خالد فضل ثمة ادوار ايجابية لعبتها مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية في السودان في عملية البناء الوطني في السودان , وغض الطرف عن مدى نجاعة تلك المساهمات الا أن الانصاف يقتضي ذكرها والاشارة اليها ,

بيد أن الملاحظة الجديرة بالانتباه أن جماعة الاسلام السياسي بمسمياتها المختلفة , لم يظهر لها أثرايجابي في عمليات البناء, بل سنلاحظ لاحقا أنها صارت أكبر معول هدم  لتلك العمليات . فقد كانت التكوينات الطائفية مثلا عنصرا من عناصر توحيد المجتمع المسلم في السودان على الأقل , وهي درجة ارفع من القبلية والانتماء اليها القائم على أصرة الدم والرحم , إذ هي انتماء روحي مثلها مثل الطرق الصوفية , وقد أسهمت الطائفتان الكبيرتان (الختمية والانصار ) في تقريب عناصر سودانية مختلفة ومتعددة اثنيا وثقافيا ولغويا لكنها لهجت جميعها بأذكار الطائفة وراتب المهدي وتخلقت وسطها وشيجة روحية , وحس وطني , لا يمكن اغفاله . أما اليسار السوداني وبخاصة الحزب الشيوعي السوداني فقد كان دوره بارزا واسهامه فعال في الميدان العام المتعلق بمناهضة الاستعمار ومحاولات بناء مجتمع سوداني متجانس ومتوحد طوعيا يحتفل بالتعددية ويعمل على جعلها أداة بناء خلاق لدولة قائمة على أسس التقدم والسلم والديمقراطية , كانت تلك المداميك التي شيدها اليسار ,وتجلت في النقابات العمالية والاتحادات المهنية , والارتباط الوثيق بين الانتماء لليسار السوداني (الشيوعيون بصفة خاصة ) وقيم التضحية والنزاهة والنضال الجسور , وهي قيم أسهمت بصورة أو أخرى في عمليات البناء الوطني , وحتى أطروحات اليسار العلمانية , فقد أسست بالفعل لبناء وطن يسع الجميع , يتجاوز أسر التبعيض البغيض الذي تحفل به أدبيات وآيدلوجيا الاسلام السياسي .

أما حركات قوى الهامش السوداني سواء في دارفور أو كردفان أو الشرق أو النيل الأزرق , فقد ساهمت مبكرا في عمليات البناء الوطني  بل إن قوة هائلة كالجنوب (سابقا) قد اسهم في تقديم أطروحة البناء الوطني الفدرالي في زمن كان ينظر للفدرالية كرديف للانفصال , ولو تم استيعاب وجهة النظر وقبول المساهمة الجنوبية الباكرة تلك لربما كان الواقع السوداني اليوم أفضل مئات المرات مما نحن فيه الآن من واقع مأزوم وفاشل وفاسد. وبالطبع فإن حركات كنهضة دارفور واتحاد عام ابناء جبال النوبة واتحاد ابناء الفونج ومؤتمر البجا , كل هذه قدمت من الاطروحات وسعت للاسهام في البناء الوطني من زوايا نظرها , وهي زوايا في غالبها سليمة النظر عظيمة الأثر لو أن العقل المهيمن انفتح قليلا وفي الوقت المناسب لاستيعابها . ما هو اسهام الحركة الاسلامية في تلك العمليات ؟ يظل السؤال ؟ والحركة الشعبية لتحرير السودان تنطلق مجددا من أرض الجنوب بقوام جنوبي غالب , وبأطروحة استهدفت مخاطبة العقل الجمعي للسودانيين بأن عملية البناء الوطني لا يمكن أن تتم بسلاسة وبخطى متطلعة نحو المستقبل بدون تحرير المفاهيم والممارسات السابقة إذ لم يكن التحرير من من حسبما نسب للمفكر السوداني الراحل د. جون قرنق ولكن من ماذا ؟ وجاءت مساهمة بناء السودان الجديد مدماكا آخرا في مداميك البناء الوطني . فأين كان يقف الاسلاميون ؟ لقد انصب جل جهدهم في بناء تنظيمهم بصورة أشبه بالحلقات الماسونية , انصرفوا للاستقطاب وسط شرائح الطلاب خاصة بدعاوي طوباوية وممارسات شيطانية أقلها تجريم بقية المجتمع ووصفه بالجاهلية , ووصم الأغيار دينيا بالكفرة , والمغايرين فكريا وسياسيا بالزنادقة , والتشويش على اطروحات العقلانية والاستنارة ورجمها بدعاوي الفجور , ولم يجدوا ما يقدحون به في تلك الأطروحات المستنيرة سوى الترديد الببغاوي لعبارات مثل إن العلمانية والديمقراطية والحريات تعني فقط فتح البارات وشرب الخمر , متجاهلين حقائق الواقع الكائن في مجتمعهم السوداني الكبير والذي يعاقر معظم رجاله على الأقل الخمر في الانداية , وتصنعه النساء في البيوت وبه يتبارون ويميزون بين ست بيت وأخرى (طالع كتاب الانداية للمرحوم الطيب محمد الطيب ) . لقد بدأت أولى مساهمات الاسلاميين في هدم بدايات البناء الوطني السوداني بصورة سافرة في حادثة حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين شعبيا من البرلمان إبان الديمقراطية الثانية التي أعقبت ثورة اكتوبر المجيدة . ومؤخرا اعترف بعض قياداتهم بدورهم القذر ذاك وكيف أنهم ألبوا الرأي العام عمدا و وهم في غيبوبة (بناء الأنا) والتمكين لذواتهم كانوا يهدمون فيما بدأ بناؤه من مداميك البنيان الوطني , ثم جاءت هجمتهم الكبرى عقب مصالحة 1977م مع نظام جعفر النميري (له الرحمة) وهنا تجلت عبقريتهم الأنانية , وظهرت نواياهم تجاه الوطن السودان وشعبه , وبدأت الاحتكارات والتمويلات بظهور بنك فيصل الاسلامي , حتى تمكنوا من الاستيلاء على الحكم عسكريا عن طريق الانقلاب والغدر والخيانة في 1989م ومن يومها صار الوطن ومقدراته وموارده فيئ فاءه الله عليهم , وعبر برنامج التمكين واعتماد الفساد والافساد والتدمير الممنهج لكل مقومات التماسك الوطني عمدوا الى نقض ركائز البناء الوطني ركيزة تلو أخرى . من نظام تعليمي الى خدمة عامة مدنية وعسكرية الى مشاريع ومؤسسات حكومية مع حظر وحجر للنقابات والصحافة الحرة والتنظيمات السياسية واحتكار كل الفضاء الوطني وتحويله الى سجن ومعمل للتجريب في كل قطاع من التعليم والعسكرية الى محطات المواصلات الى الاقتصاد . وفي كل تلك المجالات كان العنصر الحاضر هو الفساد والانانية وحب الذات والشهوات , والغائب تماما هو مشروع البناء الوطني أو الاسهام فيه ولو بطوبة , وبالنتيجة انفرط الخيط الواهن الذي سعى الآخرون لتمتينه , وإذا بحملات الجهاد تحول حرب المطالب العادية بالحق في الوطن الى مناسبات للفجائع المتتالية والقتل (سمبلا ) لملايين السودانيين , وبئس الاسهام هوإ‘ذ قادت محصلته النهائية الى انفصال الجنوب عبر استفتاء تقرير المصير , وانفرط الأمن واشتعلت الحروب في الجنوب الجديد بذات أسباب الجنوب المنفصل تقريبا . وصارت الهجرة الشرعية وغير الشرعية هي محط آمال السودانيين من مختلف الأعمار والخبرات والمؤهلات , وصارت حروب القبائل والعشائر في القبيلة الواحدة هي أبرز عناوين مساهمة الاسلاميين في هدم الوطن .

