ثالثا: المقاومة المسلحة: الجدوى والمآلات 1. وبنفس القدر، تجابه كلٌ من الحركات المسلَّحة ذات المشاكل التي تعاني منها القوى المدنيَّة من احتقاناتٍ داخليَّة واختلالاتٍ تنظيميَّة وتعقيداتٍ في التواصُل مع قواعدها المُباشرة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، أو مناصريها في بقية أنحاء السُّودان.

كما أنَّ هذه الحركات توافقت على العمل المشترك تحت راية “الجبهة الثوريَّة”، والتي لا تزال، في رأيي، تمثل تحالفاً هشاً، يقوم على التكتيك وليس الإستراتيجيَّة، متنافر المُكوِّنات، وبدون هيكلٍ تنظيمي وإداريٍ فعَّال، مع افتقارٍ ملموس للمُؤسَّسيَّة والخلاف حول القيادة الدوريَّة وفقاً لدُستُورها. وبغضِّ النظر عن إعلان الجبهة الثوريَّة التزامها بتكامُل النضال المسلَّح مع العمل السياسي والمدني، إلا أنه منذ أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي، ظلَّ هذا التكامُل مجرَّد شعار وهدف بعيد المنال. كما أنه يفتقر إلى المنهجيَّة الواقعيَّة، أو آليَّة للتنفيذ على أرض الواقع. فالجبهة لم تكشف النقاب عن أي إستراتيجيَّة واضحة في هذا الصدد. كذلك، فانَّ الجبهة ومُكوِّناتها مُطالَبَةٌ بأن تحدِّد أولاً الهدف من المقاومة المسلَّحة لنتيجة المتوقعة، وآفاق وسيناريوهات المفاوضات. فهل تهدف إلى تحطيم القوَّات المسلَّحة السودانيَّة، وفي سياق هذه العمليَّة، تقوم بالاستعاضة عنها بالجيش الذي يُناسب خصوصيَّات السُّودان الذي تسعى لبنائه؟! كانت هذه هي الأطروحة الأصليَّة للدكتور جون قرنق.

2. ولكن، مع تطوُّر الصِّراع المسلَّح ضد نظام “الإنقاذ” تبيَّن له أن هذا الأمر غير واقعي، ولا يمكن تحقيقه، مِمَّا جعله يتراجع عنه، مُفَضِّلاً التسوية السياسيَّة المُتفاوض عليها. وبالتالي، دعت اتفاقيَّة السلام الشامل إلى تشكيل الوحدات المشتركة المُدمَجَة، كآليَّة لدمج الجيش الشعبي والقوَّات المسلحة السودانيَّة، لتكون بمثابة نواة لجيش السُّودان القومي، في حالة اختيار الجنوبيين لوحدة السُّودان. وكان موقف الدكتور جون قرنق المبدئي، منذ عام 1972، يُشدِّد على أن أي حلٍ في إطار “السُّودان الجديد” المُوحَّد، يجب أولاً وقبل كل شيء، أن يعترف بالـ“أنيانيا”، والجيش الشعبي في وقتٍ لاحق، كجيشٍ مشروع لشعب جنوب السُّودان. هذا هو بالضبط ما جرى التأكيد عليه في اتفاقيَّة السلام الشامل. فقد كان المنطق الأساسي هو ضمان أن يكون لجنوب السُّودان “جيشٌ وطني” في حال أن اختار الجنوبيون الانفصال. هذا هو أيضاً بالضبط ما تبيَّن في نهاية المطاف. ولذلك، كانت الرؤية مقنعة وثاقبة، والهدف من الكفاح المسلَّح محدداً بدقة ووضوح.

3. ولكن، يظلُّ هذا النهج غير قابلٍ للتطبيق على الوضع في المنطقتين، إلاَّ إذا كان الهدف النهائي هو توحيد جنوب كُردُفان والنيل الأزرق ودارفور في دولة فدراليَّة جديدة، وهذا أمرٌ يصعُبُ تحقيقه على أرض الواقع، ولم تدعُ له أي من الحركات المسلَّحة.

