خامسا: كيف يتم انتقال السُّلطة سلمياً؟! 1. أنا لي رأيٌ قديم، بأن هدف المعارضة “إسقاط النظام” ظلَّ يشوبُهُ الغُموض، ويمضي دون تعريف دقيق لمعني الإسقاط المقصود، خاصَّة عندما تتحدَّث قيادات المعارضة عن “تفكيك” النظام عن طريق الحوار في مقابل إسقاطه بواسطة انتفاضة شعبيَّة، قد تحتاج للحماية المسلَّحة. ومع ذلك، يبدو أن إسقاط/تفكيك النظام في نظر المعارضة يعني وضعاً وترتيبات انتقاليَّة كاملة الدَّسم، تديرها القوى السياسيَّة المدنيَّة والعسكريَّة المناوئة، بالاحتكام لمبادئ وثيقتي “الفجر الجديد” و“البديل الديمقراطي”، تقود إلي تفكيك النظام السياسي برُمَّته وتنظيم انتخاباتٍ حرَّة ونزيهة، على شاكلة الأوضاع الانتقاليَّة التي تنتجها الانتفاضات والثورات الشعبيَّة بعزلِ الحزب الحاكم تماماً، وإقصائه من المسرح السياسي، كما في حالات الاتحاد الاشتراكي السُّوداني والحزب الوطني المصري والتجمُّع الديمقراطي الدستوري التونسي.. (لا يعني ذلك تطابُق الآراء بشأن الانتقال بين كل هذه القوى).

 

2. أفهمُ جيِّداً أن تفرض المعارضة وضعاً انتقالياً كامل الدَّسم، في حالة نجاحها في الإطاحة بالنظام، سواءً عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة أو العمل المسلح، أو الاثنين معاً، وحسمها لآليَّة الانتقال، ولكن يستعصي عليَّ الفهم في التمسُّك بنفس المطلب، حينما يتمَّ التوافُق على انتقالٍ سِلمِي للسُّلطة عن طريق الحوار والتسوية السياسيَّة الشاملة. ولذلك، يُبغِضُ المؤتمر الوطني مجرَّد الإشارة لـ“الانتقال”، طالما ما زال حاكماً ولم تُقصِهِ من السُّلطة انتفاضة شعبيَّة أو يطيح به انقلابٌ عسكري، كما يحسب انتقال السُّلطة، في 1955، 1964، 1985 و2005 حدث في ظرفٍ غير الظرف، وزمانٍ غير ما نعيشه الآن، إذ لا يستقيم في نظره أن يُسلِّم أي حزبٍ حاكمٍ السُّلطة لمعارضيه هكذا على طبقٍ من فضَّةٍ على مائدة حوار!

3. يتوجَّب علينا في هذه المجموعة، وعلى كل المهمومين والمهتمين بالشأن الوطني العام أن نتداول بشفافيَّة ونتناقش بعُمقٍ وتبصُّر فيما إذا كان الانتقال المُكتمِل الأركان خيارٌ على قدرٍ راجحٍ من الواقعيَّة السياسيَّة، على خلفيَّة ما يجابه قُوى التغيير من تحديَّات جِسَام وحاجة ملحَّة لقيام كتلة تاريخيَّة وتيَّار وطني عريض، يصنع بديلاً مقنعاً وجاذباً للجماهير. فأنا اعتقد بشدَّة أن أمر “الحوار الوطني” المطروح لا يستقيم، ولن تقود نتائجه إلى توافُقٍ وطنيٍ حول كيف ننتقل بالبلاد إلى مستقبلٍ أفضل، وإن شارك فيه الجميع، إلاَّ إذا اتفقت كافة القوى السياسيَّة، بما في ذلك المؤتمر الوطني، وقوى المجتمع الحيَّة على مدى scope التغيير المطلوب في البِنيَة (البِنيَات) السياسيَّة والمُؤسسيَّة للدولة السودانيَّة بعد أكثر من رُبع قرنٍ من الزمان من هيمنة الحزب الواحد علي مفاصل ومؤسَّسات الدولة.

