عبد الله الشيخ كان الأدب الشعبي مرآة عاكسة لظرف الانتقال، ولما أفرزته الهجرة العربية الكثيفة، من "حِيرة"، فى مجتمع السودان.

 

فتجد فى نصوص التراث ،على سبيل المثال، امتعاض الكهول- وهم ورثة القديم-  من تسرب الاجيال الجديدة إلى مجالس الدرس على حساب مجالس القبيلة.. وتجد “الحكّامة”، تمارس سلطة الشاعر في المجتمع القبلي، لتجلد بلسانها كل متسلل عن ولائه القبلي، فتدينه بالتخاذل، مع اعتراف ضمني بمكانة الشيخ عن طريق التعريض وتعليق التهمة على “الحُوَّار”، الذي انتسب للكيان الجديد..!

 

من النصوص التراثية المتوارثة في هذا المعنى: “ما دايرا لكْ اللوح المعلَّق.. بدور حماد كَتلْ،حماد مفلَّق”..وقول “شغفة المرغومابية” فى تعيير إبنها:”دقنك حمَّست،غيّ البنات نافيه، بَطْنكْ كرّشتْ، جِلْدكْ خَرِشْ مافيه”..! وهكذا ، أضحى التصوف رابطة روحية وهوية اجتماعية  أشمل، تستوعب الحاجة الاجتماعية في اجواء تصدع التنظيم القبلي ، فكان بمثابة “الايدلوجيا” التي مكنت الدولة من طي بساط القبيلة. وكانت للقبيلة وسائلها في حماية كيانها داخل سياج التطرق، فقد عبر القبليون عن حضورهم داخل ذلك السياج بمفردات ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم،، عن طريق الشلوخ – مثلا – كبطاقة تمييز عرقي وثقافي..

 

والشلوخ إلى ذلك، هي “وسم” لممتلكات القبيلة، اضافة إلى مضامينها الجمالية التي نجدها مبذولة في الفنون والتراث الشعبي عموماً. والشلوخ ، كأحد الانماط التراثية المنسوبة للبداوة ، هي الأُخرى، لم تسلم  من التحييد ثم التسخير، في ظل تقلُّب الحياة الاجتماعية،إذ حملت معاني الانتساب العقدي ، واستحالت الشلوخ القبلية إلى شلوخ دينية مع شيوع ثقافة التصوف، حتى صار التشليخ علامة انتساب للطريق، حين قلّد الحيران شلوخ مشايخهم، دون التقيُّد بالعلامات المميزة لشلوخ القبيلة.. و في عهد الفونج الباكر، اشتهر الشيخ ادريس ود الارباب، والشيخ حسن ود حسونة، بالشلوخ ، ذات المضمون الديني. وكذلك الحال عند السمانية والفادنية..

 

ومع زحف الطريقة، لوراثة القبيلة ،في ظل تنامي كيان الدولة، لم تصمد الشلوخ والوشوم كعادة تراثية، وكذلك الخفاض،، فلم تعد مثل تلك العادات تعبر عن واقع ما بعد ظرف الانتقال، ولا بقيت كحامل لمضمون ديني، بل قادها التطور التاريخي إلى حتفها باختفاءٍ وئيد.. و كذلك تحول الايقاع واللحن القبلي، وتبدل ولاء الحداة القبليين، حين حمل إبداعهم المضامين الدينية، ليكون بوقاً صوفياً،، فاضيف بذلك، إلى معاني الايقاع المتعددة، بعد روحي، ظل طاغياً إلى اليوم في الطبل والطار. وجمعت الخلوة بين وظائف الضيافة والعبادة والتعليم، وصارت مركز الحراك الاجتماعي في الافراح والاتراح، وحُظي مشايخها ببعد “طوطمي”، و”تابو”، يلاحق المارقين عن طوع  شيخ الطريقة،، فالذين انعزلوا عن التطرق حرموا انفسهم من مكاسب الفرد داخل اطارالتنظيم الجماعى، وبالتالي،  تم تفسير كل ضررٍ أو أذى،  يقع على “اللامنتمي”، على انه لعنة ، أو “سخط”.. وهكذا، تحققت الغلبة للتطرق وتعددت اسماء الطريقة الواحدة بأسماء القبائل أو المشايخ،، فكان الميدان يعج بالطرق المتناسلة “المتسودنة”.. من الامثلة على ذلك، خروج المجذوبية من عباءة  الشاذلية،والاسماعيلية من الختمية، التي انبثقت من الادريسية.. كما مهدت القادرية للطريقة السمانية ، التي كانت ينبوعاً تفجّرت منه المهدية.. ودخلت الطريقة التجانية إلى السودان في أواخر العهد التركي وكان اشتهر مراكزها في خلاوي الغبش ثم انتشرت بكثافة فى السودان الغربي.. وفي الربع الأخير من القرن العشرين تميزت الطريقة “البرهانية” عن الطرق الحديثة بالذيوع في أوساط الأوروبيين، وظهرت “الركينية”، وهي ليست آخر صفحة في كتاب الطرق في السودان.. مجمل القول ان الطرق الوافدة  تشربت بالبيئة، ووقع الاختلاف بين القادري السوداني والقادري العراقي أو المغربي – على سبيل المثال – من واقع ذلك التشرب..واستمر تناسل الطرق، مع التفاوت في التمسك بالنص الأوَّلي، لان النشأة على بطن أو فخذ قبلي يترك أثره على الوجه العقدي.