د. الواثق كمير مقدمة في وقت تتسارع فيه الخطي المحلية، والإقليمية، والدولية، لمعالجة التركة المثقلة لبلادنا، غدا الحوار بين المكونات السودانية أمرا لافتا للنظر، وجالبا للاهتمام.

وكما ظللت أشدد، في كل كتاباتي السابقة، فإن الحوار، بكل مدلولاته المعرفية، والمجتمعية، هو سبلينا الوحيد لتجنب تمزق البلاد، وأقصر الطرق نحو السلام، والاستقرار، وبناء دولة المواطنة السودانية. وقد وفرت وسائط الميديا الحديثة، لقطاعات واسعة من السودانيين، خاصة المتواجدين في الخارج، منابر للتداول الخلاق حول الشأن الوطني. وقد كنت خلال الشهرين الماضيين مشاركا ضمن مجموعة واتساب نشطة من الشباب السودانيين المهتمين، والمهمومين، بقضايا الوطن، إذ لمستُ فيهم حماساً شديداً، وإحساسا عاليا بهموم الوطن، والمواطن السُّوداني. ولهذا كان ذلك الحوار الذي ابتدرته تلك المجموعة عبر الأثير محرضا لي للدلو بهذه المساهمة، بعد طول انقطاع، والتي ما اتمني الا أن تحرك الحادبين من نشطاء شعبنا، وتستثير فيهم كوامن العصف الذهني، ذلك دفعا للقضية الوطنية للإمام، وتحقيقا لتطلعات مواطنينا الكرام.

تتناول هذه المساهمة المتواضعة، ولو بمنظور مختلف و”خارج الصندوق”، موضوعات، وقضايا جوهرية، خاصَّة تلك المتصلة بقضيَّة التغيير، وتحقيق التحول الديمقراطي الحلم، والسلام العادل، وطبيعة الدولة السودانية المنشودة. ولاشك أن نفس هذه القضايا تتداولها مجموعات أخرى عبر “الواتساب

أو الفيس بوك”، أو البريد الالكتروني. كما لا تخلو منتديات السودانيين السياسية، وجلساتهم الاجتماعية العفوية من التعرض بالنقاش، والجدال عما يكابده الناس من فقر، ومشقة، وعسر، وهي كذلك جلسات تتناول أوضاع البلاد السياسية، والأمنية المضطربة، ومآلات المستقبل، وما هو مخبوء في قابل الأيام.

وتهدف المساهمة هذه أساسا إلى تقعيد الحوار، واستثارة الأسئلة حول قضية التغيير، وآلياته، ومآلاته، واستحقاقاته، حتي نتوصل إلي توافق حول مشروع وطني يخرج بلادنا من أزمتها الوطنية المحتدمة. ولو كان لدي أمل هناك، فهو أنني بهذه المداخلة أرنو الي أن يقوم الأخوة والأخوات من أبناء وبنات شعبنا بإكمال ما انتقص من حيلتي للم شعث أطراف، وذيول القضية التي نحن منشغلون بشأنها. وهي قضية تستبطن الكثير من التعقيدات الكأداء، والتعاريج الخفية، بقدر دخولها إلى منعطف حرج، وذلك ما يتطلب منا جميعا المصارحة والمكاشفة، لكي نضمن انتقال بلادنا إلي بر الأمان.

فالحوار في جوهره يدور حول التعلُّم learning وليس الكسب winning، ويقوم على عدَّة افتراضاتٍ، من بينها: أن الآخرين يمتلكون جزء من الإجابة، والبحث عن فهمٍ مشترك، والتوصُّل إلى أرضيَّة مشتركة، والكشف عن فرص، وخيارات جديدة. إن الديمقراطية لن يعلو شانها لتصبح أساسا لحياتنا السياسية إن لم نبدأ من أنفسنا كأفراد، فنتقبل الآخر، ورأيه المختلف، في حواراتنا. مثلما أنه من الأجدر أن نمارس الديمقراطية، ونحتكم لقيمها، وقواعدها بين بعضنا البعض قبل أن نطالب بها الآخرين.