4. وإلاَّ، فهل يهدف العمل المسلَّح، على شكل حرب عصابات، إلى ممارسة ضغوطٍ متواصلة، جنباً إلى جنب مع جهود المعارضة السلميَّة لبقيَّة القُوى السياسيَّة السودانيَّة، من أجل إسقاط النظام في الخرطوم، أو إرغامه على الاستجابة للتغيير؟! إذا كان هذا هو الحال، يظل من المهم التطرُّق لعددٍ من الأسئلة التي تبحث عن إجابات، ومخاطبة بعض التخوُّفات والهواجس، علي شاكلة: كيف يتحقق ذلك؟! فالتحدِّي الحقيقي الذي يواجه الحركات المسلَّحة (وبقية القوى السَّاعية للتغيير) في هذا المنعطف التاريخي الحاسم، لا تكمُنُ ببساطة في مسألة “إسقاط النظام”، بل في “صناعة البديل” المُقنع والمُلهم والقادر على حشد الشَّعب السُّوداني من حوله، وبالتالي تجنب سقوط الدولة السُّودانية نفسها (للتفاصيل، انظُر مقالي بعنوان: “نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة: إسقاط النظام أم صناعة البديل؟” – المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات، الدوحة، مايو 20102).

5. وعلى الرَّغم من محاولات التقارُب المختلفة بين الجبهة الثوريَّة والقوى الحزبيَّة، وصلت لحدِّ توقيع “ميثاق الفجر الجديد” و“إعلان باريس”، إلاَّ أن هذه الخطوات لم تُسفِر بعد عن تقديم الدَّعم السياسي اللازم للعمل المسلَّح، والذي سبق أن وفَّرته معظم القوى السياسيَّة، تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، للجيش الشعبي لتحرير السُّودان، والمقاومة المسلَّحة بشكلٍ عام، في التسعينات من القرن المنصرم. فقد كانت لدى الزعيم الراحل، جون قرنق، قناعة كاملة بأن أي من هدفي “السُّودان الجديد” المُوحَّد، أو “الانفصال” لن يتحقَّق أبداً بدون مشاهدة ومباركة كُلِّ القُوى السياسيَّة السودانيَّة، خاصة الحزبين التقليديين.

6. تجربة الحركة الشعبية والجيش الشعبي، خاصة بعد اتفاقيَّة السلام والمشاركة في الحُكم، وتخليها عن المثابرة على تحقيق هدفها المُعلن، “السودان الجديد”، دفعت بكثيرين للتوجُّس من مصداقيَّة الحركة الشعبية – شمال، وكذلك الحركات المسلَّحة الأخرى، هذه المرَّة. يتساءل هؤلاء: ما هي الحيثيَّات والشواهد على اختلاف قيادات الجبهة الثوريَّة عن من سبقهم من قادة الحركة الشعبيَّة، خاصَّة بعد الوصول للسُّلطة، في نمط التفكير والمنهج والسلوك؟! فأغلب هذه الحركات نهلت من نفس المدرسة، وتمضي سالكة ذات الطريق. إن التحدِّي الرئيس، الذي تواجهه الحركات المسلَّحة، هو مدى مقدِرَتِها على تحويل نفسها إلى حركة (حركات) سياسيَّة ديمقراطيَّة، حتى لا تقع في فخِّ الحركة الشعبية في الجنوب. وبنفس القدر، فإن قيادات الأحزاب السياسيَّة، وقد ظلَّت في الواجهة لعُقودٍ من الزمان، مطالبة بإقناع الرأي العام أن سياساتهم وتوجُّهاتهم قد تبدَّلت بعد استخلاص الدروس من تجاربها الفاشلة، وأنهم لن يعودوا إلى قديمهم!

رابعا: الانتفاضة: هل تُفضي إلى التغيير المنشود؟!

1. مِن منظورٍ آخر، يبدو وكأننا “نُعيدُ اختراع العَجَلَة” ونبذل جهوداً عظيمة ونُفسِحُ وقتاً مهولاً، كما يقولون، لنمضي في نفس الطريق، وبذات المَسْلَك، لنعيد إنتاج ما حدث في أكتوبر 1964 ومارس/أبريل 1985.