4. وبنفس القدر، من جهة النزاع المُسلَّح، نجد أن معضلة التباعُد في المواقف بشأن “مدى” مواضيع وأجندة التفاوُض بين الحكومة والحركة الشعبيَّة/شمال، هي التي ظلَّت دوماً تهدِّد المُفاوضات بالانهيار. فالجدل يدورُ حول: هل تقتصر المحادثات فقط على قضايا “المنطقتين”، كما تنظر الحكومة للأمر، أم مخاطبة النزاع من منظورٍ شامل، بما في ذلك مناقشة المسائل القوميَّة الدستوريَّة، كما ترى الحركة؟! وكما في حالة الحوار السياسي العام، فلن يُكتَبَ النجاح لجولات التفاوُض المرتقبة في الوصول لاتفاقٍ بدون توافُق الطرفين على طبيعة ومدى المُخرجات المتوقعة من المفاوضات. فلكُلِّ طرفٍ تصوُّره وتوقُّعاته لنتائج التفاوُض وطبيعة ومدى التغيير الذي سيُفضي إليه، كما أنه من الضرورة أن يتفق الطرفان علىالمحطَّةالتيستقودإليهارحلة التفاوُض في نهايةالمطاف، فيُقبِلَ كلٌ منهُماعلىالحوار بعقلٍ مفتوح، وبثقة فيما قد يُسفِرَ عنه من نتائج. هذا ما يجب على المؤتمر الوطني إدراكه.

سادسا: الدولة العلمانيَّة في مقابل الدولة الدينيَّة.. أم دولة المواطنة؟!

1. تعرَّضَت مداخلات المجموعة إلى موضوعٍ في غاية الأهميَّة، هو علاقة الدِّين والدَّولة، كقضيَّة دستوريَّة محوريَّة، يُشكِّل التوافُق السياسي والمُجتمعي حولها إحدى ركائز بناء دولة المُواطنة السُّودانيَّة. إذ لا شكَّ أن السُّودان، بالرغم من ذهاب الجنوب بأغلبيَّته غير المُسلمة، سيظلَّ متنوِّعاً دينياً، مِمَّا يستدعي إعادة صياغة العلاقة بين الدِّين والدَّولة، ومراجعتها معاً، للاستفادة من تجارب الآخرين في التوفيق بين مصادر التشريع ومستحقَّات دولة المُواطنة. ومع ذلك، فقد دار معظم نقاش المجموعة حول هذه القضيَّة من منظور الدولة الدينيَّة، التي يرفُضها الجميع، في مقابل الدولة العِلمانيَّة. وأحسبُ أنَّ الحوار في ضوء هذه الثنائيَّة لن يكون مُجدياً أو مُنتجاً، خاصَّة وأن مثل هذه المفاهيم والتداوُل حولها غير مألوف أو مهضوم لسواد السُّودانيين، بينما الواجب يُملي علينا استخدام لغة يفهمُها المواطن العادي. أودُّ هُنا أن أُشرِكَكُم معي فيما توصَّلنا إليه حول علاقة الدِّين والدَّولة في مداولات “لجنة رؤية وبرنامج الحركة الشعبية شمال”، التي تشرَّفتُ برئاستها في مايو 2011، والتي لم تَرَ مُخرَجَاتِهَا النُور بسبب اندلاع الحرب في جنوب كُردُفان في 5 يونيو 2011.

2. لقد ظلَّ مفهوم الدولة الدينيَّة عَظْمَة نزاعٍ في السياسة السودانيَّة منذ ستينات القرن الماضي. ورغم صعوبة تطبيقه في بلدٍ متعدِّد الأديان مثل السُّودان، ورغم إلغائه فعلياً في دستور 1998، ما زال الذين يُعاودَهُم الحنين لتلك الرُؤية يتصرَّفون من منطلق أن الدولة السُّودانيَّة الراهنة هي دولة دينيَّة. المُغالطة بشأن فكرة أثبتت التجارب عدم جدواها في مجتمعاتٍ متعدِّدة الأديان لا تفيد أصحابها، ولن تفيد السُّودان في شيء. فإن سيطرة الدولة أو هيمنة أجهزتها الرسميَّة على الدِّين، اعتقاد أو ممارسة وطقوس أو مُؤسَّسات، حسب تجارب السُّودان، لم تُفِدْ الدين في شيء، بل أصبحت وسيلة لتسويغ القهر والاضطهاد السياسي باسم الدين. على أن عدم الاعتراف بالدولة الدينيَّة لا يُنكِر حق أي مجموعة دينيَّة في أن تُعبِّر عن أفكارها سياسياً، وأن تُنشِئ أحزاباً لذلك، تعكس عًبْرَها أفكارها، طالما احترمت هذه الأفكار التعدُّد السياسي، وطالما لم تلجأ إلى مصادرة الحقوق الأساسيَّة للآخرين، وطالما نأت بنفسها عن احتكار الدين من أجل إضفاء طابع مقدَّس على المُمارَسَات السياسيَّة، وكثير منها لا تبيحها الأديان.