اولا: وحدة المعارضة وإسقاط النظام

يبدو أن هناك تيَّارا عريضا، من بين المنتمين او غير المنتسبين حزبيا، علي حد سواء، شديدُ الحماس لهدفٍ تمَّ تحديده في: المساهمة في توحيد قوى المعارضة السياسيَّة، مدنيَّة ومسلَّحة، على حدٍ سواء، بقصد إسقاط النظام عن طريق الانتفاضة الشعبيَّة.

1. ابتداءً، إن تفصيل وصياغة الهدف في إسقاط النظام ينطوي على مدلولاتٍ سالبة، إذ يُوحي ضمنياً بالتركيز علي الهدم بدلاً عن التعبير الإيجابي، والسعي للبناء والتغيير. فالهدف الذي يجب وضعه نُصْبَ أعيُننا، في رأيي، هو التغيير والتحوُّل السياسي والاقتصادي الاجتماعي، مجسَّداً في التحوُّل الديمقراطي والسلام العادل نحو بناء دولة المواطنة السُّودانيَّة الحقَّة.. أما إسقاط النظام، قد يكون أحد الطُرُق لإنجاز مهمَّة التغيير. حقاً، فقد صدق سقراط – في رواية أخرىDan – في التعبير عن هذا الموقف بقوله: «سِرُّ التغيير يكمُنُ في تركيز كُلِّ الطاقات ليس علي محاربة “القديم”، بل على بناء “الجديد”»!

2. الأهم، هو انه بالرغم من التعريف الدقيق للهدف بهذه الصيغة، إلاَّ أن الواقع السياسي المُعاش، بما في ذلك ظروف المعارضة الحاليَّة نفسها، مقرونة مع قراءة متأنية لوقائع لتجربتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وكذلك تجارب “الربيع العربي”، كلها تقدحُ في إمكانيَّة قيادة عمليَّة إسقاط النظام فعلياً عن طريق أحزاب وتنظيمات المعارضة “الرسميَّة”، وبالتحديد “قُوى الإجماع الوطني”، مع استثناء القوى الخارجة على التحالف، كما يُلقي بظلال كثيفة عل أطروحة كهذه. فالرِّهان على، وضع كل البيْض في سلَّة المعارضة يقوم علي افتراضٍ غير صحيح، في رأيي، مفاده أن القوى السياسيَّة المعارضة هي التي تتكفَّل بالتخطيط والتدبير وصناعة الانتفاضة المُفضية لإسقاط النظام، ومن ثمَّ تأسيس البديل. ولا يعني ذلك، بأي حالٍ من الأحوال، التقليل من شأن، أو غضِّ الطرف عن وحدة المعارضة، فهي لا شكَّ ركيزة ضروريَّة لتحقيق التحوُّل الديمقراطي والاستقرار السياسي، إنما لم أجد حُجَجَاً قويَّة للتعويل على المعارضة، بتعريفها الضيِّق هذا، لإنجاز مهمَّة الانتفاضة وإسقاط النظام.

3. فمثلاً، ودون تشكيكٍ في دور ومساهمة هذه الأحزاب في ثورتي أكتوبر وأبريل، إلاَّ أن هذه الأحزاب لم تصنع الانتفاضة الشعبيَّة في الحالتين، كما لم تكُن الأحزاب السياسيَّة في مصر أو تونس قد خطَّطت لتنظيم الانتفاضة، أو حتى نادت بها، أو جعلت إسقاط النظام شعاراً لها، إلاَّ بالطبع بعد أن أضحَت الكتابة واضحة على الجُدران. وأيضاً لم تُبادِر بإشعال أو قيادة الثورة الشعبيَّة في البلدين، بل التحقت الأحزاب بعمليَّة الانتفاضة، بعد أن اشتعل الشارع، وصمَّمت الجماهير على الإطاحة بالنظام. لذلك، فكُل التجارب المُقارنة تؤكِّد على أن الأحزاب السياسيَّة ليست هي التي تُسقِط الأنظمة الحاكمة الاستبداديَّة والقمعيَّة، ولكن الشَّعب، بقُواه المدنيَّة المتعدِّدة، هُم الذين يتحمَّلون دائماً مسئوليَّة الإطاحة بالأنظمة الديكتاتوريَّة العسكريَّة، من خلال الانتفاضات الشعبيَّة. وأكرِّر، أن تجربتنا في 1964 و1985، وكذلك تجارب الربيع العربي تدُلُّ بوضوحٍ على أن الأحزاب السياسيَّة لا تقرِّر الانضمام إلى الثورة في الشارع، إلاَّ عندما يتبيَّن لها أن سقوط النظام الحاكم قد بات وشيكاً.

