بابكر فيصل بابكر أوردت صحيفة "الإنتباهة" خبراً يقول أنَّ نائبة رئيس المجلس التشريعي لولاية الخرطوم "نجاد كرداوي" إنتقدت التوصية التي تقدم بها رئيس لجنة الثقافة والرياضة بالمجلس حول ضرورة التنسيق بين وزارتي التربية والتعليم والشباب والرياضة من أجل إكتشاف المبدعين عبر المناشط والدورات المدرسية،

وقالت : ( البلد دي ما ناقصة فنانين ومبدعين, ناقصة علماء دين ), كما دعت إلى : ( ضرورة البحث عن علماء الدين عبر الدورات المدرسية والبحث بطرق ممنهجة وابتكار علمي يساعد في تنمية مواهبهم ورعايتها ).

لا أريدُ في هذه المساحة التطرق لحالة “الغيبوبة” التي يعيشها “نوَّاب” الشعب في المجالس التشريعية بالولايات أو المجلس الوطني, فقد تحدثتُ عنها كثيراً وهى في الأساس حالة منطقية ناجمة عن طبيعة النظام “الشمولي” الحاكم والذي يُسيطر فيه حزب واحدٌ على أكثر من 90% من عضوية هذه المجالس بينما يُعطي  حلفائه في الحكم “فتات” ما تبقى من مقاعد لتكون المحصلة النهائية هى تطابق كامل بين الجهازين التنفيذي (الحكومة) والتشريعي والرقابي (البرلمان) وهو ما يتعارض جذرياً مع النظرية الديموقراطية في الحكم.

ولكنني سأناقش النائبة البرلمانية في قولها أنَّ (البلد ناقصة علماء دين), وهو قول خاطىء تماماً, حيث أنَّ أحد أكبر أزمات بلادنا في الوقت الراهن تتمثل في تكاثر هؤلاء “العلماء” بأعداد هائلة, و تمددهم و إنتشارهم في مساحات كبيرة في التعليم والإعلام والخدمة المدنية والفضاء العام.

قبل أن تهبط علينا الإنقاذ بشعاراتها الدينية البرَّاقة كان “العالِمُ” في بلادنا هو الطبيب والمعلم والمهندس والقاضي الذي يعملُ في الأقاليم والأرياف والقُرى فيقدمهُ الأهالي إماماً في الصلاة, ويستشيرونه في مشاكلهم العامة والخاصة, ويعملون برأيه في مجالس الأجاويد, كان “التدُّين” مُنساباً بكل سهولة ويُسر, وكان الناسُ يحترمون هؤلاء “العلماء” لأنهم يجدون عندهم كل ما يطلبونهُ.

وما أن حلًّ علينا “المشروع الحضاري” حتى ظهرت  طبقة من رجال الكهنوت جعلت من الدين تجارة رابحة ومصالح شخصيِّة, حِرفة وصنعة يؤجرون عليها, يتكسبُّون بالقرآن وبإصدار الفتاوى, ويرتزقون من المناصب العُليا في المؤسسات الدينية التي تناسلت دون حاجةٍ حقيقيةٍ لها في المجتمع.

خصَّصتْ الدولة لهؤلاء “العلماء” بزعمهم مقاعد في كل وزارة ومصلحة حُكومية وجامعة, ومؤسسة مالية وبنكية, ومجالس إدارات الشركات, تشتري بها تأييدهم وسندهم, وهم – من جانبهم – لا يتوَّرعوُن عن ممالأة الحكام, يتحايلوُن على الناس ويُقسمون البنوك إلى إسلامية وغير إسلامية بينما المُمارسة واحدةٌ في كليهما. يأكلون السُحْتَ في دواوين أنشأتها السُّلطة بالقوة والجبروت لتجبي زكاة لا تذهبُ في مصارفها الحقيقية.

بلادنا يا سيدتي الفاضلة تحتاج لعُلماء من نوع آخر, علماء يقودونها في ركب الحضارة المتسارع, ويأخذون بيدها من حالة الإنحطاط الشامل التي تعاني منها, مثلما حدث في دول مثل كوريا الجنوبية والهند وماليزيا.

نعم سيدتي علينا البحث بطرق ممنهجة عن “علماء” حقيقيين يقودون بلادنا للدخول في عصر ما بعد الصناعة, عصر الثورة التقنية والاختراعات “الميكرو-إليكترونية”, وليس علماء دين يعيشون خارج الزمن.

