بابكر فيصل بابكر أشرتُ في الجزء الأول من هذا المقال إلى أنَّ تيارات الإسلام السياسي الداعية لعودة الخلافة الإسلامية – ومن ضمنها حزب التحرير الاسلامي - لا تملك تصورات محددة لكيفية إقامة تلك الخلافة,

وتقوم كذلك بتزييف التاريخ عبر قراءة “رغبوية” لا تعكس الطبيعة الحقيقية للممارسات التي تمَّت في إطار تلك الخلافة.

وأواصل في هذا الجزء النظر في هذا الموضوع, وأعود لحديث الأستاذ ابراهيم ابوخليل في حواره مع صحيفة التيار, حيث قال أنَّ دعوتهم للخلافة تشتمل على عدة مراحل, الثالثة منها هى طلب “النصرة من أهل القوة والمنعة في الأمة”, وعندما سئل : من هم أهل القوة والمنعة اليوم ؟ اجاب بالقول :

( في عهدنا هم الجيوش لأنهم أبناء مسلمين في بعض المناطق, وفي مناطق أخرى يمكن أن يكون أهل القوة هم القبائل التي لها نفوذ، المهم أهل قوة يساعدوا في إقامة الدولة ومن ثم التوسع إلى بقية أجزاء العالم الإسلامي للقيام بتطبيق الإسلام وحمل الدعوة والجهاد في الخارج ). إنتهى

من الواضح أنَّ حزب التحرير يُراهن على “الجيش” و “القبيلة” في إنجاز مهَّمة إقامة الخلافة الاسلامية وهو رهان “خاسر” أثبتت الأيام عدم جدواهُ لأنهُ لا مُحالة يؤدي لإستبداد صاحب “الشوكة” وإنفراده بالسلطة والحكم, ويستغرب المرء لكيف لا يُراجع حزب التحرير أفكاره ويستفيد من درس حُكم “الإنقاذ” التي جاءت أيضاً تحمل شعارات الشريعة و الدولة الإسلامية وإنتهت لنظام أوتوقراطي يتحكم في السلطة بقوة الحديد والنار.

أمَّا رهان حزب التحرير على سند “القبيلة” فهو رهان يدعو للأسى ويعكس المدى الذي وصلت إليه “الغربة” الزمانيَّة لدى تيار الإسلام السياسي عموماً, فعصرنا الذي نعيش فيه اليوم تخطى مرحلة القبيلة و حتى الدولة الوطنية وبات يتطلع “للإتحادات” الكبرى, بينما يدعو هؤلاء للإستنجاد بالقبائل من أجل تطبيق مشروعهم !

يظنُّ حزب التحرير – وبعض الظن إثم – أنَّ بإستطاعته أن يطلب من الجيوش والقبائل مساندته في تحقيق حلمه السياسي ثم يقول لهم : جزاكم الله خيراً , عودوا لثكناتكم ومناطقكم يرحمكم الله واتركوا لنا إدارة شئون الحكم, وهذا إعتقادٌ يعكسُ نوعاً من السذاجة السياسية, وجهلاً بالتاريخ, وغربة عن الواقع, فالجيوش في بلاد العرب والمسلمين شغوفة بالسلطة, والقبائل تقاتل من أجل مصلحة أبناءها, وجميعهم ليسوا على إستعداد لخدمة مشروع لا يحقق لهم السيطرة والإنفراد بمقاليد الحكم.

أمَّا قول الأستاذ أبوخليل أنهم بعد أن يٌقيموا الخلافة الإسلاميَّة سيحملون “الدعوة والجهاد للخارج” فهو حديث يحتاج للشرح والتفسير, فأمر الدعوة مفهوم وهى مُستمرة إلى قيام الساعة سواء في ظل  وجود الخلافة أو غيابها, أمّا غير المفهوم فهو “الجهاد”, فهل يعني الأستاذ أبوخليل أنهم سيقاتلون جميع أمم العالم حتى يعتنقوا الإسلام ويدخلوا في إطار الخلافة ؟ وإذا رفضوا فهل سيفرضون عليهم الجزية مثلما تفعل داعش الآن ؟