4. وهذا أيضاً لا يعني أن عضويَّة الأحزاب لم تشارك في الانتفاضة ضمن الجماهير الثائرة وقوي الشعب الحيَّة والعاملة في كل المجالات، والشباب والمرأة والطلاب. كما لا يجوز إلا لمكابرٍ أن يُنكر مساهمات الأحزاب السودانيَّة في مقاومة نظامي عبود ونميري ومعاركها التراكُميَّة عبر مجرى النضال العام ضد الحكومات العسكريَّة.

5. من جانبٍ آخر، أنا أفهم أن يكون العمل المسلَّح وسيلة لتحقيق الأهداف السياسيَّة للحركات المسلَّحة، فهي تملك السلاح بغضِّ النظر عن مصدره، ولها المَقدِرَة علي التسليح والتدريب وخوض المعارك، دون اعتبارٍ لفعاليَّتها. ولكنني لا أستوعب كيف تكون الانتفاضة “الشعبيَّة” سلاحاً تمتلكه المعارضة الحزبيَّة الرسميَّة، وتلوِّح بإشعالها حال رفض النظام الرضوخ لمطالبها. الانتفاضة، بحُكم مُسمَّاها، هي سلاحُ الشَّعب السُّوداني ممثلاً في كل قواه الحيَّة وشبابه على امتداد ربوعه، وهي تعبيرٌ عن إرادة شعبيَّة كاسحة تتجاوز الفَواصِلَ الحزبيَّة، لا يُخَطَّط لها ويصعُبُ التكهُّن بميقات اندلاعها.

6. حقيقةُ، أرى بأنَّ المشكلة ليست في عدم وحدة مُكوِّنات المعارضة، المدنيَّة والمُسلَّحة، بل جوهر الأزمة يكمُنُ في ضَعْفِ مُكوِّناتها المُؤسِّسَة لتحالف المعارضة من أحزابٍ وتنظيماتٍ منقسمة على نفسها إلى فصائل وبطون، لا يسُرَّ حالها لا صديقٍ ولا عدُو، بسبب انعدام الديمقراطيَّة الداخليَّة وضعف – إن لم يكُن غياب – المشاركة الحقيقيَّة في عمليَّة اتخاذ القرار، والصِّراعات حول أجندة ومصالح ضيِّقة، وشُحِّ التواصُل مع قواعدها، إلاَّ في مواسم الانتخابات فقط.

7. فإن كانت جماهير الأحزاب هي حقاً صاحبة القرار، وأن قياداتها تعبِّر بصدقٍ عن أشواق وتطلُّعات قواعدها (مع أن بعض الأحزاب بدون قواعد يُعتد بها)، لما كانت هناك حاجة أصلاً لمجهودات وساطة بغرضتوحيد هذه القيادات. فلو كانت قيادات الأحزاب متَّحدة، وفي وحدة مع جماهيرها، لأصبح الطريق معبَّداً نحو وحدة المعارضة في الهدف والفعل السياسي. فالمشكلة، إذن، ليس في توتر العلاقة بين أطرف المعارضة فحسب، ممَّا يستدعي معالجتها، بل في اهتزاز العلاقة بين قيادة الأحزاب المعارضة وقواعدها، وهي الجديرة بالمخاطبة.

