتخابات لإعادة انتاج النظام، وفي اعتقادي اذا اختار النظام المضي قدما في انتخابات عبثية فسوف يمهد لانتفاضة ضده، واذا قبل بالخيار الشعبي فسوف يجد لنفسه مخرجا.

في شهر اكتوبر المقبل سوف يحدد المؤتمر الوطني مرشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية فماذا ستفعلون اذا اختار البشير

نحن مطلبنا رئاسة محايدة لعملية الحوار ورئيس وفاقي للفترة الانتقالية هذه هي مطالبنا

ولكن البشير قد يتشبث بالسلطة وينسف كل مشروع التسوية السلمية بالشروط التي تتحدثون عنها خوفا على مصيره الشخصي من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية..

لا يوجد اي مخرج من موضوع الجنائية إلا بالتعامل القانوني معها، في هذا الإطار تحدثت مع مساعد الامين العام لشؤون السلام بالامم المتحدة، وتحدثت مع ممثلين للاتحاد الاوروبي ومع المسؤولين عن الملف السوداني  في الادارة الامريكية في البيت الابيض ووزارة الخارجية، وقلت لهم ان القبض على البشير كما يقتضي أمر المحكمة سوف يضع العدالة في تناقض مع الاستقرار في السودان، ولذلك لا بد ان نبحث عن معادلة  لمساءلة لا تضر بالاستقرار في السودان مثلما حدث في جنوب أفريقيا، فكانت إجابتهم انه إذا اتفق السودانيون على معادلة كهذه ومن اجل مصلحة الاستقرار فهم على استعداد للتفاهم عبر مجلس الامن لاستخدام المادة 16 من نظام روما (تجميد امر القبض لمدة عام قابل للتجديد)

اما حديثنا مع المؤتمر الوطني فهو انه لا يوجد مخرج للرئيس السوداني من المحكمة الا عبر الوفاق الوطني السوداني، ودون هذا الوفاق لن يكون هناك حل سوى استمرار هذه الملاحقة، هناك من يستخف بهذه الملاحقة ويعتبرها غير فعالة ولكنها فعالة ، فالآن رأس الدولة مطارد وهناك تحكم في تصرفاته وعدم التعامل مع السودان كشريك في الاسرة الدولية ولا سبيل لتجاوز ذلك الا بما نطرحه، هناك مضللون يقولون للمؤتمر الوطني يمكن اهمال هذا الموضوع وهو موضوع لا يمكن اهماله،لا يمكن التعامل وكأنما قرار المحكمة الجنائية الدولية غير موجود! وفي اعتقادي قرار المحكمة من كروت الضغط لصالح الحركة السياسية في السودان، العقلاء في المؤتمر الوطني يجب ان يدركوا ان لا طريقة لفك الحصار عن البشير الا عبر الوفاق الوطني.

هل سيتم الاتفاق في المؤتمر الجامع ماهي

المؤتمر الجامع هو اجتماع لقوى التغيير حتى تضع خارطة طريق للحوار او للانتفاضة والمستقبل بعد التغيير والهيكل الذي يقود هذا العمل

هل انت متأكد من صمود تحالفكم حتى الوصول الى هذه المرحلة تاريخ المعارضة حافل بالانقسامات والانشقاقات؟

الحياة السياسية مليئة بالتحديات، هناك ظروف موضوعية تتطلب وحدة الكلمة لتحقيق الاهداف الوطنية ولكن يمكن ان يكون هناك افراد يمكن التلاعب عبر اطماعهم هذا وارد،

هناك مخاوف من ان يبدأ حزب الامة بالتراجع عن هذا الخط؟

هناك من يتهم حزب الامة بذلك ولكن كل ما ذكرته لك عن الحل الشامل وعن التغيير نحو نظام جديد عبر “الكوديسا” هو مشروع نابع من حزب الامة هل يمكن ان يخون حزب الأمة اهدافه، نحن منذ ثلاثة سنوات ندعو للتغيير عبر نظام جديد عبر كوديسا او انتفاضة شعبية  هذا طرحنا

ولكن حزب الامة تجاوب مع النظام في حوار الوثبة وهذا ما يجعل كثيرين يتشككون في انه يمكن ان يتراجع

النظام هو الذي تجاوب مع حزب الامة ومشروع الحوار هو مشروعنا والنظام عندما تراجع عن استحقاقات الحوار اتجهنا الى هذا التحالف الجديد.

 ما هي القوى السياسية التي اتصلتم بها للانضمام ل”إعلان باريس” هل اتصلتم بالاتحادي الديمقراطي الأصل وقوى الاجماع؟

بعد ان وقعنا على “اعلان باريس” اتصلنا بكل القوى السياسية لنقول لهم هذا الاتفاق ليس لعزل احد بل من اجل الحل الشامل

ما هو تقييمك للاستجابة؟

في الغالب ايجابية ولكن هناك من هو مشغول بالمناورات

والمؤتمر الوطني؟

 اتصلنا به كذلك فنحن لم نستثن احدا من الاتصالات

وماذا قال لكم؟

لم يعترض بصورة رسمية

في الاعلام هناك هجوم على الاتفاق

ولكنهم رحبوا باتفاق اديس أبابا  وهو جنين ل”اعلان باريس”

هل هناك اتصال بك من قبل المؤتمر الوطني للعودة

هناك اتصالات مكثفة  لاقناعي بالعودة لعدم الاضرار بعملية الحوار حسب قولهم ولكنني قلت لهم  ان لدي اولويات خارج السودان،  ولدينا حزب له اجهزته المؤهلة والمخولة للدخول في اية محادثات وطلبت منهم  عدم شخصنة الامور

هل نستطيع ان نقول ان المعارضة السودانية الآن في محور مصر- السعودية- الامارات المناوئ للاخوان المسلمين؟

استطيع القول ان اي محور يتبنى استمرار النظام السوداني الحالي كما هو يكون محورا مضادا للقوى التي تطالب بالتغيير، وبالتالي فإن اي محور يدعم التغيير في السودان هو قريب من القوى المطالبة بهذا التغيير.