عيسى إبراهيم * يقول د. عارف في حلقته الثانية "الموجز في بيان حقيقة وأهداف «الفكر الجمهوري»" التي نشرت بالانتباهة في الاثنين 29 سبتمبر 2014 وفي ذات الأمر ورد عنه ما يلي:

“5/ في حوار عنوانه «ساعة مع الأستاذ محمود محمد طه» ورد السؤال التالي: س: «يعتقد العم خاطر أنه نبي ورسول، وأن الآيات القرآنية لا تؤكد عدم وجود الأنبياء بعد محمد كما أنه يعتقد أنك نبي، وفي كلا الاعتقادين لدينا شك وشكوك».

كان في جواب محمود محمد طه قوله: (أما الجزء الأخير من السؤال فإنه الإجابة من الناحية الموضوعية وهي المهمة قد سلفت أعلاه ومن الناحية الشخصية «فإني أزعم لنفسي ذلك وأرجو أن أكون محقاً»). المصدر: HYPERLINK »http://cutt.us/gdP9E«http://cutt.us/gdP9E  ، فإنه يزعم لنفسه أنه رسولٌ هكذا بكل وضوح وصراحة!!”

 

** في النص الذي أورده د. عارف في حلقته الأولى من “الموجز” عن ختم النبوة نقل عارف حديث الأستاذ في “من المأذون”، من قوله ” ولكن رسول الله ” إلى قوله ” وكان الله بكل شئ عليما “، وترك زبدة القول وخلاصته في حديث الأستاذ محمود، ولو أنه واصل النقل لعلم الحكمة من وراء ختم النبوة بمعناها المألوف .. ولعرف لماذا ختمت النبوة ؟؟..

 

القرآن بين التبليغ والتبيين

 

 يقول الأستاذ محمود عن الحكمة من وراء ختم النبوة ويجيب عن سؤال “لماذا ختمت النبوة”:

“أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبـوة لم تختم حتى استقر، في الأرض ، كل ما أرادت السماء أن توحيه ، إلى أهل الأرض ، من الأمر” ..ويقول: ” ذلك الأمر (الذي كان يتنزل على أقساط بحسب حكم الوقت ، من لدن آدم وإلى محمد) هو القرآن .. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة .. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك ، جبريل – أن يتلقوا عن الله كفاحا – ذلك أمر يبدو غريبا ، للوهلة الأولى ، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول ، ذلك بأن القرآن هو كلام الله ، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا ، ولكنا لا نعقل عنه .. السبب ؟ أننا عنـه مشغـولون .. “

ومن البداهة المعلومة من الدين بالضرورة، أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، بلغ القرآن كله، ولم يبين القرآن كله، وانما بين لقومه ما يطيقون من القرآن، إذ أن بيان القرآن على الله وليس على النبي (صلى الله عليه وسلم)، “لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه”، بيان القرآن على الله وليس على النبي (صلى الله عليه وسلم)، والنبي يقول: “إنما أنا قاسم والله يعطي ومن يرد به الله خيراً يفقهه في الدين”..

 

د. عارف يغيِّب اجابة الأستاذ ويأتي بالجزئية التي تخدم غرضه

 

ما أورده د. عارف في (5) مجتزأ من اجابة الأستاذ محمود عن أسئلة بانقا، التي فيها غنًى لمن يقبل بلا غرض مبيت بقصد التشويه، في ما يلي السؤال واجابة الأستاذ بالكامل:

(س): يعتقد العم خاطر أنه نبي ورسول ، وأن الآيات القرآنية لا تؤكد عدم وجود الأنبياء بعد محمد كما أنه يعتقد أنك نبي، وفي كلا الاعتقادين لدينا شك وشكوك.

 (ج): لا نبي بعد محمد من لدن بعثه إلى قيام الساعة. ليس في هذا إشكال ولا خلاف لأن النص في القرآن صريح ولكن الإشكال في أمر الساعة ، وذلك بأن الساعة ساعتان: ساعة يبدأ بها “يوم الله في الأرض” وساعة يبدأ بها “يوم الله في السماء”.