3. إنَّ المعالجة السليمة لقضيَّة العلاقة بين الدين والدَّولة والسياسة تشترط التسامُح والاحترام في المُعتقد الديني كمقدِّمة للمُساواة في المواطنة، حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار، وعلاقة الأغلبيَّة والأقليَّة. وتشترط أيضاً، إقرار حقيقة أن الدين يُشكِّل مكوِّناً من مُكوِّنات فكر ووجدان شعب السُّودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدِّين في حياة الفرد وفي تماسُك لُحمة المجتمع وقِيَمِهِ الروحيَّة والأخلاقيَّة وثقافته وحضارته. وتحديداً، يلتزم الجميع بالمبادئ التالية:(أنظر الشفيع خضر، الدين والسياسة، الراكوبة، 28 فبراير 2013)

– المُساواة في المُواطنة وحريَّة العقيدة والضمير بصرف النَّظر عن المُعتقد الديني.

– المُساواة في الأديان، على أن تعترف الدَّولة السُّودانيَّة وتحترم تعدُّد الأديان وكريم المُعتقدات، وتُلزِم نفسها بالعمل على تحقيق التعايُش والتعامُل السِّلمي والمُساواة والتسامُح بين الأديان والمُعتقدات، وتسمح بحريَّة الدعوة السِلميَّة للأديان، وتمنع وتجرِّم استغلال الدينٍ في السِّياسة، أو الإكراه أو أي فعل أو إجراء يُحرِّض على إثارة النعرات الدينيَّة أو الكراهيَّة العنصريَّة في أي مكان أو منبر أو موقع في السُّودان.

– الشعب مصدر السُّلطات والحُكم يَستَمِدَّ شرعيَّته من الدُستور.

– سيادة حُكم القانون واستقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون، صرف النظر عن المُعتقد أو العُنصُر أو الجنس.

– ضمان الحقوق والحريات الأساسيَّة السياسيَّة والمدنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة.

– كفالة حريَّة البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.

4. وبالرغم من أن موضوع الدِّين والسياسة، أو الدِّين والدولة، احتلَّ حيِّزاً كبيراً في الجدل السياسي منذ الستينيات، إلَّا أنه، في جانبٍ منه، كان امتداداً لجدلٍ أوسع على نطاق الأمَّة الإسلاميَّة كلها، حول الحفاظ على الهُويَّة في سياق عالم تعدُّدي. ومع ذلك، حدث اختراقٌ هام في هذا الشأن، تَمَثَّل في قرار التجمُّع الوطني الديمقراطي حول “الدِّين والدَّولة”، الذي تبنَّاه مؤتمر أسمرا للقرارات المصيريَّة في عام 1995، تمَّ تثبيت القرار الخاص بالعلاقة بين الدِّين والدَّولة، في “إعلان” أسمرا على مبدأ عدم استغلال الدِّين في السياسة، وذلك بإقرار العديد من التدابير الدستوريَّة التي تكفُل المُساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة، بما في ذلك الاحتكام للقضاء، وتطابُق كل القوانين مع المبادئ والمعايير المعنيَّة بحقوق الإنسان والمُضمَّنة في المواثيق والعهود الدوليَّة والإقليميَّة لحقوق الإنسان، وتقضي ببُطلان أي قانون يصدُر مخالفاً لذلك وتعتبره غير دستوري.