8. فالمعارضة كانت على أعلى درجات الوحدة من ناحية الرؤية والبرنامج (مقرَّرات أسمرا للقضايا المصيريَّة، يونيو 1995)، والهيكل التنظيمي على حدٍ سواء، تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، التي جمعت تحت سقفها الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي والأحزاب والتنظيمات المدنيَّة، والتي بدورها استجابت للعمل العسكري كوسيلة من وسائل “اقتلاع النظام من جذوره”، فشكَّلت فصائلها المسلَّحة وشاركت في العمليَّات، بغضِّ النظر عن درجة المُشاركة.

9. فهل استطاعت الأحزاب المتحدة سياسياً، والملتحمة ميدانياً مع الجيش الشعبي، إشعال الانتفاضة، ومِن ثمَّ إسقاط النظام، ناهيك عن اقتلاعه من جذوره؟! وذلك، بالرغم من ما لقِيَتهُ المعارضة من تأييدٍ حاشدٍ من قِبَلِ السُّودانيين في الداخل والخارج، خاصَّة بعد نجاح التجمُّع الوطني في التوافُق علي، وحسم التداوُل حول قضايا السُّودان المصيريَّة. هذا، في رأيي، سؤالٌ جديرٌ بالبحث عن إجابة وافية له!

10. وللمفارقة، فإذا لم تستطع الأحزاب السياسيَّة السودانيَّة، خاصة تلك التي كانت مشاركة في الحكم، أن تدافع عن النظام الديمقراطي، وهي على سُدَّة الحُكم وقمَّة السُّلطة، فهل تمتلك القدرة على الحشد والتعبئة لاستعادة الديمقراطيَّة؟! فقد خيَّبت هذه الأحزاب ظنَّ الشَّعب السوداني لإخفاقها في توجيه ولو بضعة آلاف من عضويتها ومناصريها للخروج إلى الشارع في مواجهة حفنة من الضُبَّاط الانقلابيين، وفي تفعيل “ميثاق الدفاع عن الديمقراطيَّة”، الذي وقعت عليه كل القيادات الحزبيَّة، ما عدا المنتمين للجبهة الإسلامية، في ليلةٍ أمدرمانيَّة حاشدة، في 17 نوفمبر 1985. ولماذا نذهبُ بعيداً، فكل قوى الإجماع الوطني، وأحزابه خاصة، لم تخرُج بخطابٍ واضح يُؤيِّد خروج قواعدها إلى الشارع، وأضحى مسجد الأنصار في ودنوباوي مركزاً للمظاهرات في أمدرمان بغير قرارٍ من قيادة حزب الأمَّة؟! أما شيخ حسن، فقد صرَّح بأن الأحزاب لا تصنع الثورة، ولكن تخطط لما بعدها، كما أن قادة الجبهة الثورية لم يُحرِّكوا جماهيرهم في أطراف الخرطوم بحُجَّة أن جماهيرهم غير مدرَّبة على أساليب النضال السلمي، وهمس بعض قادتها للصحفيين الأجانب: «لن نهز الشجرة ليقطف الثمار آخرون»!

ثانيا: إصلاح حال الأحزاب: التحدِّي الرئيس

1. الآن، يُصبِحُ من الأجدر إعطاء الأولويَّة لبذلِ الجهود من قبل كُلِّ الأحزاب المعارضة حتى توحِّد صفوفها وتلم شملها وتعالج انشقاقاتها، وهي مهام يستحيل تحقيقها بدون التواصُل المنتظم والالتحام مع قواعدها، والتعبير عن نبض جماهيرها ومطالبها وتطلعاتها لمستقبلٍ أفضل. فالجماهير هي مصدر قوَّة هذه الأحزاب الحقيقيَّة، ولكنها ظلَّت مستبعدة من دائرة الفعل، بينما تستخدمها القيادات مطيَّة لتحقيق مصالح ضيِّقة. فالدعوة لوحدة المعارضة ضروريَّة في كُلِّ الأحوال، ومع ذلك، فإن لم تُخاطِب الأحزاب مشكلاتها الداخليَّة وتُؤسِّس كياناتٍ متماسكة، تقوم على العلاقة الشفَّافة بين القيادة والقواعد، فإنها لن تكون مُؤهَّلة حتى لمجرَّد المساهمة الملموسة في تحقيق هدف إسقاط النظام، وهكذا يُصبِحُ السَّعي لتوحيد قوى المعارضة حرثا في البحر.

