عبد العزيز بركة ساكن الفضيحة(2) قالت وفي فمها ابتسامة هادئة: نعم، يمكنك أن تقول ذلك ولكنها خليط من أعشاب نادرة، القُنُب الهندي هو الأساس. أحضرته معي من أثينا. يبيعه صلاح سعد الإريتري. أنه  يبيع كل شيء.  

  • من مخدرات لنساء ومثليين ومثليات، لديه شبكة لا بأس بها. هل تدخن

    قال لها دون تردد:

  • لم أدخن البنقو من قبل، ولكنني كنت أدخن السجائر سنوات طويلة ولكنني تخليت عنها منذ سنة تقريبا.

    جلس قربها علي الكنبة، كأنها قالت كل ما عندها، وقال هو كل ما عنده، كان يتجول بنظره حول المكان فجأة سألها:

  • إذن أنت  كنت معنا في بيت المهربين؟

    قالت وهي تسحب نفسا طويلا:

  • يمكنك أن تقول ذلك.

  • إذن أنت  التي حدثني عنها صلاح سعد؟

  • ماذا قال؟

    توقفت عن التدخين تاركة  السيجارة بين إصبعيها وهي تحملق فيه منتظرة إجابة   منه ولكنه تردد بعض الشيء ربما خاف من عواقب إجابته إذا  أخبرها بالحقيقة وأيضاً ما كان يرغب في أن يكذب عليها، قال لها أخيرا:

  • سأحدثك في وقت لاحق.

    ضحكت بصوت عال، وهي تقول له:

  • لا بأس أنا أعرف أنه اتفق معك علي عشر دولارات علي أساس أن ينالني هو وأنت؟ اليس كذلك.

    ضحكت مرة أخرى وأضافت وهي تجر نفسا طويلا من السيجارة بينما يخرج الدخان من فمها مصحوبا بالكلمات

  • إنه رجل أعمال صغير ناجح جدا، دائما ما يأخذ عمولة 30% يعني أن نصيبي سبع دولارات بمعني آخر أنه  يأخذ عمولة حتى من الخمس دولارات التي تدفعها أنت لأجله؟ ثم ضحكت مرة أخرى  وهي تمد إليه  سيجارة البنقو، أضافت: أنه  شخص ثري ولكنه كذاب ومخادع ودائما ما يدعي الفقر المدقع.

    أخذها منها وتركها في يده، وطبق يفكر في أشياء كثيرة مختلفة،

    قالت له

  • اجذب نفسا قصيرا جدا ثم نفسا آخر قصيرا جدا، ثم نفسا طويلاً، وستري العالم كما أراه الآن، مثل لُعْبَة صغيرة طيعة في كفك، تفعل به ما تشاء. أنا الآن أفعل بالعالم كله ما أشاء.

    قال لها متشككا وهو ينظر للسيجارة تارة وتارة إليها، ينقل نظره بين الاثنين في سرعة بالغة.

  • لا أستطيع.

    قالت في تحد:

  • بل تستطيع.

    قال، وهو يمد إليها السيجارة.

  • لا أستطيع…………. صدقيني.

    تجنبت يده الممدودة إليها بالسيجارة.

  • أنا قلت إنك تستطيع، فأنت كنت تدخن من قبل السجائر، فلا فرق إلا في المحتوي فالعملية واحدة، اسحب نفسا الآن.

    قالت الجملة الأخيرة بأسلوب آمر كما لو أنها قائد عسكري يصدر أوامر حاسمة ببدء المعركة والتقدم للأمام وقتل كل جنود العدو والتمثيل بجثثهم بكل قسوة، وإحضار رءوسهم إليه في غرفة القيادة بعد حلقها من الشعر: الآن.

    جذب نفسا قصيرا جدا، ترك الدخان في فمه، قالت له وهي تقرب وجهها من وجهه

  • ابتلعه، ابتلعه الآن.