لقد كون الاسلاميون أنفسهم كما يقولون عبر نهب ثروات البلاد بوسائل عجز الشيطان نفسه عن مجاراتها فاستسلم متفرجا , ولدرجة ربط خصيتين وهميتين لإناث الضأن ليتسنى تهريبها ضمن قطيع الخراف فتأمل  في درجة الاهدار لقيم النزاهة والنبل والصدق التي لا يمكن أن يبنى وطن سوي بدونها , وبالفعل فإن البناء الوطني الآن لا يمكن النظر اليه الا من زاوية الانقسامات الخطيرة في المجتمع , هذه الانقسامات ذات الثنائيات الواضحة . الفقراء وأثرياء الغفلة والتمكين , المبعدون والمهجرون والمقربون الموالون , المحظيون بالريع العام والمحرومون , المسيطرون المهيمنون والمسيطر عليهم المهيمن عليهم , القاهرون المستبدون والمقهورون المغلوبون . الحاضرون ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا والمهمشون …إلخ  فماهو دور الاسلاميين في عمليات الهدم والتجريف البشعة للبناء الوطني ؟ وهل مسألة كفصل الجنوب بسبب من ممارسة الهدم هذه يعتبر بسالة وشجاعة كما في رأي منشور مؤخرا قرأته للدكتور عبدالله علي ابراهيم يعلق فيه على مسألة استفتاء اسكتلندا للانفصال أو البقاء ضمن وحدة المملكة المتحدة , ويتهم السودانيين بالولولة جراء ممارسة الجنوبيين لحقهم المعترف به في الاستفتاء وفق الخيارين فاختاروا ما راق لهم , فهل انفصل الجنوب (فنكه) كما يقال أم أن الواجب وبخاصة على المثقفين وقادة الرأي أن يسبروا غور ذاك الجرح الدامي في جسد الوطن والذي استوجب أن تفضل بعض اجزائه الانفصال على البقاء مع السقم , وهنا يلوح مباشرة دور الاسلاميين الذين لم يكونوا شجعانا ولا بواسل وهم يفصلون الجنوب إنما لقصور فيهم كائن عن المساهمة الخيرة في عمليات البناء الوطني ليعبر عن كل المواطنين , ثم اندفع قادتهم يتحدثون في المنابر عن الأثر الايجابي لفصل الجنوب الذي وصف بالعبء على الشمال , وبشر قائدهم الحالي بانتهاء عهد الدغمسة , فهل من دور هدام أكثر من هذا ؟وهل ما يرجون له من خزعبلات على شاكلة البلكات الموصولة بالسماء , والتعبد الحزبي , ورفاق الفجر , وتصدير نموذجهم , وغيرها من عبارات باخت معانيها كإدعاء الوطنية واحتكار الاسلام وغيرها الا اشارات واضحة على هروبهم الكبير من مواجهة استحقاق ما فعلوه بالوطن من تمزيق وتدمير طال كل شئ فيه تقريبا , وهو الاسهام الاوضح لجماعة الاسلام السياسي وبئس الاسهام .