5. كماأنهمنالمهمالاستهداءبتجاربالآخرينمنالدُّولالإسلاميَّة(مصر،تركيا،ماليزيا،إندونيسيا،سنغافورا) في الاتفاق على صيغة تكفُل المُساواة في حقوق المُواطنة، وفي الوقوف أمام القضاء المدني، بغضِّ النظر عن المُعتقد الديني للفرد. لقد نجحت، على سبيل المثال، الجارة مصر في تحقيق التوازُن بين حقوق المواطنة، وتطلُّعات الأغلبيَّة المسلمة في البلاد. فالتعديلاتالدستوريَّةالتيأجازهامجلسالشعبالمصريفيمارس 2007 أبقتعلىالمادة (2) المثيرة للجدل في الدستور المصري، والتي تجعل من “مبادئ التشريع الإسلاميَّة المصدرالأساسيللتشريع”. وبرغمماأثارتههذهالمادَّةمنشُكوكٍوتخوُّفٍوسطالأقباط المصريين، إلا أنها وجدت قبولاً لدى قطاعاتٍ واسعة من القُوى السياسيَّة المصريَّة، كما لم تعترضعليهاالكنيسةالأرثوذكسيَّةالمصريَّة، طالماظلَّ كل المصريين، سواءًكانوامسلمينأم أقباطاً،يخضعونلنفسالقوانينالمدنيَّةالمُوحَّدةللبلاد،فيماعدا تلك المتعلقة بالأحوال الشخصيَّة.وفيلبنان،حيث تقوم السياسةعلى المُحاصَصَة الدينيَّة-الطائفيَّة،يحتكم كل المواطنين اللبنانيين إلى القانون المدني، فيما عدا قضايا الأحوال الشخصيَّة. وها هو حزبٌ إسلاميٌ عتيق، حزب العدالة والتنمية التُركي، يكتسح الانتخابات التركيَّة الأخيرة، وفق دستورٍ يفصِلبينالدِّينوالدولة، وجيشٌمُكلفٌدستورياً بإنفاذالعِلمانيَّة، بدونأنيتشكَّكأحدٌ في، أو ينتقص من إسلاميَّته!

سابعا: الحوار الوطني.. هل من مخرج آمن آخر؟!

1. يبدو أن المجموعات المنادية بإسقاط النظام كمَخرَجٍ وحيد من الأزمة التي تهدِّد وجود الوطن، قد أغفلت الحوار كوسيلة للتغيير، وما يدور حوله من جدلٍ، وأسقطته تماماً من حساباتها، إلَّا من بعض الإشارات عن “إعلان باريس” المُوقَّع بين حزب الأمَّة القومي والجبهة الثوريَّة. ومن ناحية أخرى، فالمعارضة الحقيقيَّة، في نظر هذه المجموعات، هي التي ترفع شعار “لا حوار مع النظام بل الإطاحة به”، ما عدا في حالة قبول النظام بالتخلِّي عن السُّلطة طوعياً. فالمجموعة تُعُد الاتحادي الديمقراطي جزءً من السُّلطة، وحزبُ الأمَّة القومي متردِّد ومواقفه دوماً رماديَّة اللون ومتذبذبة، أما الشعبي والإصلاح اللآن فيتحمَّلا وِزرَ المشاركة في نظام الظُلم والاستبداد والفساد لفترة طويلة. فرئيسا الحزبان من قباطنة الإنقاذ ومركبها الغارق، وليس لديهما ما يُؤهِّلهُما ليكونا في معارضة تسعى لإسقاط النظام، بل هُما مُجرمان ينبغي خضوعهما للمحاسبة والمُساءلة. وأذكُرُ هُنا رداً طريفاً وبسيطاً، ولكنه ينطوي على معانٍ كبيرة، وإدراكٌ عميق، واحترامٌ لأدب الخُصومة والمصالحة السياسيَّة للزعيم الراحل د. جون قرنق على سؤال صحفي مصري في أعقاب توقيع الحركة الشعبيَّة والمؤتمر الشعبي لمذكرة تفاهُم في فبراير 2001، فقد سأله حمدي رزق، المُحرِّر بمجلة ‘المُصوَّر’، وأنا شاهدٌ علىذلك:«كيفتمُدَّ يدك للشيخ التُرابي وتوقع معهاتفاق تفاهُمٍ مشترك، وهوعرَّابُ النظام ومُؤسِّسه، والذيبرَّرالحرب في الجنوب بأنها جهادٌ ضدغيرالمسلمين؟!».. فقال له الزعيمالراحل: «نحننتفاوضمعالنظامفيالخرطوملوقفالحربوتحقيقالسلامفي السُّودان،فهليعنيسؤالكأنأتفاوضفقطمع“القساوسة”وأتجنَّبالحديثمع“البابا”؟»..ففيسعيهنحوالسَّلام ووحدة السُّودان، قطع الزعيم الرَّاحل مسافة طويلة وشاقة، من موصوم بـ“الوثنيَّة” و“الكُفر” و“الإلحاد”، تاركاً خلف ظهره كُلَّ المرارات وضغائن الاقتتال وأهوال الحرب، للتصالُح مع “البابا”، ومصافحة غريمه الأوَّل من أجل السلام ووحدة البلاد.