2. فالتحدِّي الحقيقي الذي تواجهه كل الأحزاب والقوى السياسيَّة، هو الخروج من حالة العُزلة التي تعيشها حالياً، وتعبئة قُدراتها وحَشْدِ كُلِّ طاقاتها، وتسخير إمكانيَّاتها، لبناء هياكلها وإعداد برامجها وسياساتها. والمدخل الصحيح، هُو أن تهيِّئ هذه الأحزاب نفسها لعقد مؤتمراتها العامَّة، وأن تبدأ بالانتخابات في داخلها قبل أن تحسم تحالفاتها ومعاركها مع الغير. فدون اقتناع جماهير هذه الأحزاب بجدوى وفعاليَّة تنظيماتها، لن تستطيع الحفاظ علي عضويَّتها، ناهيك عن استقطاب عضويَّة جديدة. فمُعظم هذه الأحزاب والكيانات السياسيَّة لم تنظم مؤتمراً عاماً منذ أمدٍ طويل، كما أن بعضها لم يعقده أصلاً، والبعض الآخر من الصَّعب تقدير عدد المُنتسبين له! وقد يُعزي المرء هذا الوضع المُتزَعْزِع في الأحزاب السياسيَّة السودانيَّة لما عانته من تاريخٍ طويل تحت هيمنة حُكم الحزب الواحد، الذي ساد في البلاد منذ الاستقلال في عام 1965، والذي شهد حظر الأحزاب السياسيَّة، فضلاً عن المناورة معهم بما ينسجم مع أجندة الأنظمة غير الديمقراطيَّة المتعاقبة. خلال هذا التاريخ المُضطرب، تمَّ حرمان الأحزاب السياسيَّة من الموارد الحيويَّة، سواء الماديَّة أو البشريَّة، مِمَّا جعلها دائماً في حاجةٍ للبدء من الصِّفر في نهاية كُلِّ عهدٍ ديمقراطي.

3. ومع ذلك، لا يجد المرء عذراً للقوى السياسيَّة المعارضة في تضييع الفرصة التي أتاحتها الفترة الانتقاليَّة (2005-2011)، المُترتبة على اتفاقيَّة السلام الشامل، بما أشاعته من حريَّاتٍ نسبيَّة في التنظيم والتعبير والتواصُل مع القواعد. فبدلاً عن تركيز الأحزاب علي مخاطبة ومعالجة مشكلاتها التنظيميَّة، وإعادة بناء لُحمَتِهَا الداخليَّة بعد طول انقطاع عن قواعدها، أضاعت وقتاً ثميناً في توجيه النقد صوب الاتفاقيَّة، خاصَّة قسمة الثروة والسُّلطة. وأصابت الصحفيَّة النابهة، رشا عوض، بقولها: «إن الذي أدَّى إلى تهميش أجندة التحوُّل الديمقراطيفيتسويةاتفاقيَّةالسلامالشامل“نيفاشا”هوإخفاقُالمعارضةالمدنيَّةالمُفترضأنتكونصاحبةالمصلحةالراجحةفيالتحوُّل الديمقراطي، إخفاقهافيأنتفرض نفسها كمتغيِّرمستقلٍفيمعادلةتوازُنالقوى»(رشاعوض، تحليلسياسي: إعلانباريسومعضلة قلب الطاولة علي التسويات المعطوبة، صحيفة ‘التغيير’ الإلكترونيَّة 20 أغسطس 2014).