2. ابتداءً، هل سيناريو كهذا يبقي ممكناً وقابلاً للتحقيق؟! أي هل من المُمكِن إعادة إنتاج تجربتي أكتوبر وأبريل؟! وبكُلِّ وضوحٍ، أنا لا استبعد أن ينتفض الشَّعب بإرادته ويخرُج إلى الشارع بكُلِّ فئاته وطوائفه، ففي نهاية الأمر الشَّعب سيِّد قراره. ولكني أبني السيناريوهات، ليس على العمليَّة process، بل على النتيجة النهائيَّة للعمليَّة outcome، بمعنى هل ستُفضي الانتفاضة إلى تفكيك النظام، وهكذا نحو التغيير المنشود، أم ستقود إلى تفكُّك الدولة وتمزُّق البلاد؟! والذي وصفتُهُ في مقالٍ أخير “الكرة في ملعب الرئيس” بالسيناريو الأكثر ترجيحاً، وما زلتُ، بل أصبحتُ أشدُّ يقيناً، إذ أنَّ الشواهد عليه باتت تتري يومياً. فعلى سبيل المثال، ظلَّت الثورة الشعبيَّة المدنيَّة والمسلَّحة مستمرَّة في سوريا لأكثر من ثلاث سنوات، استشهد خلالها حوالي 200000 سوري، فهل سقط نظام الأسد، أم أن سوريا تسير على طريق التمزُّق؟! واندلعت الانتفاضة الشعبيَّة أيضاً في اليمن، واستمرَّت شهوراً، وبلغت أعداد الشُهداء والمُصابين والمُعاقين الآلاف، ولكنها أيضاً لم تُفلح في الإطاحة بالنظام، بل ارتضت كافة القوى السياسيَّة تسوية سياسيَّة، تنحَّى الرئيس بموجبها، وأخذ نائبه مكانه، مع مشاركة الحزب الحاكم في إدارة عمليَّة انتقال السُّلطة سلمياً.

3. لذلك، فانه يتوجَّب علينا أن نُلقي نظرة فاحصة علي الظروف الموضوعيَّة والشروط الذاتيَّة اللازمة للانتفاضة، والتي توفَّرت في أكتوبر 1964 وأبريل 1985، مقارنة بواقع المشهد السياسي الرَّاهن، وطبيعة وموازين القوي السياسيَّة والاجتماعيَّة. ففي وقتٍ كانت فيه المعارضة في أوج قوَّتها وقمَّة وحدتها، وعلى أعلى درجات التماسُك، علي المستويين التنظيمي والبرامجي، مع تفهُّمٍ ومساندةٍ إقليميَّة ودوليَّة مُقدَّرة في النصف الأخير من التسعينات، لم يغِب عن بالها الصعوبات والعراقيل التي قد تحول دون الانتفاضة.

4. في أواخر عام 1997، وفي معرض تحليله وتقييمه لاحتمالات وقوع انقلابٍ عسكري أو انتفاضة شعبيَّة، حدَّد الزعيم الراحل، جون قرنق، ثلاث عقبات رئيسة أمام الانتفاضة، تجعل احتمال حدوثها ضعيفاً، وهي: أولاً، مشكلة تتعلق بمن يُفترض توجيههم للانتفاضة، خاصَّة الحركة النقابيَّة التي عمل النظام على تحطيم استقلاليَّتها، والأحزاب التي تمَّ اختراقها أيضاً.. ثانياً، في 1964 و1985، أيَّدت جميع القوى السياسيَّة والنقابيَّة بمختلف الأطياف، يميناً ويساراً، الانتفاضة وشاركوا فيها، ولو كل بمقدار، بينما بعد 1989 أصبحت الجبهة الإسلاميَّة في الحُكم وهي تمتلك نسبة مقدَّرة من المناصرين والمُوالين، مِمَّا يُعرِّض المظاهرات الشعبيَّة للقمع المباشر من قِبَلِ قوَّات الأمن، بلباسٍ مدني، لإيذاء وسحق المتظاهرين.. أما الصعوبة الثالثة، فتتصِّل بموقف القوَّات المسلحة السودانيَّة، وبحدِّ قول الزعيم الراحل: «يمكن الاستمرار في التظاهُر لمدَّة أسبوع أو لشهرين أو ثلاثة أو لستة أشهر، ولكن لا بُدَّ من أن تسقط الحكومة».. ولكن، كيف تسقط؟! فسُقُوطها يُحدِّده الموقف الذي يتخذه الجيش. فهكذا، في عام 1964 أعلنت حكومة عبُّود وقف إراقة دماء السُّودانيين في شوارع العاصمة، وأصدرت الأوامر للجيش بالعودة إلى ثكناته. هذه هي الطريقة التي سقطت بها الحكومة. فلابُدَّ أن تكون هناك وسيلة لتغيير الحرس. وفي 1985، أذاع سوار الذهب بياناً في الإذاعة والتلفزيون أعلن فيه قرار الجيش بالانحياز لجانب الشَّعب، ومع أنها كانت كذبة، إلا أن حكومة نميري سقطت بهذه الطريقة. فإن لم تتخذ قيادة الجيش ذلك الموقف الواضح، لما سقطت الحكومة. ففي زائير كانت هناك انتفاضة أضخم ومظاهرات أكثر حشداً مِمَّا حدث في الخرطوم في أي وقتٍ من الأوقات، ومع ذلك لم تسقُط الحكومة، لأن الجيش ظلَّ داعماً للرئيس موبوتو حتي النهاية، وبالتالي لم تنجح الانتفاضة. أما في الوقتالراهن، فلدينافي السُّودان جيشان في داخلمادُرِجَ على تسميته بــ“الجيشالسُّوداني”، فهناكمُكوِّنُالجبهةالإسلاميَّةوعناصرالجيش“القديم”.فإنحدثتمواجهةصداميَّةبين المُكوِّنين،فستكونالغلبةلعناصرالجبهةالإسلاميَّة، إذ لديهم“ميزة تفضيليَّة”.. (الواثق كمير، جون قرنق ورؤيته للسُّودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانيَّة، دار رؤى، القاهرة، 2005).

