عبد الله الشيخ نتجادل، ولن نتفق بسهولة، حول وجوب الأُضحية على السودانيين.. فالاضحية فى مجتمعنا هي العيد الكبير، وهي فى نظر الكثيرين "مُناسبة دينية" من الصعب إقناع الفُقراء ــ دعك من الأغنياء ــ بالزُهد عنها..

وهي الى ذلك، موسم من مواسم الفرح القليل فى بلادنا، مع أنّها تفضح بجلاء ،كمية التناقضات التى نعاني منها! خذ مثلاً، حقيقة أننا فُقراء، فى نظر أنفسنا، وفى عيون العالم!. هذه الحقيقة تتكاثف حولها الشكوك،عندما ترى كميات الخراف المُعَلّقة فى المشلعيبات صباح العيد!. فاذا كان تعدادنا حوالي 38 مليون نسمة، فإن تِعداد الأُسر السودانية ــ بالتقريب ــ حوالي عشرة مليون أُسرة، نفترض أن ثلثها، لا يستطيع ذبح الأُضحية.. معنى ذلك أن الذبيح عندنا، فى كل موسم أُضحية، لا يقل عن سبعة ملايين خروف ــ أحسبها خمسة ملايين خروف فقط ــ وسعر الخروف الواحد فى المتوسط ، حوالي  150 دولاراً .. معنى هذا، أننا نستهلك فى العيد الكبير، على أقل تقدير، مابين 750 مليون، الى مليار دولار! ، هذا غير مُستتْبَعات الخروف الأُخرى، وغير هدوم وحلاوة العيد ، فكل هذا وذاك خارج الحساب!

 من هذه الصُورة التقريبية ، هل نحن حقاً فقراء ، إذا كان أبسط سوداني، يمكنه أن يذبح خروفاً ” يشيل النسيبة ويدخل بها  الى الجنة ، في يوم القِيّامة”! ماهي معايير قياس الفقر فى هذا السودان المُمتد، إذا كانت ذبيحة الرجل العادي،لا يقدر عليها ” أتْخَنْ تخين” فى الدول الشّقيقة المجاورة، اللّهُمّ إلا أهل الخلجان، الذي أغدق الله عليهم سحائب الرزق بالمجّان! و لا تحدثونا بما جرى،، فنحن نُدرك صعوبة الظرف الاقتصادي ووطأة الأزمة المعيشية الخانقة التى ضربت الغالبية العُظمى مِن أهل هذه البِلاد، لكن لماذا تتبدى تناقضاتنا ، بوجه خاص، فى هذه المُناسبة الدينية، إن كانت كذلك حقاً! ..إن كان ما نفعله في هذه المُناسبة ،شأناً دينياً، فما هو المُبرر الذي يدفع الفقير الى استدانة الاُضحية، أو دفع ثمنها بالتقسيط!؟ وكيف يُفْتَى له بمثل هذه الفتوى، فى حضور “حماة العقيدة والوطن”، الذين كنا نسمع بعضهم فى الماضي ، يؤكد، أن الفقراء ضحى عنهُم البشير النذير!.ما جديد أمر الفتاوى!؟..هل أصبح أرباب الفتوى من أصحاب البهايم، أم من المُرَوِجين لعملية التسويق!؟

 تخرج من هذا التناقض، الى تناقض آخر  يكشف بوضوح، كيف أنهم قيّدونا ــ تحت إسم الدين ــ  بالأحابيل السلطانية!.. كلنا يقول أنّ الميزانية مُطرشِقة، ونحن نُدْرِك إنّ بعض مدارسنا خاوية من الطباشير ومن الإجلاس، مع أننا فى كل عام، نتبرع لهم بجلود الأضاحي، ذلك التبرُع  الذي لم تظهر آثاره، ولا نعرف عنه شيئاً، ولا يستقصي أثره أحد! .. ولا تستهينوا ــ بالله عليكم ــ بهذا التّبرُع ، إنّه لا يقل عن خمسة ملايين جلد خروف، مضروبة فى عدد السنين التى عاشتها، فوق رِقابنا ، “ثورة الانقاذ الوطني”!

 وهذا شيئ ثقيل، أليس كذلك!؟

أخيراً ، وليس آخراً ، نحن الدولة الأولى في انتاجية الثروة الحيوانية، ومع ذلك فنحن نتسوَّق فى زرائب البهائم كما الغُرباء ، ونشتري ثروتنا نفسها بأسعار أعلى من تلك المشروعة فى الدول المُستهلِكة!..قطعاً، فإن الخروف الجهبوز فى استراليا، لا يصل الى هذا السعر الخرافي أي زريبة  البهائم!.. هل هذا هو ما جعل وزير التجارة ابو حريرة ــ رحمة الله عليه ــ يستورد خِرافاً استرالية فى أيام الديمقراطية!؟..لعله فعل هذا فكان سبباً آخر، فى تعجيلهم بالإنقلاب! فحُكّامنا من تجّار الجبهة، يؤمنون ــ ظاهراً وباطِناً ــ بنظرية اقتصاد السوق: شريطة ألّا تهدد تلك النظرية مصالحهم!!