 أمَّا النقطة في حديث الناطق الرسمي فتتمثل في إجابته عن السؤال حول إيمانهم “الإنتخابات”, والتي جاءت كالتالي ( هي وسيلة للاختيار، ولكن السؤال لماذا نأتي برئيس جمهورية أو مجلس يشرِّع، فليس هناك رئيس في الإسلام وإنما خليفة مسلمين يقوم على أمور المسلمين ). إنتهى

وإذا سألنا الأستاذ كيف يتم إختيار الخليفة لن تكون لديه إجابة واضحة, ذلك على الأقل درس التاريخ الذي تعرضنا له في الجزء الأول من المقال, وإذا قال لنا عن طريق “الشورى” قلنا له هناك خلاف كبير حول من يشترك فيها, وغالباً ما سيردُ علينا بأنها من حق “أهل الحل والعقد”,وسنقول له إنَّ حصر الإختيار في فئة محدودة من الناس يمثل نوعاً من الوصاية ويحرم عامة الناس من حقهم المشروع في إختيار من يحكمهم.

وسنعيدُ عليه ما قلناه لشيوخ آخرين من أنَّ مُصطلح “أهل الحل والعقد” ليس مُصطلحاً مُقدَّساً فهو لم يرد في القرآن, ولم يقل به الرسول الكريم, وهو من المصطلحات المتأخرة و لا يوجد إتفاق حول معناهُ ولا يُمكن ضبطهُ و تعريفهُ بدقة, وللقدامى في تحديد المراد به أقوالٌ و اتجاهات مختلفة فمنهم من يقول أنهم رؤساء الأجناد ( قادة الجيوش) وزعماء القبائل و رؤوس العشائر ممن لهم طاعة من يليهم من الناس، و منهم من يقول أنهم أهل العلم و الفتيا و الإجتهاد من حملة الشريعة الإسلامية و علومها.

إذاً مصطلح “أهل الحل والعقد” ليس بديهية شرعية, بل هو مصطلحٌ تاريخيٌ ظهر في صدر الإسلام. و هو لا يناسب أحوال العصر الذي نعيشهُ, ولا يواكبُ تطوَّر الفكر السياسي الذي أصابتهُ الإنسانيَّة – ومجتمعات المسلمين جزءٌ منها – التي أنتجت النظام الديموقراطي الذي يتضمَّن آليات لإختيار الحكَّام ولمحاسبتهم لا تتوفر في أى نظامٍ آخر.

هل قلتُ “النظام الديموقراطي” ؟ يبدو أنني وصلتُ لمربط الفرس, فحزب التحرير لا يؤمن بالديموقراطية و  يُحرِّمها، ويقول أنها “نظام كفر” يتناقض تناقضاً تاماً مع أحكام الإسلام، و يعتبر الدعوة إليها دعوة إلى أمرٍ باطل, وقد أصدر الحزب كتيباً بعنوان : “الديمقراطية نظام كفر، يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها”.

ختاماً نقول للأستاذ أبوخليل أنَّ الصورة الوردية الزاهية التي يرسمها للخلافة الإسلامية ليست كذلك في صحائف التاريخ, و من غير الرجوع للوراء كثيراً فدوننا خلافة العثمانيين التي كانت في واقع الأمر حكماً تركياً خالصاً تزيأ بعباءة الخلافة, وقد كانت إمبراطورية باطشة تسعى للسيطرة والنفوذ شأنها شأن جميع الإمبراطوريات, وقد خرجت عليها شعوب العالم العربي والإسلامي, وفي بلدنا هذا كانت “الثورة المهدية” التي نفاخر بها جميعاً تعبيراً عن رفض السودانيين لتلك الخلافة.

لا خوف مطلقاً على الدين الإسلامي, ولا على الدعوة الإسلامية, فالاسلام يعتبر من أكثر الأديان إنتشاراً في العالم , وأتباعه يتزايدون في كل يوم, ولكن الخوف, كل الخوف من “المتاجرة” بهذا الإسلام, وتشويه صورته بالتعصب والتطرف والإغتراب عن العصر, فالشعوب الإسلامية لا ينقصها سوى “الحرية” واتباع نظام للحكم يقوم على إحترام كرامة “الإنسان” و التداول الحقيقي للسلطة ويحترم القوانين, ولا تعرف البشرية جمعاء حتى يومنا هذا نظاماً أفضل من النظام “الديموقراطي” يرعى تلك القيم ويقوم على تطبيقها.