يتوجب علينا إعداد القوة البشرية القادرة على امتلاك أدوات “التفكير العلمي” ومعالجة قضايا الحياة العملية بمنهجية وفكر منظم, وأن نطوِّر قدرات الأطفال والشباب بحيث يصبحوا مُحبين للعلم وقادرين على الإبتكار والإبداع والتعامل مع تطبيقات العلم.

ولكن كيف يُمكننا السير في ذلك الدرب وبلادنا تُحارب العلماء الموجودين سلفاً وتدفعهم دفعاً للهجرة, فها هي الإحصائيات الرسمية تقول أنَّ  حوالي 50.000 مواطن معظمهم من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات قد هجروا البلاد منذ مطلع هذا العام.

كيف يُمكننا اللحاق بركب الدول وإنفاقنا على البحث العلمي لا يتعدى 0.3% من الناتج الإجمالي, وحتى هذه النسبة الضئيلة لا تلتزم الحكومة بسدادها بالكامل, فهاهو البروفيسور أبوبكر ابوالجوخ رئيس لجنة البحث العلمي بوزراة التعليم العالي يقول أنَّ ميزانية البحث العلمي تبلغ 22.700.000 ( إثنان وعشرون مليون وسبعمائة الف جنيه) إستلموا منها 10.850.000 ( عشرة مليون وثمانمائة وخمسون ألف جنيه) فقط منذ العام 2007 وحتى العام 2013 !!

كيف يُمكننا مجاراة العالم ونحن لا نعير العلم إهتماماً, ونسعى للإستزادة من “علماء” الدين الذين لا يمثلون سوى ظواهر “صوتيَّة” تتقن الضجيج, وتحقق الإنتصارات “الوهمية” من فوق المنابر وعبر “الحلوق” والحناجر المدهنة, بينما الكيان الصهيوني ينفق على البحث العلمي نحو 4.2 % من اجمالي ناتجه القومي.

لقد حاز عشرة اسرائيليين في الأربعين سنة الأخيرة على جائزة نوبل بينهم ثلاثة في الكيمياء وكانوا من خريجي الجامعة التكنولوجية المرموقة في مدينة حيفا الشمالية، والتي قدمت مخرجات تعليمية تمثلت في أكثر من 70 % من المهندسين في اسرائيل. فأين علمائنا نحن ؟

هل تعلمين سيدتي الفاضلة أنَّ  السودان هبط إلى المركز رقم 171 من إجمالي 186 دولة في مؤشر “التنمية البشرية” العالمي العام الماضي, بينما جاءت “فلسطين” المحتلة في المرتبة 110, وهذا المؤشر يشتمل على موضوع “التعليم” والإنفاق عليه من قبل الدولة.

هل تعلمين يا سيدتي الفاضلة أنَّ الهند التي بدأت مع مصر ويوغوسلافيا مشروعاً مشتركاً لتصنيع الطائرات والصواريخ والمحركات النفاثة والأسلحة في الستينيات, إستطاعت الأسبوع الماضي – بفضل علمائها – الوصول لكوكب المريخ كرابع دولة بعد أمريكا وروسيا “التي قد دنا عذابها” والإتحاد الأوروبي.

وقد تمكنت بلاد غاندي من تحقيق ذلك الإنجاز من المحاولة الأولى وبتكلفة لم تتعد ال 74 مليون دولار فقط.

سيدتي الفاضلة قد إحتل السودان المرتبة الأخيرة (الطيش) من بين مائة وثلاثة وأربعين دولة شملها مؤشر الإختراع (الإبتكار) العالمي لعام  2014الذي صدر مطلع هذا الأسبوع, وقد تفوقت عليه دول مثل توجو وميانمار واليمن والنيجر, وبالطبع قد يخرج علينا بعض “علماء” الدين ليقولوا أنَّ مثل هذه المؤشرات لا تعكس سوى “مؤامرة صهيونية صليبية” ضد بلادنا صاحبة التوجه الحضاري.

لسنا في حاجة للمزيد من “علماء” الدين الذين لن تجني بلادنا من ورائهم سوى التعصب والفتن والإنقسامات, بل نحن في حاجة ماسة للكثير من النابهين المتفوقين في مجالات العلوم العصرية, “شجعان” العقول الذين عناهم أمير الشعراء :

إنَّ الشجاعةَ في القلوبِ كثيرةٌ       ووجدتُ شجعان العقُول قليلا