2. إن عدم الوضوح في تحديد هدف “إسقاط النظام”، في ظِلِّ تصاعُد العمل المسلَّح في غرب وجنوب شرق البلاد وعدم حَسْم المِلفَّات العالقة بين الشمال والجنوب، مع غياب التوافُق بين، والرُّؤية المشتركة للقُوى السياسيَّة المعارضة، يحمل مُؤشِّرات تُنذِرُ بتفتُّت السُّودان. وبعبارة أخرى، فإن ضعف مُؤسَّسات الدولة السُّودانيَّة، والتكوين السياسي المُعقَّد للبلاد، وغياب الثِقَل المُوازن المُوحَّد لهيمنة المؤتمر الوطني على المركز، والافتقار إلى وحدة القضيَّة والهدف والأساليب بين القوى السياسيَّة، وما نشهدُهُ من استقطابٍ سياسيٍ بين مختلف المتصارعين على السُّلطة، يجعل الخط الفاصل بين سقوط النظام وتفكُّك الدولة رفيعاً جداً. وهكذا، في ظِلِّ هذه الظروف، يمكن لسُقوط النظام، وما قد ينجُم عنه من فراغٍ في السُّلطة، أن يقود حتماً إلى صراع دامٍ على السُّلطة، من قِبَلِ التنظيمات المسلَّحة المُتعدِّدة من أجل السيطرة على الخُرطوم، وأجزاء أخرى من البلاد، واحتمال مواجهة أي احتجاجاتٍ شعبيَّة بقمعٍ مُفرِط يقابله عنفٌ مُضاد، وهو ما سيكون من المستحيل كبحه أو التحكُّم فيه. وفى ظِلِّ تضَعْضُع السُّلطة المركزيَّة في الخُرطوم، فإن الدُّوَل المجاورة، والتي تعاني من مشاكل سياسيَّة ونزيفٌ داخلي، قد لا تتوانى من التدخُّل واحتلال المناطق المُتنازع عليها في الحُدود المشتركة والواقعة في متناول أيديهم، أو التحالُف مع أحد أو بعض الفصائل الداخليَّة المتصارعة على السُّلطة لخدمة الأهداف الخاصَّة لهذه الدول. أما إيران، وبعض الحكومات الإسلاميَّة الأخرى المتعاطفة في المنطقة، ستتقدَّم الصفوف لمُؤازرة ودعم النظام لتفادي سقوطه.

