د.ناهد محمد الحسن فى السودان حدثت وتحدث اخطاء قاتلة ...لكنها تمر دون ان يعتذر ويستغفر الذين صاغوها فكرا وممارسة ..بل لدى بعضهم القدرة على اعادة طرح أنفسهم مرارا وتكرارا على الساحة السياسية والفكرية

مرتدين حللا تنكرية اخرى لمشاريع بالية ومهترئة ..تنتظر فقط دابة الارض لتفضح غيبوبتها وغيبوبتنا ! وهذا الرهان على الذاكرة السودانية الخربة والخوف الذى عشعش وفرخ ..موقف يصدر من اناس درجوا على احتقار الشعب السودانى والاستخفاف بمقدراته وهو انسان لم يجد تحت ظل المداهمات المرضية لنقاهته الفرصة ليجمع حطام ذاته ويورق من جديد .ومن هنا اعود الى ممارسات العهد التركى المصرى من الابادة الجماعية الى الاعدام والاغتيال الوقائى وغيرها من الممارسات ، واحب ان اذكركم هنا ان المادة التى اخضعها للتحليل هنا ، هى جهد وعرق الاستاذ محمد عبد الخالق بكرى ، فى كتابه المهم _سيرة الاعدام السياسى فى السودان 1821 _1898 .

عمدت الحكومة التركية فى حالات كثيرة الى اعدام اشخاص لمجرد احتمال تشكيلهم خطراً على السلطة فى المستقبل ، ففى هذه الحالة يغلب على ممارسة السلطة السلوك التآمرى وبالطبع لا يتعرض المعارض المحتمل الى اى تهمة او يخضع لمحاكمة ، وانما يؤخذ على حين غرة وينفذ عليه حكم الاعدام او الاغتيال فى بعض الاحيان . وكان اسماعيل باشا اول من استن هذه السنة فى العهد التركى ، فلقد اشيع انه قتل فى جبال فازوغلى فتحرك اهل سنار للثورة تخلصا من عبء الضرائب التى فرضت عليهم فاسرع الى سنار وهدأ البلاد ولم يقتل احدا الا ود عجيلاوى . لكن بعد مضى فترة من الزمن قام ببعض الاغتيالات الوقائية ومنها مقتل رجب ود عدلان على فراشه وشنق اخيه بعد اسره . وهذا الاجراء الوقائى طال حتى حلفاء السلطة ، وهذا ما فعله احمد باشا ابو ودان بالمك كمبال بن المك شاويش احد زعماء الشايقية حيث امر احد جنوده باغتياله من الخلف . ويدخل تحت القتل الوقائى ماحدث  لبعض اقارب الشيخ سليمان ابن ابى روف زعيم قبيلة رفاعة عام 1841 . فقد اشيع ان سليمان مات مسموما وان للحكومة يد فى قتله فثارت موجة من التذمر وسط رجاله ورغم عدم تعرضهم لاحد بسوء ..تم استدعاءهم تحت وعود كاذبة وعندما حضروا جميعا اوثقوهم بالقيود وقتل منهم سبعة رجال . لم تكف الحكومة هذا النوع من الضربات الوقائية حتى وهى تلفظ انفاسها الاخيرة ابان حصار الخرطوم ..فقد كان يقيم منفيا بها احمد العوام وهو احد خطباء الثورة العرابية والذى اعلن تعاطفه مع الثورة المهدية فأمر غردون بقتله فى سراى الشرق فى 1884 .بالاضافة الى القتل الوقائى ، هنالك حالات اعدام بالشبهة مثل اغراق الزبير ود ضوة فى النيل لشبهة مساندته للمهدية . والرجل احد العلماء الاجلاء وهو كاتب مخطوطة ملوك السودان التى حققها ونقحها مكى شبيكة . كما شملت الممارسات العنيفة للسلطة اخذ البرئ بذنب المذنب كالنيل من اقارب الخارجين ومن ذلك نكبة اسرة المكاشفى الذى هاجر الى المهدى . بالاضافة الى ذلك ، قامت السلطة التركية بالضرب بقوة على ايدى الثوّار حتى لاتسرى عدواهم الى الاخرين ومن ذلك موقفها من الالاى الرابع فى كسلا ( ما عرف فى التاريخ السودانى بثورة الجهادية السود )والذى بلغ عددهم اربعة الاف جندى ، قسموا فى المحاكمة الى ثلاثة فئات، تم اعدام الفئة الاولى رميا بالرصاص والفئة الثانية بالحبس المؤبد والفئة الثالثة اعيد استيعابها بعد ان تعلمت من موت الضبع . ومن الفئات التى قصدت الحكومة التنكيل بها فئة الفقهاء ورجال الطرق الصوفية وذلك لوعى السلطة بالدور الذى كانوا  يلعبونه فى السلطنة الزرقاء ومنهم الشيخ محمد ود عبد العليم والشيخ صالح ولد بانقا والفقيه السيد ولد زين العابدين والفقيه الارباب ود الكامل …وان كان حدس السلطة صدق بشأن الطرق الصوفية فلأن الدين كان ولا يزال طاقة قصوى تحتمل الشفاء والعافية والدعم للنضال الجسدى والمعنوى . لم تقف السلطة فى طغيانها عند حد ، اذ قامت بقتل الاسرى والتمثيل بجثث الضحايا ومن ذلك التمثيل بجسد الشريف احمد طه وقطع رأس الفقيه محمد زين وبتر اعضاء عدد من انصار المهدى . وتفنن الاتراك فى ارهاب الانسان السودانى عبر ابتداع وسائل مريعة للقتل بواسطة الخازوق وقذيفة المدفع . كما مارست الاعدام بالشنق والحرق والاغراق والرصاص .هل اعتذرت الحكومة التركية عن هذا التاريخ لاحد؟ وهل طالبنا نحن الاخرين بالاعتذار ؟ لان هذه الاحداث تمر دون وقفة مساءلة يستلهم الاخرون افكارها الدموية وهم واثقون انهم لن يجّرموا . والا من اين اتت الانظمة العسكرية السابقة والانية بفكرة التصفيات الجسدية للثوار وكل ديموقراطية تأتى يمضى منها العسكر دون مساءلة فى حين اى انقلاب عسكرى لايتهاون مع المحاولات الانقلابية فى نظامه لذلك تطول سنين الانظمة العسكرية فى السودان . ربما يسأل سائل ما هى مردودات هذا القهر على اجيال لايعرف بعضها ان كان العهد التركى حقبة تاريخية استعمارية فى السودان ام مخبزا للحلويات !؟