    بينما كان يخرج الدخان من فمه وأنفه، ألصقت فمها في فمه مستنشقة بقايا الدخان ثم عضته بمقدمة أسنانها في شفته العليا وهي تنفخ زفيرها عند وجهه. أخذت السيجارة من بين أصابعه في حركة رشيقة، جذبت نفساً طويلاً، قربت من وجه درويش أشارت إليه أن يفتح فمه، ألصقت شفتيها بشفتيه، كانتا كما هما دائما دافئتان. دفعت بحزمة كبيرة من الدخان في عمق حلقومه، وظلت ضاغطة علي شفتيه، وبكلتا يديها مُبقية رأسه  ثابتة دون حراك. إلى أن أحس بالاختناق واحمرت عيناه وناضل بشدة، أخيرا استطاع بعد مقاومة عنيفة سحب رأسه من قبضة كفيها، وأخذ يكح وهو مبتعد عنها بقدر الإمكان ثم توقف عند المصعد وأخذ يحملق فيها بصورة مرعبة، كما لو كان ينظر لشيطان أو مخلوق من عالم خُلِقَ حديثا. أشارت إليه أن يأتي راجعاً، ولكنه مضي نحو الحمام، غسل وجهه بماء بارد، ثم مشي نحو أعلى الدَرَجِ حيث غرفة النوم، قالت له بصوت أجش:

  • هذه هي كانت وظيفتي في مصر.

    توقف قليلاً، وكأنه يريد أن يصطاد الكلمات من الهواء مرة أخرى، أضافت وهي تبتسم وتنظر إليه بغنج خبيث: ما رأيك؟

    ضحكت وهي ما زالت تحملق فيه ، كأنها تريد أن تقرأ الإجابة من وجهه مباشرة

  • لولا أنني أريد أن أتزوج رجلا أوربيا لما ترددت في الزواج منك. لقد اكتفيت من رجال العالم الثالث.

     لم يتفوه بكلمة واحدة، مَرَّ كل شيء كما لو كان في الحلم. علي ما أعتقد أننا ذكرنا في مكان ما من الرواية أنها  أجمل امرأة رآها في حياته أو هكذا ظَّنَ. إذا لم نذكر ذلك فقد ذكرناه هنا للتو، وربما ذكرنا أيضا  أنها  قالت له إن جمالها هو رأسمالها، وهو ثروتها ومشروعها في أوربا. وهل قالت له إنها واقعة في غرام الرجل المناسب؟

    هاهي نادية تبدو الآن مثل ربة صغيرة خلقت نفسها كما تُريد، وها هي بكل وضوح وبجاحة تتصرف كما لو أن العالم لعُبة صغيرة طيعة تلعب بها ما شاءت، قد يكون ذلك بفعل البنقو أو حقيقة لا أحد يدري، بالأحرى هو لا يدري.

    قالت بصوت عال:

  • قلت لك تعال للحظة.

    لم يتحرك من مكانه، كان ينظر إليها بتبلد، بدون أية معنى، نهضت، وضعت السيجارة علي المِطفأة، مشت نحوه، كان يقف مثل الصنم في ذات البقعة، طوقته بذراعيها، قالت له في أذنه:

  • لا أريد أن أقتلك، فقط كنت أريدك أن تقبلني لا أكثر قبل أن تنام، ولكن لا بأس تصبح علي خير.

    ثم أطلقته مضي وراءها نحو غرفة النوم. عندما استيقظ في الصباح الباكر كعادته في الاستيقاظ، كان يحس بصداع في الجهة اليُمني من رأسه، وعزا ذلك للبنقو الذي ألقمته إياه نادية غصباً، أما هي فكانت تقبع في نوم عميق قربه. معطية إياه ظهرها. شبه عارية في قميص نومها الأبيض السلكي الناعم. يبدو  جسدها ناعما ولامعا مع ضوء الصباح. أنفاسها تهبط وتعلو بانتظام وهي في سلام تام وبراءة أشبه     ببراءة الأطفال. قال لنفسه وهو ينظر إليها بغضبِ: يا لها من ذئبةٍ فاجرةٍ.