3. كما أوضحتُ في الورقة الموسومة بـ“الكرة في ملعب الرئيس: تفكُّك الدَّولة السودانيَّة السيناريو الأكثر ترجيحاً”، يناير 2013، يبدو أن هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً، لا سيَّما في ضوء التطوُّرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والديموغرافيَّة التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين. فقد أسفرت هذه التطوُّرات عن نزوحٍ غير مسبوق للعاصمة القوميَّة، أفرز مجتَمَعَيْن متباينين، “مجتمع الأغنياء”، الذين يملكون كل شيء، و“مجتمع الفقراء”، الذين لا يملكون شيئاً، مع تآكُلٍمستمرفيالطبقةالوُسطى،مِمَّاسيُشعل الغضب الشعبي، المُلتهب أصلاً، ويُنذِرُ بانقسامٍ حاد قد يُفضى إلى قتالٍ أهلي وفوضى عارمة. وهكذا، فإن التهميش والمظالم المتجسِّدة في العلاقةبينالمركز والمناطق “المُهمَّشة” يجب أن لا تُلهينا عن الغُبن الاقتصادي والاجتماعي للفقراء والمُستضعفين في المركز نفسه، مِمَّا يهدِّد بنسف السلام الاجتماعي. أنا طبعاً لا أقلِّل منشأنالأحزابالسياسيَّةودورهاكدعامة أساسيَّة لبناء وتطويرالنظام الديمقراطي، أوأبخس حقها الدستوري في التداوُل السلمي للسُّلطة بحسب رغبة الشعب في انتخاباتٍ حرَّة نزيهة.

4. هذا هو السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن يُنقِذ البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، ويحُولُ دون انهيار الدولة، ويحافظ على وحدة أراضي السُّودان. ويُفترضُ أن يتم التحوُّل الديمقراطي سلمياً بتوافُق كل القوى السياسيَّة، بالطبع بما في ذلك المؤتمر الوطني، وقوى التغيير الآخرين، خاصة الشباب (نساء ورجال)، دون إقصاءٍ أو استثناء، على مشروع للتغيير يُفضي إلى الانتقال من هيمنة الحزب الواحد إلى التعدديَّة السياسيَّة نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة التي تحترم التنوُّع. ويُشكِّل هذا التحوُّل هدفاً رئيساً لاتفاقيَّة السلام، والذي فشل الشريكان في الحُكم، خاصة المؤتمر الوطني، وبقية القوى السياسيَّة، في تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

خاتمـــة:

1. منذ نهاية الفترة الانتقاليَّة وانفصال الجنوب، تشهد البلاد مآزق مستمرَّة ومتتابعة على نطاقٍ غير مسبوق، ومناخا سياسيامحتقنا ومتوترا، وتعيش في مرحلة “توازُنٍ الضَّعف”، حكومة ومعارضة. فالآن هناك استقطاب “رأسي” حادٌ وملحوظ بين الحكومة من جهة، والمعارضة السلميَّة والمسلَّحة على حدٍ سواء، وبعض منظمات المجتمع المدني والتكتلات الشبابيَّة، من جهة أخرى. أيضاً، هناك الانشقاقات والانقسامات “الأفقيَّة” داخل الأحزاب السياسيَّة، بما فيها الحزب الحاكم والحركة الإسلاميَّة، والتي – ويا للمفارقة – أتت بالحزب إلى سُدَّة الحُكم، والحركات المسلَّحة، وتواتر معلومات عن تذمُّرٍ وتمَلمُلٍ داخل القوَّات المسلحة، مع تنامي الولاء القبلي والعرقي، وظهور الجهاديين والجماعات الإسلاميَّة المتطرِّفة وتصاعُد نشاطاتهم العنيفة والمُرعبة. ويتجلَّى هذا الاستقطاب السياسي الحاد في النزاع المسلح وتدهوُر الوضع الأمني في دارفور بوتيرة متسارعة، والحرب الدائرة في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق، وتردِّي الأوضاع الاقتصاديَّة وتفشي الفساد، والعلاقة المتوترة مع الجنوب، وشبح الحرب يلوح في الأفق بين السُّودانَيْن، وفوق ذلك كله، كيفيَّة التعامُل مع المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة.

2. في ظِلِّ هذه الأوضاع المضطربة، بحثُنا ينبغي أن يكون في الأساس عن وسيلة تقود، ليس لوحدة المعارضة بغرض إسقاط النظام، بل أن نسعى لابتداع طريقٍ جديدة للتغيير والانتقال السِّلمي للسُّلطة لضمان وحدة السُّودان نفسه. علي الجهود أن تتركَّز على التوصُّل إلى توافُقٍ وطني ومجتمعي يجنِّب البلاد ويقيها شرور التمزُّق والتفتُّت. فبدون وجود دولة أصلاً، يفقد الجدال حول وحدة المعارضة، لتتولى مهمَّة الإطاحة بالنظام، جدواه. فسيناريو تفتُّت الدولة وتمزُّق البلاد ليس مجرَّد فزَّاعة يستخدمها المؤتمر الوطني لإثناء الجماهير عن الخروج في الشارع والمطالبة برحيل النظام، وإن لجأ الحزب الحاكم لاستدعائه بغرض التخويف والتخذيل من الانتفاض ضده.