أما يوم الله في الأرض فذلك حين تبلغ الإنسانية الكمال وهي في إطارها الأرضي من اللحم والدم فتملأ الأرض عدلا وحرية ومحبة بين الناس وقد أرسل الله جميع الرسل من لدن آدم والي محمد ليعدوا حياة الأحياء لهذا اليوم العظيم بتعليم الناس الأخلاق التي تستقيم مع معاني العدل والحرية والمحبة، وحين قال الصادق الأمين “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” إنما أشار إلى هذا الإعداد الخاص الذي اشترك فيه جميع الرسل وحين قال “كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا” إنما أشار إلى هذا اليوم “يوم الله في الأرض” واليه الإشارة أيضا في القرآن الكريم حين قال عن لسان المصطفين فيه “وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين” تلك (جنة الله في الأرض) في “يوم الله في الأرض” فإذا ابتدأ هذا اليوم فقد ابتدأت الساعة التي بها نهاية توقيت ختم النبوة بمحمد وجاء وقت المبعوث الذي بشر به محمد والرسل من قبله وهو عيسي ومع عيسي يبعث جميع الأنبياء والصديقين والأولياء كأصحاب له .. في هذا اليوم يصح أن تكون هناك نبوة لا بمعني وحي محسوس يجيء به الملك كما كان الشأن بين محمد وجبريل فإن ذلك قد إنقطع باستقرار القرآن بالأرض ولكن بمعني إلقاء رحماني علي قلوب عباد تطهرت من شوائب الشرك ولهذا اليوم علامات لا تعرف إلا بأنوار البصائر فمن كانت له بصيرة يبصر ويعرف أن الوقت قد حان ومن كان لا يري إلا بعيني رأسه كما تري الدواب لا يبصر شيئا ويظن أن الوقت هو الوقت منذ الأزل ، لأن الشمس مازالت تشرق من المشرق وتغرب في المغرب كما فعلت دائما .. إن هذا اليوم قد أظلنا الآن والناس عنه في عماية عمياء وقد مد لهم في عمايتهم عنه إلتباس صورته في أذهانهم باليوم الآخر الذي أسميته أعلاه بيوم الله في السماء فأن ذلك لا يجيء إلا حين تنتصر الحياة علي الموت بتجربته واجتيازه وهو امتداد ليوم الله في الأرض وليس مغايرا له والي ذلك الإشارة بقوله تعالي: “من كان في هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا”

أما الجزء الأخير من السؤال فانه الإجابة من الناحية الموضوعية وهي المهمة قد سلفت أعلاه ومن الناحية الشخصية “فإني أزعم لنفسي ذلك وأرجو أن أكون محقا”.

 

المسيح المحمدي والأستاذ محمود

 

حين قال الأستاذ محمود هنا: “فإني أزعم لنفسي ذلك وأرجو أن أكون محقاً” قال في موضع آخر في الاجابة على أسئلة بانقا التي جاء فيها: “وقد تطرق أن سمعنا أن هناك دعوة مثل هذا الحديث العيسوى تقومون بها. فماذا تقرر وماذا تقول ؟؟

 قل الأستاذ: “أما عن الجزء الأخير من السؤال فأنه قد ألقى إلى ذلك وتواتر الإلقاء”..وهو قول هو حق عند الأستاذ محمود وعندي، وهو قول بلا مواربة، فماذا يعني ذلك: هل هو المسيح المحمدي؟!..

 

مقام المسيح بين شك العارف ويقين المريد!

 

يقول الأستاذ عن المسيح: “الأمر دا يجليه الله في وقته”، معنى ذلك أن المقامات لا تُدعى وانما يتم تحقيقها حين يأذن الله بذلك..يقول الأستاذ عن المسيح وعن نفسه موجهاً كلامه للجمهوريين:

