د.ناهد محمد الحسن ان الاثار النفسية التى تخلفها الابادة الجماعية ليست اقل بشاعة من القتل. ففى ظل انظمة شمولية قاهرة قد يضطر المواطن الى ابتلاع لسانه الى حين،

لكن فى ظل انظمة تعتمد الابادة الجماعية يجد الانسان البسيط نفسه فى مواجهة سلطة اقوى منه وهو عاجز عن ايجاد حلول تؤمنه .فعند وجود اى ضغط انسانى تتجاوب الذات الانسانية بردود فعل معينه للتخلص من القلق الذى تنتجه هذه الضغوط. ويتم ذلك عن طريق آلية حل المشكلات لدى الشخصية الناضجة او اعتماد آليات تقلل القلق ولكنهاغير ناضجة ومن ذلك الانكار، الهروب، او النكوص لردود فعل تناسب مراحل عمرية سابقة كالبكاء والصراخ وتحطيم الاشياء باعتبار ان هذه ردود فعل طفولية قد تساهم فى تخفيف القلق ولكنها لاتحل المشكلة بقدر ما انها آلية هروب مؤقتة يعود بعدها الشخص للواقع المرير. فاذا افترضنا وجود شخصية ناضجة وشجاعة فانها تحت وطأة هذا التعذيب للذات والتهديد المستمر مع انعدام الحلول الموضوعية _ كما فعل الحسانية مثلا بالابتعاد عن طريق الحملة _ او بعدم الاشتراك فى الحرب _ لهذا تضعف هذه الذات امام امتحانات وجودها وتهتز ثقتها فى ذاتها وفى مصيرهاويتسلط عليها القهر الذى يستعبدها ويجعلها تنتقص كل يوم من كرامتها . وهذا القهر الواقع على الانسان،هو طاقة سالبة يجب توظيفها بشكل ما للتخفيف من وطأتها المدمرة وذلك بتوجيهها نحو الذات حيث يكف الشخص عن التصارع مع فكرة انه شخص حر الارادة وكريم ويقبل بقيود عبوديته وبالتالى ينسحب الشخص وتضعف ثقته فى نفسه وتتشوه نظرته للحياة ويميل الى الاكتئاب والغيبوبة الذهنية بالاغراق فى المسكرات ويقدم هذا الشخص لابنائه نموذجا مختلا للكرامة والارادة والحرية ويبدأ فى تعليمهم الخضوع وتقبيل ايادى السادة كنوع من حسن الادب . وقد تقوم شخصية اخرى بتوظيف القهر الواقع عليها بتمريره الى الاخرين فيعتمد هذا الشخص العنف وسيلة فى الحياة وتختل قيم الرجولة وفى هذا المجتمع انتشرت ظاهرة الهمبتة كرد فعل عنيف قام بتوظيف القهر ضد الاخرين . ويعتمد هؤلاء العنف اسلوبا للتربية وهو اما انتج اشخاصا جانحين او اكثر عنفا او فاقدى الارادة والشخصية .والغريبة ان النفس البشرية تفاجؤك احيانا بردود فعل تساوى بالضبط ما ابتلعته من غبينة .ففى الوقت الذى تستكين فيه الحكومات بعد ما ارسته من قمع جعل سياسة المشى بقرب الحائط حكمة بقاء…. ينبت من ركام الذات الانسانية ووفقا للنيوتينية رد فعل مساو فى المقدار ومضاد فى الاتجاه ، يلد الضعف والخنوع الطويل رجالا لايعافون شيئا قدر التجوال فى الدروب التى لاتضيع احداً. هكذا يقول علم النفس والتاريخ ولازال زئير الثورة الفرنسية طاغيا على ليل السكوت الاقطاعى الطويل . وما فعل الاستبداد التركى الا ما ثوّر المهدية وشرعنها وعلمها وجيشها الصمود . قصدت  ان اقول ذلك حتى لا يغتر البعض بخضوع البعض ولايراهن البعض على قدرة البعض على الاحتمال غير المشروط واللا محدود. فلطالما كنت ارى الذات الانسانية بقدرة مطاطية ، بوسعك ان تمدها حتى لايسعها ان تتألم اكثر ، عندها تتفاجأ انت وصاحب الذات نفسها بقدرتها القاهرة فى نسف الجميع _ الحكومة التركية قصدت واسمعى يا جارة _ لكن لم يفشل الانسان بعدما نجح فى تحرير شخصه من القهر الخارجى ؟ بمعنى اخر لم فشلنا احزابا وحكومات وسودانيين ونخب فى خلق واقع افضل ، ان كان لازال بمقدورنا ان نناضل ونتحرر ؟!

حين اقرأ للشاعر الرقيق الصادق الرضى :

سوف نصلبهم عرايا بالمسامير

على بوابة التاريخ

ونعبئ الايام فى الصمت الهلامى الرهيب

فى هذا النص ، طاقة القهر = طاقة الفعل ، لذلك انتهينا خائرى القوى- الى الصمت الرهيب ! والذى يعتقد ان الصلب على بوابة التاريخ فعلا ذهنيا لشاعر سبق ووصفته بالرقة وبالتالى لا يمكن ان يكون مساويا لطاقة القهر ..اقول ..ان الصياغة الذهنية لصورة بهذا العنف اللغوى والشكلى تمتلك بعدا آخراً اكثر خطورة من التصفية الجسدية ، وهى التعرية الفاضحة امام التاريخ …وما تقدمه المانيا اليوم من تنازلات ، انما نتيجة محاكمتها تاريخيا بالهولوكوست (المحرقة النازية )، وما تكسبه اسرائيل نتيجة ابتزاز مشاعر البشرية لذات السبب لايمكن عده . فالمحاكمات التاريخية لها جدواها لتجريم الافعال حتى لاتتكرر . والانتهاء الى الصمت الرهيب هو ما يعنينى هنا كطبيبة نفسية ،اذ يندرج هذا النوع من الصمت تحت اسم الاكتئاب ، والذى ينطوى الصمت فيه على سوء تقدير للذات ، فالثورة لاتعنى استعادة عافية الذات بقدر ما تعنى انها ردة فعل عنيفة للذات التى اشبعت قهرا الى حد الامراض . وكباحثة فى الانثربولوجيا النفسية يعتبر هذا الصمت مفتاح لتحليل السمات العامة للشخصية السودانية ومدخل للتنبؤ بردود افعالها المستقبلية ومآلاتها..ووقفة ضرورية من اجل الشعور بضرورة ترميم الذات ، حتى نوقف مسلسل الاذعان للقهر _الفعل _ الافعل_ الذى تتسلمنا فيه سلطة قاهرة لاخرى فنذعن .                                                                                              نواصل….