3. في سياق توازُن الضعف الذي يسود المشهد السياسي، حكومةً ومعارضة، فإن إصرار المؤتمر الوطني على احتكار سُلطة الدولة، وعلى الاستبعاد الكامل والإقصاء للقُوى السياسيَّة الأخرى، من جهة، وتمترُس المعارضة المدنيَّة والمسلَّحة، إزاء هذا العناد في موقفها الذي يهدف إلى الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، لعبة صفريَّة يمكن أن تصل إلى نقطة اللاعودة، ولا يوجد فيها طرفٌ منتصر، بل خاسرٌ وحيد هو الوطن.

4. فنحن نفتقر إلى ثلاث ركائز رئيسة، من بين العوامل الحاسمة والمطلوبة لتحجيم ولَجْمِ النزاعات المسلَّحة المتفاقمة، والتي لا يستقيم تماسُك أي دولة بدونها، وهي: أولاً، رؤية مستقبليَّة واضحة للمستقبل.. ثانياً: قيادة متوافقٌ عليها من كافة القُوى السياسيَّة.. وثالثاً، ربَّما الأهم، وجود مؤسَّسة (مؤسَّسات) قوميَّة محايدة تُحصِّن الدولة من الانهيار. لقد أكَّدت تجارب دول “الربيع العربي” أن توفر هذه المقوِّمات، أو على الأقل واحد أو اثنان منهم، هو ماوقففيطريقانزلاقهذهالبلدانفيأتونالفوضى، مصروتونسعلىوجهالخصوص.

5. تمثل التسوية السياسيَّة الشاملة، عن طريق حوارٍ وطنيٍ حقيقيٍ يتَّسم بالشمول الجديَّة، وليس علي شاكلة حوار “الوثبة”، تتفق على مواضيعه وآليَّاته ومُخرَجَاته كافَّة القُوى السياسيَّة والمجتمعيَّة، السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن ينقذ البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، ويحول دون انهيار الدولة، ويحافظ على وحدة أراضي السُّودان. ويُفترضُأنيتمالتحوُّل الديمقراطيسلمياًبتوافُقِكلالقُوىالسياسيَّة،بالطبعبمافيذلكالمؤتمرالوطني،وقوى التغييرالآخرينخاصةالشباب (نساء ورجال)، دون إقصاءٍ أو استثناء، على مشروع للتغيير يُفضي إلى الانتقال من هيمنة الحزب الواحد إلى التعدُّديَّة السياسيَّة، نحو بناء دولة المواطنة السودانيَّة التي تحترم التنوُّع.