انتو قد تسألوا أنفسكم، أو يجب أن تسألوا أنفسكم، وراح يسألكم الناس، من دون أدنى ريب: هل أنا الأصيل؟.. هل أنا الأصيل؟.. أنا إتكلمت عن مبدأ الأصالة وكتبت عنو وماشي في طريقه تطبيقياً….. هل أنا الأصيل؟ أنا أرجو أن أكون.. ولكني على شك!.. الشك بجي من السؤال ألـ “بيُقال” في القرآن: “أطّلع الغيب، أم إتخذ عند الرحمن عهداً”؟! أنا ولا اطلعت على الغيب.. ولا عندي من الرحمن عهد!.. الإطلاع على الغيب هنا بيعنى معرفة الله كما هو عنده: “قل لا يعلم من في السموات، والأرض، الغيب، إلا الله” العلم دا ما عندي.. وما عندي عهد من الله.. العهد من الله هو عهد العلم أصلو.. أنا عندي علم! لكن إذا قيس بي علم الله يكون شنو؟! هنا يدخل الشك.. لو تذكروا حادثة بدر، لمّن قال بعض الأصحاب للنبي: “إن تخلف عنك قوم لو علموا أنك تلاقي عدواً ما تخلفوا عنك، ونرى أن ننصب لك عريشاً فتكون فيه، ونعد الراحلة قريبة منك فإذا كان الأمر لنا علي عدوّنا، الحمد لله، وإن دارت الدائرة علينا من عدونا تقعد على راحلتك وتلحق بأصحابك الذين ما تخلفوا عنك إلا لأنهم لم يكونوا يعلموا أنك تقابل الجيش وإنما تقابل العير”.. وحصل أن نُصب العريش وقعد أبو بكر مع النبي، النبي لمّن شاف عدوه تلاتة أضعاف أصحابه، والعتاد، والسلاح، والخيل، أشفق علي أصحابه فكان يرفع إيديه في مناشدته ربه، في سؤاله ربه، حتى زي ما يجي الوصف: يبين بياض إبطيه.. وكان يسقط رداه عنه وأبوبكر معاه في العريش يرفع ليهو رداه.. النبي يقول: “اللهم أن تهلك هذه الفئة، فلن تعبد في الأرض بعدها، اللهم نصرك الذي وعدتني”.. أبو بكر يقول ليه: “بعض مناشدتك ربك يا رسول الله، إن الله منجز ما وعدك”.. أبو بكر متأكد أنو النبي رسول الله والله بينصر رسله وما بيخذلهم.. دا مبلغ علم أبو بكر، مطمئن ما عنده شك.. النبي هو صاحب الشك.. لأنه أعلم من أبو بكر، وما يُدريهو أن يكون في علم الله هو رسول لي مرحلة؟! ويكون مصطفى غيره؟! يأخد الخط للآخر!!.. ودا إسمه: “عدم أمن مكر الله”.. اللي يعلم الله ما بيأمن مكره.. ومكر الله علم، البيأمن مكر الله هو البفتكر أنو ما عندو من علم هو العلم عند الله!! ما عنده من علم مطابق للعلم عند الله! يبقى دا يكون: “إتخذ عند الرحمن عهداً” ومافي زول زي دا، إلا قد تستولي الغفلة على بعض العارفين فيأمن المكر، من نقص علمه.. ودي حصلت لي أبوبكر إذا ما قورن برسول الله.. فهنا مافي عهد إتُخِذْ، ولكني أرجو أن أكون الأصيل، وأنا محاول أن أعد مواعيني للتنزُّل.. إنتو لازم تعرفوا أنو التنزًّل ماشي، ونازل.. وكل واحد منكم لمّن يحقق من أصالته القدر البيسعى ليهو هو، زي حكاية: “انتهض وارفع كفوفا * فسحاب الجود ماطر”.. في طبعاً الأوانى المقلوبة.. في الأواني العديلة ومقدودة.. وفي الأواني العديلة ووسخانة.. وفي الأواني العديلة ونظيفة وقابلة للتلقي.. ودا حسب عملنا، كل واحد عليه أن يعمل.. وأما التنزل ماشي: “و يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق”، دا موعود الأمر دا، والأمر جاي، وأنا كل مجهودي أن أكون على إستعداد لأكون الأصيل.. لكن ما حد يقول عني أنا الأصيل.. أنا أرجو أن أكون الأصيل وأنا على شك.. الأمر دا يجليه الله في وقته، أنا عندي فجوات في تطبيقي، أنا ما مسلم، ولذلك داك لمّن يقول: “أنا اليوم مسلم” أنا كنت بقول ليكم دايماً في الإنشاد: أنا بشوف الحكاية دي كبيرة خلاص.. هل فيكم واحد بقدر يقولها بالصورة دي! فيها جرأة!.. جرأة كبيرة جداً “أنا اليوم مسلم”!.. و”المسلم”.. هو، بطبيعة الحال ما دخل في الوجود.. ما دخل في الأرض لسة.. الحقيقة المحمدية مسلمة.. يوم تنزل في الأرض يجئ “المسلم”.. وهي مستمرة في النزول.. والنبي حقق المقام دا بالنزع.. النبي كان نزعو شديد، شديد شدة حتى السيدة عائشة قالت كانت تغبط الناس ألـ “بموتوا بسهولة” لكنها بعد أن شهدت نزع رسول الله ما أصبحت تغبط أحداً يموت بيسر، لأن النبي قال: “إذا كان لأحدٍ مقام لم يبلغه في الأرض، يبلّغه الله إياه في النزع” وتجي القصة المشهورة: “وا كرباه لكربك با أبي”، السيدة فاطمة كانت تقول كدة، من شدة ما بتشوفه عليه، “وا كرباه لكربك يا أبي”، فجاه جبريل، قال ليهو: “إن ربك يسألك: كيف تجدك وهو أعلم بك؟” قال: “أجدني وجعاً” قال: “أبشر! فإن الله يريد أن يبلغك ما وعدك” لمن كان بيقول: “الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى!” دي حقيقتو العليا، إنطبق معاها، في اللحظة دي، وتم ليهو مقام الأصالة في اللحظة دي، وبي وجودو في المدينة أصبحت الذات المحمدية – الحقيقة المحمدية، مشدودة على الأرض.. ودا نبي أكبر من سعى لتنزيلها، وهي نازلة.. وتجي تمشي في الأرض.. “هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور؟”.. “هل ينظرون؟.. إلا أن يأتيهم الله؟” يعني ما بنتظروا غير مجئ الله.. والله هو الجاي ليدعو للإسلام الأرض كلها.. “هو وحده الداعي! وصاحب وقته!.. والمرسل!” اللي قالها لينا عوض الكريم ونحن بننشدها ونطرب ليها.. اليوم دا الناس يستعدو ليهو بي مواعينهم.. لكن.. أنا.. ما مطمئن أني أنا الأخير! أنا قد أكون مرحلة برضو! وعند الله من هو أولى بالمقام دا يجلّيهو لي وقته!.. الأمر ما بتأخر، لكن الأفراد بتأخروا “إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم” القوم الغيرنا يمكن أن يكونوا مننا، في إهابنا دا.. بالتغيير إذا كنا نحن بنتغير كل يوم في مقامات القرب من الله، في الإستعداد بالعلم، والخلق.. إستبدالنا بي غيرنا مننا.. إذا كان المعنى دا واضح.. وإذا كان دا ما عندنا، استبدالنا بي غيرنا يجي من برّة.. هنا دا أنا ما أعرف… عندي الشك!!.. عندي الشك.. هل أنا بتم المشوار ولاّ عند الله من هو أولى مني ليتم المشوار، ويلتقطه من حيث أقيف أنا؟.. أنا عايز أوضح النقطة دي.. أنا ما حد منكم يفتكر إني أنا الأصيل ويسقط الشك العندي أنا دا..”

