عبد الله الشيخ للدكتور الواثق كمير، رؤية ثاقبة لحل الأزمة السودانية، وهي رؤية جديرة بأن تُنصب لها منتديات التفاكر.. قدّم د. الواثق تحليلاً عميقاً لأزمتنا الوطنية، وطرح مخرجاً منها، عن طريق «الحوار»..

لا شك أن جُرأة ونصاعة رأي د. الواثق، ستجلِب عليه قساوةً من بعض المعارضين، قبل الحاكمين..! فتحية لهذا العقل المُتّقِد ، ولكل العقول السودانية التي قُسِرت على الهِجرة..! فهناك، في العالم الأول يُفسحون لهم في المجالس: «شُبيك لُبيك» أما هنا، في الوطن، فكم يكون الواحد منهم محظوظاً، إن تركوه وشأنه، في صقيعة الله..! والله على ما نقول وكيل..!!

 خَلُص د. الواثق كمير، من قراءته العميقة للواقع السياسي السوداني، إلى أن «الحوار» هو المفازة، وهو طريق النجاة للدولة السودانية من خطر التشظي.. ومثل د. الواثق، لا يُقال له، أمراً يعلمه: بأن الحوار يتوقف بالأساس، على مزاجية النظام الحاكم في«تجيير» الحِراك كله، لصالح البقاء في الحُكم.. يواجه د.الواثق، المعارضة والقوى الناشدة للتغيير، بحقيقة أن التغيير المُبتغى، لن يكون بتجريب آليات الماضي، على شاكلة ما حدث في أكتوبر 1964، وأبريل 1985.. لأن إمكانات التغيير التي احتشدت آنذاك، لا تتوفر الآن.. فالقوى المعُارِضة ــ يقول د. الوائق ــ كانت لها قُدرة أكبر على الحركة والمناورة، وكانت النقابات قوية وتُمثل رأس الرُمح في مواجهة الدكتاتوريات..

أما اليوم فإن التغيير يتطلب رؤية تتوحد عندها قوى المعارضة، وهذا لم يزل هدفاً بعيداً، بسبب تصدع وتشقُق و«اختراق» النظام للكيانات الحِزبية، التي أصبحت مياديناً للعبث..! بالإضافة إلى ما يعتري الأحزاب من ضعف في التنظيم، وعدم ممارستها للديمقراطية داخلها، بينما تتنادى بها كنظام لحكم البلاد كلها..! ويثمِّن د.الواثق دور الأحزاب في مقاومة الشمولية، مع تأكيده على أنها لم تكن منتجاً للتغيير، بل كانت تركب الموجة وتلحق بالزّفة، عندما تلوح بيارق النصر بواسطة الجماهير..!

يقرر د.الواثق في تحليله، بعدم جدوى اكتشاف العجلة، مع أن الشعب السوداني قد يفعلها مرة ثالثة، لكن التغيير المنشود لا يُبنى بتحفيز من الجوع «ثورة الجِيّاع»، بل على قاعدة وعي الجماهير بقضاياها.. ويفنِّد شعار «إسقاط النظام» لجهة عدم جدواه، ما لم يكن للبديل الآتي ما يقدمه بعد ذلك.. أما إسقاط النظام عن طريق البندقية، أو عن طريق الانتفاضة، فهما خياران غير واقعيين، لأن دونهما متاريس بناها النظام على مدى ربع قرن.. إذ من المستحيل، استبدال الجيش السوداني بفصائل الهامش التي تحمل السلاح.. أما الانتفاضة، فإن مولدها وكينونتها موضع تساؤل.. فمن يديرها ويرعاها، ومن يحميها عند بزوغها وفورانها؟.. ومن يتولاها بعد انتصارها؟.. إن القوى التي يتوجب عليها هذا الفعل، غير مرئية، في مقابل استقواء النظام بجيشٍ حزبي، يبطش بالمتظاهرين بعد أن يلبس الزي المدني، بالإضافة إلى امتلاك النظام لترسانة أمنية وعسكرية، دون ضمان حقيقي لإمكانية انحياز الجيش للشعب كما حدث في الماضي، إذا كانت المعارضة نفسها تقول إنه جيش التنظيم..!

أطروحة د.الواثق، تتبنى خيار الحوار الشامل، الذي لا يستثني حتى المؤتمر الوطني نفسه، من أجل التعاهد على مشروع بناء وطني، يتجنّب «البعثرة» وضياع لحمة الدولة، وعدم الوقوع في مخازي «الربيع العربي»..

إذن المخرج هو التفاوض.. لكن التفاوض هو الآخر سيكون مأزقاً، حين «تحتوشه» مماحكات و«غرزات» الإخوان، وإمكاناتهم الرهيبة، في «التجيير»..! فهل يبزُغ الأمل من تلك الكُرة التي في ملعب الرئيس، أم تلك التي في ملعب الشعب، أم هناك صولة وجولة للأحزاب الغارقة في مخاوفها من تعليب الحوار، إن هي انخرطت فيه مع النظام..؟!