6. ومن البديهي، أن الحوار الذي يُفضي إلى التحوُّل الديمقراطي الحقيقي والسلام المُستدام، ليس بهدفٍ سهل التحقيق، يمضي دون تكلفة أو صراع، طالما ظلَّ الحزب الحاكم يرغب في تجييره لصالح استمرار هيمنته علي الدولة، في ظِلِّ ما يواجهه الحزب من تحديات داخليَّة وخارجيَّة. وهذا ما عبَّرت عنه رشا عوض بكلماتٍ واضحة: «فالخطأ الفادح الذي يقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن “الحلول التفاوضيَّة السلميَّة” والتسويات عبر آليَّة “الحوار الوطني” لا تحتاج إلى معارك نضاليَّة نوعيَّة ومُكلِّفة، ولذلك فإن الفيصل في نجاح “إعلان باريس” – مثلاً – في تحقيق اختراق على الأرض، هو العمل من أجل توسيع قاعدته داخلياً، وتسويقه إقليمياً ودولياً كرؤية حاكمة لحراك المعارضة السودانيَّة المدنيَّة والمُسلَّحة، ولكي ينجح هذا التسويق فلا بُدَّ من فعلٍ معارضٍ على الأرض (مظاهرات ومواكب سلميَّة واعتصامات وحراك جماهيري لافت على الأرض مهما ارتفعت كلفة ذلك) لإجبار النظام على أخذ “إعلان باريس” مأخذ الجَدِّ، ولإقناع المحيط الإقليمي والدولي بأن لا مجال لحلٍ لا ينقل البلاد إلى مربَّع جديد متحرِّر من هيمنة المؤتمر الوطني».. (رشا عوض، نفس المصدر).فهكذا، لعل اعلان باريس وما لحقته من تشاورات بين آلية 7+7 والجبهة الثورية بواسطة الآلية الأفريقية العليا تشكل جميعها خطواتومحطات في طريق طويل وشاق نحو حوار شامل جاد ومجد، ولا يستثني احدا.وقد صادفت هذه الخطوات تأييدا إقليميا ومباركة دولية، كما خلقت رأيا عاما يدفع بالحوار إلىالأمام حتي ينعقد الحوار ويصل إلى نهاياته المنطقية.

7. لذلك، أولاً، هناك ضرورة مُلِحَّة لتوحيد مواقف كل قوى التغيير ومباشرة الضغط والمثابرة، باستخدام وابتداع كافة الوسائل السلميَّة لإجبار المؤتمر الوطني للجلوس حول مائدة حوارٍ منتج، والإيفاء بمستحقَّات الحوار وشروط تهيئة المناخ، خاصَّة والمُجتمعان الإقليمي والدولي لا يميلان لدعم فكرة إسقاط النظام، لإدراكهم بعواقبها الوخيمة، بل يؤيِّدان الحوار الوطني وينشغلان هذا الأيام بنشاط مكثف وحراك واسع النطاق، داخلياً وإقليمياً ودولياً، لجمع كل القوى السياسيَّة حول طاولة حوار جاد ومُجِد.. ثانياً، ينبغي على قُوى التغيير العمل على صياغة رؤية تفصيليَّة لتصوُّر هذه القوى لمفهوم “إعادة هيكلة الدولة”، خاصَّة وكل مؤسَّساتها من جيشٍ وشرطة وأمنٍ وقوَّات نظاميَّة أخرى، والخدمة المدنيَّة والمُؤسَّسات العدليَّة. فهذا الموضوع الهام، الذي لا يستقيم التغيير المنشود دونه، لم يجد بعد نصيبه من النقاش والمداولة.. وثالثاً، ابتدار حوارٍ عميق وصريح في سياق هذا الحراك، حول سُبُل قيام “كتلة تاريخية” وبناء تيَّار وطني عريض، والاتفاق على الآليَّات الضرورية واللازمة لهذا الغرض.

8. ومع ذلك، فإن الانتقال السِّلمي لن يتحقق إلَّا إذا اعترف الحزب الحاكم بعُمق الأزمة، وأنه من المستحيل بمكان، في ظِلِّ هذا الاستقطاب والمناخ السياسي المُحتقن، أن يواجه ويعالج التحديات الجسام لـ“سودان ما بعد الانفصال” بمُفرده ولِوَحدِهِ، أو حتى مع حُلفائه المحليين والاقليميين والدوليين.كما أن أى حوار يتوقع أن تقود نتائجه البلاد إلى بر الأمان لن يكتب له النجاح إلَّا إذا أبدى المُؤتمر الوطنى إستعداده للتغير الحقيقى، وتخلى عن دعوات الإصلاح والتغييرات الشكلية التى لا تمس بنية السلطة وتركيبة الحُكم.إنَّ المُؤتمر الوطني مطالبٌ بأن يُقِرَّ بكينونة القُوى السياسيَّة والمدنيَّة السُّودانيَّة، وصعود قُوى جديدة في مناطق النزاع المسلَّح (دارفور، جنوب كُردُفان والنيل الأزرق) وقواعدها الاجتماعيَّة، وبدورها، وضرورة مشاركتها في إيجاد الحلول لمشكلاتنا القوميَّة.

الواثق كمير

تورونتو – سبتمبر 2014