5. فالسؤال الذي يطرح نفسه بشدَّة، هو: هل زالت هذه العقبات، أو حتى قُمنا بدراستها والمُفاكرة حولها، فاستخلصنا أن الظروف أضحت مواتية تماماً للانتفاضة والإطاحة بالنظام؟! هل لدينا، مثلاً، قوَّة بديلة للحركة النقابيَّة ودورها المِفصَلي في انتفاضتي أكتوبر وأبريل في قيادة تنفيذ الإضراب العام والعصيان المدني؟! أم هناك عوامل أخرى أكثر قوَّة وفعاليَّة تُرجِّح كفَّة الانتفاضة وتجُبُّ هذه الصعوبات الثلاث.! في رأيي، أن هذه العراقيل ما زالت قائمة، بل وأصبحت أكثر تعقيداً..

i. أولاً: منذ 1997وحتى الآن، تمكَّن نظام الإنقاذ من إحكامِ قبضته وفرض هيمنته علي الحركة النقابيَّة، والقضاء على استقلاليَّتها بالكامل، وإكمال تبعيَّتها التامَّة للسُّلطة التنفيذيَّة. فالجبهة الإسلاميَّة/المؤتمر الوطني كانت تُدرِك جيداً، من واقع تجربتي أكتوبر وأبريل، أن النقابات تشكِّل رأس الرُّمح والمُحرِّك الرئيس للانتفاضة، فكان لا بُدَّ من تحييدها أو تدجينها بالكامل لصالح النظام، وهي سياسة أتت أُكلِهَا في نهاية الأمر. أما اختراق سُلطة الإنقاذ للأحزاب السياسيَّة، فقد أدَّى إلى، ونجح في، تقسيمها إلى أجنحة متصارعة، بعضها يُشاركُ في الحكومة والبعض الأخر يعارضها.

ii. ثانياً: انعكس هذا التشرذُم على وضع المعارضة نفسها، إذ هي الآن تفتقر إلي التوافُق على إسقاط النظام، حيث يُفضِّل البعض تغيير النظام وإقامة النظام الجديد، وبالتالي غياب إجماع القوى السياسيَّة كشرطٍ أساس لنجاح الانتفاضة. وللمُفارقة، فالمعارضة أيضاً غير متفقة حتى على الحوار، كوسيلة لتفكيك النظام. فالأحزاب المتبقية ضمن قوى الإجماع الوطني ترفُض أي حوار لا يقود للتفكيك، وهناك أحزاب أخرى تشترط المشاركة بإجراءاتٍ مكتملة لتهيئة المناخ وآليَّة تنفيذ مخرجات الحوار، بينما انخرطت أحزابٌ أخرى في آلية (7+7)، وتوافقت على “خارطة طريق”، (مع الوضع في الاعتبار بأنَّ التحالُفات السياسيَّة في الوقت الرَّاهن على درجةٍ عالية من السيولة وعدم الثبات)، والسُؤال قائم: كيف نُسقِط النظام بينما هناك بعض القُوى الرئيسة التي لا تتفق ابتداءً على مفهوم إسقاط النظام؟! وهل تمتلك القُوى المتبقية تحت مظلة الإجماع الوطني القُدرة على إسقاط النظام لوحدها وبمفردها، حتى ولو نجحت مساعي وجهود توحيد هذه القوى؟!