(المصدر حديث الأصيل الواحد – المهدية الجمعة 30 أبريل 1982)

 

الأستاذ محمود بين يقين التواتر وشك العارف

 

خلاصة الأمر وردت في حديث الأستاذ: ” الشك بجي من السؤال ألـ “بيُقال” في القرآن: “أطّلع الغيب، أم إتخذ عند الرحمن عهداً”؟! أنا ولا اطلعت على الغيب.. ولا عندي من الرحمن عهد!.. الإطلاع على الغيب هنا بيعنى معرفة الله كما هو عنده: “قل لا يعلم من في السموات، والأرض، الغيب، إلا الله” العلم دا ما عندي.. وما عندي عهد من الله.. العهد من الله هو عهد العلم أصلو.. أنا عندي علم! لكن إذا قيس بي علم الله يكون شنو؟! هنا يدخل الشك.. “

 

الفقرة (6) من حلقة د. عارف

الفقرة المشار إليها بعاليه تمت الاجابة عنها في الحلقة الأولى من ردنا على د. عارف الركابي التي نشرت بسودانايل الالكترونية يوم 1 أكتوبر 2014 ، وفي صحيفة الراكوبة الالكترونية التي نشرت في الثاني من أكتوبر 2014 والتي تحدثنا فيها عن مقامات النبي الثلاثة الرسالة والنبوة والولاية وقلنا فيها أن رسالة النبوة قد ختمت بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وسيختم المسيح (عليه السلام) رسالة الولاية التي لمَّا تختم بعدُ، فليراجعها من شاء في مظانها، وقد رأينا كيف تم تجلية أمر المسيح المحمدي في كتابتنا الواردة بعاليه!!..

 

وقفات مع الفقرة (7) من حلقة د. عارف الثانية

 

لقد اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن د. عارف لا يملك أدوات الفكر الجمهوري، ولا يعرف عن الفكرة الجمهورية شيئاً ذا بال، وستكون لنا وقفات خاطفة مع بعض الذي أورده في هذه الفقرة وثبت جهله بالأفق المعرفي للاسلام..

 

الله في الفكرة الجمهورية

 

تحدثنا في ردنا الأول على د. عارف الركابي فقلنا عن الكلمة الله:

في الفكرة الجمهورية القرآن كله مثاني: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23}”، ومثاني القرآن تعني في ما تعني أن كل جملة وكل كلمة وكل حرف في القرآن ذو معنيين معنى قريب ومعنى بعيد، وكلمة الله لها معنى بعيد هو “الذات الالهية” المتفردة، ومعنى قريب هو “الذات الحادثة” بتنزل الذات من الاطلاق إلى القيد لتعرف، فالله في المعنى القريب هو التنزل إلى مرحلة القيد وهو الكون أجمع وعلى رأسه الانسان “الخليفة”، وهو بجميعه يعني العبودية في مقابل الربوبية والعبودية “منفعلة” والربوبية “فاعلة”، ولمهمة التعريف بالخالق في اطلاقه جعل الله “خليفة”: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”!..”

 

رؤية الله بين مثبتيها والنافين لها

 

ما يمكن أن نضيفه هنا أن اختلاف المسلمين في أمر رؤية الله بين مثبتيها والنافين لها هو أمر مشهور في الفكر الاسلامي قديمه والحديث، وقد قسم أمر الرؤية المسلمين إلى فسطاطين متناحرين لا يلتقيان، وكل فريق يجد من القرآن ومن الأحاديث الصحيحة ما يؤيد وجهة نظره، حتى بدا الأمر وكأن ليس هناك فرصة للالتقاء على واضحة بين الفريقين، وقدمت الفكرة الجمهورية رؤيتها التي حسمت الأمر وأقامت الوزن بالقسط بين الأمرين، فالله في مرتبة التنزل، مرتبة القيد، مرتبة التجسيد، مرتبة العبودية، مرتبة الخليفة، مرتبة الانفعال، يُرى ويُعرف ويُشار إليه في الزمان، ويُشار إليه في المكان، وتنتظم في سلك ذلك الآيات والأحاديث التي تثبت الرؤية، والله في مرتبة صرافة الذات، في الاطلاق، في مرتبة الربوبية، في مرتبة الفعل، لا يُرى ولا يُعرف ولا يُشار إليه في زمانٍ أو مكان، ولا يسمى: “يا مسمى بالأسامي كلها وهو المنزه” وتنتظم في سلك ذلك الآيات والأحاديث التي تنفي الرؤية.. ومن هنا على الذين لا يقبلون حل الفكرة الجمهورية لهذه المعضلة أن يقدموا حلهم لفض الاشتباك بين الفريقين المتشاكسين..