    تخلص من الفراش في هدوء، حتي لا يوقظها، بينما كان يهبط من السرير، انقلبت هي للاتجاه الآخر، تمتمت ببعض  الكلمات غير المفهومة. مضي نحو الحمام وهو يضغط علي موضع الألم في رأسه  بسبابته بشدة. استحم وكان يفكر في ليلة الأمس المُرعبة، وهو يلوم نفسه لأنه استسلم لها ببساطة، ولكنه أيضا  طرد صوتا في نفسه يقول له إنه  كان خائفا منها، كان خائفا من شيء ما.  مضي نحو القاعة حيث  مسرح أحداث الليلة الماضية، كان المكان مغبرا جداً، ولا أثر لشيء بل ولا حتى بقايا رائحة عالقة في الهواء، بل ليست هنالك آثار تدل علي أن إنسانا قد جلس في المكان، كانت التربيزة والكنبة مغبرتين، كما تركاهما بالأمس علي أمل أن ينظفاهما اليوم، ليست هنالك سوي آثار الأمس، هل كانت تجلس في قاعة أخرى، هذا البيت مليء  بالأسرار ربما، وطفق يبحث في أرجاء المكان عن تلك القاعة، نزل بالدَرَجْ للأسفل، ليس سوي الصمت والظلام.

    عندما عبرت القاعة الكبيرة نحو الحمام، أشارت إليه بتحية تتبعها ابتسامة كبيرة ساحرة، ثم دارت قليلاً ليسمع صرير فتح وإغلاق باب الحمام. كان قد قام بمسح الأثاث وأرضية القاعة جيداً من الغبرة. بدا المكان نظيفا. أعد بعض الإفطار السريع مما تركه لهم سائق العربة من أطعمة. أخذ يقرأ في مرجع الصيدلة، حتى يعيد الهدوء لنفسه ويطرد عنه التفكير في أمور أخرى  غير مفيدة، ويضيَّع الزمن إلى     أن تستيقظ نادية المريبة من نومها ويتحقق معها عما جري له بليلة الأمس. كان في الحقيقة عنده كتابان. هذا المرجع الكبير ومصحف قرآن صغير الحجم. هو لا يحبذ قراءة القرآن وهو في هذا الوضع المشبوه: نجسٌ وغير متوضئٍ ولم يقرب الصلاة منذ أن بدأ رحلته هذه. في صحبته الآن امرأةٌ وكان مشحونا مع الخنازير، وما زال مسطولاً من حشيشٍ تعاطاه بالأمس من شفتي سيدةٍ لعوبٍ ومستهترةْ!.

    أحضرتْ كُوبا كبيرا مملوءا بالماء، وضعته أمامها، أخرجت من حقيبة صغيرة سوداء عُلبة سجائر، اخذت منها واحدة ووضعت العُلبة علي المنضدة البُنية الصغيرة، مشيرة إليه بما يعني بإمكانه أن يدخن إذا  شاء، هزَّ رأسه  علامة أنه  لا يرغب. سألها وهو يضع الكتاب قربه علي الكنبة في المساحة التي تفصل بينهما، وهي بمثابة مقعد كامل.

قلتِ لي ماذا كنت تعملين في مصر؟

قالت له بهدوء:

  • لماذا أنت مهتم بهذا الموضوع؟

    صمت قليلا، أمسك الكتاب بكلتا كفتيه، نظر فيه كمن يريد أن يقرأ شيئا ما، أو يبحث عن الإجابة ما بين سطوره، ولكن دون تركيز، قال لها:

مجرد سؤال.

قالت، وهي تقترب منه، بابتسامة كبيرة فتبدو أسنانها البيضاء من بين دخان السجائر مثل سحابة محمولة في عاصفة ترابية. تغمره رائحة دخانها النفاذة، تلك الرائحة التي تميز السجائر رخيصة السعر.

لقد قلتُ لك ذلك من قبل، هل نسيت بهذه السرعة؟.

فَضَّل ألا يخوض في هذا الموضوع مرة أخرى. اكتفي بأن أقنع نفسه بأنه كان يحلم بالأمس لا أكثر مجرد حلم ثقيل، أو ربما هو يحلم الآن والأمس كان الحقيقة والواقع، لقد اختلط عليه الأمر تماماً، وأحس أنه  مرتبك،  بل كان مرتبكا بالفعل، أو أنه  يشعر بأن نادية تنظر إليه كما لو أنه  مرتبكٌ، وإلا ماذا تعني هذه الابتسامة الساخرة التي في فمها بدون أية  أسباب وجيهة، لا شيء يدعو للابتسام. حسنا، لا بأس سيترك الأمر كما هو، قد يمن الله عليه بالحقيقة في وقت ما.