iii. ثالثاً: يبدو أن جُلَّ النقاش يركِّز على عمليَّة توحيد المعارضة وتأهيلها لقيادة الانتفاضة لإسقاط النظام، بينما أغفل الجانب الآخر، وربَّما الأكثر أهميَّة، المتمثل في عمليَّة انتقال السُّلطة، ومن ثمَّ، نقلها لمن؟! فلنفترض أن الانتفاضة قد اندلعت ووصلت الذُروة، هل نتوقع أن ينحاز الجيش، الذي تشكِّك خطابات المعارضة نفسها في قوميَّته للشعب؟! وهلهذاهونفسالجيشالسُّودانيفي1964 و1985؟! ذلك،إضافةإلىأنه،ومنذحديث جون قرنق في 1997، أنشأت قوَّات موازية جديدة، بما فيها قوَّات الدَّعم السَّريع وقوَّات الدِّفاع الشعبي، وتحوَّل جهاز الأمن الوطني لقوَّة عسكريَّة ضاربة.. وفوق ذلك، المليشيات القبليَّة المنتشرة.. فكيف يتم انتقال السُّلطة في ظِلِّ هكذا أوضاع سائبة؟! وما هيالقُوىالتيستتكفَّلبعملَّيةالانتقالفيظِلِّتعدُّدالقوىالمسلَّحةوالمتصارعةعلى السلطة؟!

6. فوق كُلِّ ما طرحه جون قرنق من صعوباتٍ تواجه الانتفاضة، فلنُمعِن النظر في التحوُّل الجذري الذي أدخلته الإنقاذ في النظام التعليمي، مِمَّا أفضي إلي إضعاف الوعي والتفكير النقدي واستقلاليَّة الفرد. فالأجيال التي قادت ثورتي أكتوبر وأبريل كانت نتاجاً لتعليمٍ عالي الجودة، مسلحة بمهاراتٍ ومعارف واسعة، ومُلمَّة بأوضاع البلاد ومنفتحة على العالم الخارجي. أمَّا الآن، فالشباب في الفئات العمريَّة من 18 إلى 40 سنة، الذي كان عليه قيادة الانتفاضتين، والمحرِّك الرئيس لثورات الربيع العربي، هُم مَن توفر غالبيَّتهم قاعدة الإسلاميين والمُناصرين لنظام الإنقاذ. ومع ذلك، يشير البعض إلى احتمال اندلاع “انتفاضة الجوع” أو “ثورة الجياع” بحَسَب الأوضاع الاقتصاديَّة المتردية، وتدهور الأحوال المعيشيَّة وتفشِّي الفقر. ولكن، هل تُعَدُّ هذه ثورة للتغيير الذي ننشده؟! فالانتفاضة أو الثورة هي نتاجٌ لوعي الجماهير بتظلُّماتها ومطالبها وتطلُّعاتها لمستقبلٍ أفضل، وليست فقط استجابة للظروف الماديَّة القاسية وتدهور الأحوال المعيشيَّة. ففي أكتوبر 1964، كان الاقتصاد السُّوداني قوياً نسبياً، والوضع المعيشي أفضل حالاً، مع ازدهارٍ في أوضاع رأس المال العالمي، ونُمُوِّ طبقةٍ وُسطَى متعلِّمة ومتطلِّعة وطموحة، ولو أن الأوضاع كانت أسوأ في 1985، ولكنها لم تبلغ ما وصلت إليه الآن من بُؤسٍ شاملٍ وقاعٍ سحيق.. أم هل نُخطِّط لصناعة انتفاضة مختلفة الشكل والمضمون هذه المرَّة؟! وحُكماً على طبيعة القوى وأوزانها الجماهيريَّة، هل قُوى الإجماع الوطني، حتى ولو توحَّدت، مستعدَّة لمُنازلة القوى الأخرى في انتخابات ما بعد الفترة الانتقاليَّة، وإن جاءت مبرَّأة من كُلِّ عيب؟!