الأصالة لماذا

 

جعل الله في الأرض خليفة، ليعرفنا بالخالق في اطلاقه، والمطلق لا يبلغ، وطالما أنه لا يبلغ يكون تقليدنا للنبي (صلى الله عليه وسلم) حجاباً في أخريات سيرنا لله، والنبي (صلى الله عليه وسلم) لا تواجهه عقبة التقليد، لأنه أصيل في صلاته فهو لم يقلد رجلاً قبله، وحدثت الصلة بالله له ، بعد تخلف جبريل عنه، وصار وتراً، بعد أن كان شفعاً بجبريل، أما نحن لأننا لم نتحقق بالأصالة فتواجهنا عقبة التقليد، ولذلك سمي النبي عند العارفين بالحجاب الأعظم، ومن هنا يقرأ كلام الأستاذ ويدرك: ” والنبي، الذي هو جبريلنا نحن، يرقى بنا إلى سدرة منتهى كل منا، ويقف هناك، كما وقف جبريل، بيد أنه إنما يقف لكمال تبليغه رسالته، ولكمال توسيله إلى ربه، حتى يتم اللقاء، بين العابد المجود وبين الله بلا واسطة. فيأخذ كل عابد مجود، من الأمة الإسلامية المقبلة، شريعته الفردية من الله بلا واسطة”، لأننا نسير من القيد إلى الاطلاق وهيهات..

ومن هنا لأن المطلوب من الخلق معرفة الخالق، تأتي مراتب أصالة الأفراد، لأن السير سرمدي، والكسب فردي..

 

إن إبراهيم كان أمة

 

يقول د. عارف في حلقته الثانية عن “موجزه” في بيان حقيقة وأهداف الفكر الجمهوري: “ والآية التي تتحدث عن الأنبياء والرسالات” يقصد د. عارف الآية: “…. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {48} ” والآية التي تتحدث عن الأنبياء والرسالات بأن لكل نبي جعل الله له شريعة في الفروع ومنهاجاً يسير عليه مع اتفاقهم في الأصول، فجعلها محمود محمد طه في «الأفراد» لهذه الأمة فكل فرد يأخذ شريعته عن الله مباشرة “، انتهى كلام د. عارف عن الأستاذ محمود، فلننظر ماذا قال الأستاذ محمود في هذه الآية تحديداً: “ كون السياق إخبارا عن الأمم فهو أمر واضح، ولكنه إخبار عن الأفراد أيضا، وهو في باب الفردية أدخل منه في باب الأممية “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”: لكل فرد منكم جعلنا “شرعة”.. يعني شريعة، “ومنهاجا” يعني سنة. “فشرعة ومنهاجا”.. يعني شريعة وحقيقة.. فشريعة العارف طرف من حقيقته، وهو فردي الحقيقة، فردي الشريعة، وشريعته الفردية فوق الشريعة العامة بما لا يقاس “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة” يعني لجعلكم على شاكلة واحدة – والأمة هنا تعني الفرد.. قال تعالى “إن إبراهيم كان أمة، قانتا لله، حنيفا، ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه، اجتباه وهداه إلي سراط مستقيم” فأمة هنا تعني إماما يقتدى به “ولكن ليبلوكم فيما آتاكم” ولكن ليختبر كل فرد فيما آتاه من النعم المودعة في قلبه وعقله، ماذا فعل فيها؟؟ هل زكاها؟ يعني نماها وحررها أم دساها؟ يعني أهملها وأخملها “فاستبقوا الخيرات” المعارف “إلى الله مرجعكم جميعا” وهنا دليل الفردية في الآية لأن الناس لا يرجعون إلى الله إلا فرادى “ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة”. وكما قلنا ذلك عند الحديث عن الفردية ونزيد هنا قوله تعالى “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا” “ألزمناه طائره في عنقه” طائره يعني قلبه “ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا” يعني قلبه أيضا و”اقرأ كتابك” يقرأ ما كتبه عقله على صفحات قلبه من جهالات أو معارف و”كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا” الفردية فيها ظاهرة.

“فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون” معناها يجعلكم تحققون فردياتكم التي بها يقع الاختلاف أو قل التمايز بينكم. “

(المصدر: كتاب رسالة الصلاة – الأصالة)

نواصل..

* eisay@hotmail.com

* eisay1947@gmail.com