عبد الله الشيخ   البكاء حاضر فى زمان أهل السودان ، لكنه حاضر أكثر و "بضراوة" فى أيام العيد!..أشهر بكائياتهم في الحضر، قالها زيدان، في: "عُدت يا عيدي بدون زهور "..! 

وبكائيات الضّواحي كثيرة ، منها قول شاعر العيون، عبد الله محمد خير: “أعياد تجي، وأعياد تفوت/ وأنا، كلّما استقبلت عيد، أحَيّا وأموت/ وأكتِبْ ملايين التهاني على الكُروتْ/ لكنّي مِنْ أولْ حرِفْ، أجد الأنامِل تِرْتَجِف، وإتْذَكرْ العيد المَضى”!.. الى قوله، أن “القمر ــ المحبوب” قد زاره فى ذلك العيد الذي مضى، وبكل تواضُع ، ” قعدْ فوق السرير، وقال : كلُ عام ، وأنتمْ بخير”!.

 وكلنا يذكُر بيت المتنبئ عن العيد فى قصيدته عن الحُمَى ــ الملاريا ــ  التى انتاشته بأرض مصر، فهو من أعمق ما قالت العرب ، فى بكائيات العيد.. لكنني ــ تحت تأثير مناخاتي السودانية ــ أحس بنظم شاعرنا عبد الله محمد خير هو الأقرب اليّ ، فنظمه السلس هذا، يجعلني أُحيل  أبا الطيِّب المتنبئ الى التقاعد ، مع أنّ قول المتنبئ ، ماضٍ فى الأجيال، و يتردد صداه، من المُحيط الى الخليج: “عيدٌ ، بأيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ ، بما مضى؟ أم لأمرٍ فيك تجْديدُ”!؟. أشعر أنّ شاعرنا عبد الله محمد خير،  ملأ أبياته المذكورة أعلاه، بشجن سوداني فريد ، تُحِسّه وإن لم تكن قادراً على التعبير عنه،، فللعيد عند السودانيين مذاقه الخاص..فى العيد يلوذ أبناء السودان الى “جخانين” الذّات ،والى الماضي ، وهناك يقع الوجع!.. و يتبدى ذلك الوجع بشكل حاد فى مُحيّا السودانيين المُغتربين! أولئك الضّحايا فى ليل الشجن والشوق، بعضُهم يقضي ضحوية العيد فى النواح، وفى استرداد شريط ذكريات “العيد الذي مضى”!  وقد حكى ود اليمني،هذه الصورة فى كلمات بسيطة و ساذجة، لكنّها مؤثرة، فقال فى غنائيته : “جاء للناس فِرحوا بيهو، أنا عِيدي جاني نكدْ / لِقاني غريب، وحيد عايش، على زول  ما مرق عيّدْ”! ..العيد السعيد ــ من فرط اشجاننا ـــ ينقلب الى لوعة،، وغريب الدّار ــ من لهفة الحنين والأشواق ـــ لا يُدْرِك أنّ الغربة الحقيقية هنا، داخل الوطن!.

قد كان من الممكن أن يُدرك هذه الحقيقة ، لولا أن الأشواق نفسها حجاب!..فكم مَنْ غريب داخل الوطن، كان عيده نكداً، ليس بسبب رِقّة الحال فقط، وإنّما بسبب تلك الاشياء الأُخرى الماحِقة، التى تحيق بالوطن كله..! تلك الأشياء التى لو فتحنا سيرتها، فسندخل حتماً الى خرابة السياسة !.

لكن الدُنيا قبايل عيد، فلنقُلْ: يا ساتر! . قصيدة “العيد المضى”، للشاعر عبد الله محمد خير، تجعل أحمد بن الحسين ، بجلالة قدره ،مؤجلاً  الى حين، مع أنّه لا يحتمل التأجيل! فهو القائل:” أمّا الأحِبة ، فالبيداء دونَهُم / فليت دونكَ بيدٌ دونها بيدُ”!.. يا إلهي ، كم هو عجيب هذا المتنبئ..هو وحده من يجمع إسم الجمع، إن أراد ! هو وحده القادر على مثل هذا التبعيد :” فليت دونكَ بيدٌ دونها بيدُ”! .

إنه العيد، ولكلٍ منا قصيدته حتى و لو لم يكُن شاعراً.. فالعيد احساس ينبع من الدواخل، ويمكن أن نعيشه فى غير ما زمان أو مكان ..هو عيد على أية حال، فدعه يأتي ودعه يمر، مثله مثل مواثيق حقوق الانسان، المكتوبة فى قاعة الأُمم بأحرفٍ من نور،، ولكن..!

 عش العيد فى الدواخل، كي تلاقي فرحته فى عيون الاطفال، لا في تهاليل الساسة ومعارجهم، فالفرح هناك مُحال! و كل سنة وانتو طيبين..