4. ينطبق هذا، طبعاً، على الحركة الشعبيَّة – شمال، التي كانت تمارس النشاط السياسي قبل الانفصال باسم “قطاع الشمال” في إطار شراكة الحركة في الحُكم. فقد تدافعت نحو القطاع أعدادٌ غفيرة في كل ولايات السُّودان، تجلَّت في الاستقبال الحاشد غير المسبوق الذي لقيه الزعيمالراحِلد.جونقرنق في السَّاحة الخضراء. ومع ذلك، فشلت قيادة القطاع في الاستفادة من الظروف المواتية، والموارد المتاحة نسبياً، في تحقيق هدفها الرئيس، المتمثل في بناء حركة شعبيَّة ديمقراطيَّة قويَّة في شمال السُّودان، ويرجع ذلك لإخفاقاتٍ تنظيميَّة ورهنتطوُّرالحركةفيالشماللأجندةالجنوب.وهوأيضاً مالاحظته رشاعوض، في معرض تحليلها لمُعوِّقات التحوُّل الديمقراطي خلال الفترة الانتقاليَّة، في: «انصراف الحركة الشعبيَّةإلىحدٍكبيرعنقضاياالتحوُّلالديمقراطيفيالشمالنظراًلهيمنةالأجندة الانفصاليَّة على جدول أعمالها» (رشا عوض، نفس المصدر).. (يمكن الرجوع لمقالاتي السابقة: “قطاع الشمال: تمثيلمؤسسيأمإشراكمظهري؟”-“الشماليونبالحركةالشعبية:تحويلالخصومإلىأصول”).. ويظلُّ هذا هو التحدِّي الذي يواجه مستقبل الحركة الشعبيَّة-شمال،فإمَّاأنتسعى لتحويلنفسها من جيشٍ شعبيٍ في جنوب كُردُفان والنيل الأزرق إلى حركةسياسيَّةديمقراطيَّة،منفتحةعلىالجمهورالمدني،أوتكونقدعرَّضتمصيرهاإلى اضمحلالٍ، ثم زَوَال.

5. إذن، على كل طرفٍ أن يُصلح حاله أولاً، ويرتب بيته الداخلي، ويقوم بواجبه المنزلي، حتى يتمكَّن من أداء الدور الأصيل والمنوط بالأحزاب السياسيَّة كدعامة أساسيَّة للتداوُل السلمي للسُّلطة والقيام بواجباتها الدستورية في النظام الديمقراطي “المرتقب”. ولا شكَّ أن هذه القُوى الحزبيَّة تمتلك قواعد شعبيَّة يُعتَدُّ بها، بالرغم من صعوبة تحديد الأوزان بدقَّة، في الوقت الذي تشهد فيه الآن ديناميكيَّة داخليَّة وتحرُّكاتٍ إصلاحيَّة استجابة لمطالب القواعد الشعبيَّة الداعية للمشاركة والشُمول في عملية صنع القرار.

6. ولعلَّنا نُدرِكُ جيداً بأن المؤتمر الوطني لا تهزَّه مواقف القيادات الحزبيَّة، التي خَبِرَهَا وتفاعَلَ معها خلال العقدين ونصف المُنصرمين، بل يهاب ويتخوَّف من قواعدها الجماهيريَّة، ويراقب حراكها وتحرُّكاتها بتوجُّسٍ (الهبَّة الشعبيَّة في سبتمبر 2013). فعلى الأحزاب أن تُثبِت مصداقيَّتها وجديَّتها حتى يلتفَّ الناس حولها، وتطمئن الجماهير العُزْل لقيادتها حين تخرُج إلي الشارع لتواجه البنادق بصدورٍ عارية.

7. ولتعميق الحوار حول هذا الموضوع، والدَّفع به إلى الأمام، أشيرُ إلى دراسة عن سُبُل تقوية الأحزابالسياسيَّةالسودانيَّة(الواثقكميرود.مصطفىبابكر)بطلبٍمن صندوق الأمم المتحدة الإنمائيUNDPوالمعهدالدوليللديمقراطية والدعمالانتخابيIDEA، 18 ديسمبر 2006.