7. لا شكَّ أن الإطاحة بالنظام، عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة، تهدف في نهاية الأمر إلى الانتقال بالشعب السُّوداني إلي واقعٍ سياسيٍ تتغيَّر فيه موازين القوى، وعَقدٌ اجتماعيٌ جديد يُفضي بالبلاد إلي دولة ديمقراطيَّة تعدديَّة، قائمة على حقوق المواطنة المتساوية وحُكم القانون. ومع ذلك، أعتقد بشدَّة أنه أزَفَ الوقت للمراجعة النقديَّة الصارمة، والتأمُّل العميق في نتائج الثورتين في 1964 و1985 مقارنتها بالأهداف المُعلنة، وأن نتعلم من تجاربنا ونستخلص الدروس، بقصد تجنُّب الوقوع في نفس الأخطاء. فثمَّة سؤالٍ آخر يُطِلُّ برأسه ويستدعي التأمُّل والتفكير: ما هي الضمانات هذه المرَّة أن لا تترتب على الانتفاضة أوضاعٌ انتقاليَّة لا تُفضي للتغيير المطلوب، من تحوُّلٍ ديمقراطي وسلامٌ عادل، بل تجهض الانتفاضة وتعود بالبلاد إلى “الدورة الخبيثة”؟! فقد سبق الشعب السُّوداني الشعوب العربية الأخرى إلى “الربيع العربي” بتحقيقه لثورتين/انتفاضتين شعبيَّتين، أسقطتا نظامين عسكريَّين استبداديين.. الشَّاهد، أن الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان ألقت بظلالٍ كثيفة على أسباب ودوافع الانتفاضة الشعبيَّة، كما للحرب الدائرة حالياً في دارفور، كُردُفان والنيل الأزرق تأثير مشابه. ولكن، لم تبلغ الثورة، في التجربتين، هدفها الرئيس في تأسيس واستدامة نظام حُكمٍ ديمقراطي حقيقي، يلبِّي طموحات قوى التغيير، بل ارتدَّت على أعقابها، ليعود حُكمُ الفرد أو الحزب الواحد، ويتعثَّر بناء دولة المواطنة والديمقراطيَّة، المستوعبة لتعدُّد وتنوُّع مُكوِّنات السُّودان السياسيَّة والإثنيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، والفشل في معالجة كافة أشكال الإقصاء والتهميش لشعوبه.

8. إذن، الحاجة ماسَّة لإدراك الأسباب التي أدَّت لفشل كلتا الثورتين في تحقيق أهداف الشَّعب مُفجِّر الانتفاضتين، والحوار حولها بعُمقٍ، قبل الشُّروع في تجربةٍ أخرى تُدخِلُ البلاد في نفقٍ مظلم جديد، لا تَكسَبَ القُوى الثوريَّة منها إلا إقصاء على نحوٍ جديد. فموازين القُوى، بقدر تنظيمها وقُدرتها على حشد وتعبئة جماهيرها ساعة انفجار الانتفاضة، هي التي تحدِّد من تؤول له السُّلطة بعد فترة الانتقال. ففي كلتا الحالتين عادت الأحزاب السياسيَّة “التقليديَّة” للسلطة، بحُكم أنها أكثر تنظيماً، والأهم فهي المُخوَّلة للتنافُس الانتخابي، وهكذا الوصول للسُّلطة وحَصْد ثمار الانتفاضة، وتكييف النظام السياسي وفقاً لحساباتها الحزبيَّة، ومن ثمَّ، الإخفاق في معالجة مشاكل البلاد المتراكمة من منظورٍ وطني، خاصة الحرب الأهليَّة التي توسَّعت رُقعتها الآن. كذلك، قدَّم لنا “الربيع العربي” درساً مهماً، فبعد سقوط النظام الحاكم، تحقق القُوى السياسيَّة الأكثر تنظيماً الفوز في نهاية الأمر بحُصُولها على نصيب الأسد من قسمة السُّلطة، في مقابل خيبة ظن “القوى الثوريَّة”. إذن، هل أعدَّت الأحزاب المطالبة بإسقاط النظام العدَّة لما بعد الإسقاط، وحدَّدت موقفها في خريطة توازُن القوي التي ستتشكَّل وفقاً لنتائج الانتخابات؟! بمعنى آخر، هل تمتلك “القوى الثوريَّة” المبعثرة قوَّة انتخابيَّة voting power يُعتَدُّ بها؟! فقد اعتمدت هذه القُوى في 1964 و1985 على النقابات وشرائح ما أُطلق عليه “القُوى الحديثة”، ولكن خاب أملها، إذ أوضحت التجربة أن “النقابة” لا يمكن أن تكون حزباً، أو تلعب دور الحزب في الحياة السياسيَّة.