بابكر فيصل بابكر في حواره مع صحيفة "الشروق" التونسية أواخر سبتمبر الماضي تحدث الأستاذ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة عن موضوعات عديدة كان من بينها نشأة الحركة و التطورات 

التي طرأت على مواقفها في ما يتعلق بموضوع التعايش مع العلمانيين ونظرتهم للتراث الديني التنويري الذي رسختهُ تجربة الحكم التي أرسى دعائمها الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة, إضافة لرؤيتهم للحوار الوطني الذي يجري في البلاد.

قال الغنوشي إنَّ حركة النهضة ( تتطور وتتفاعل مع الواقع ولكن في إطار ثوابت لم تحد عنها يوماً، وهي الطابع المدني الديموقراطي، والدفاع عن التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين، والالتزام بالدفاع عن حق الاختلاف والمكاسب الحداثية للمجتمع التونسي وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية، وطبعا تجريم العنف بكل أشكاله وتجلياته ). إنتهى

قبل أن نناقش حديث الغنوشي أعلاهُ لا بُدَّ أن نشير إلى أنَّ كلامهُ هذا لا يُعبِّر عن فكر “الإسلام السياسي” أو “الإسلاميين” كما يُفضِّل هو أن يُسميهم الذي دعت له الجماعة الأم : الإخوان المسلمين, بل يعكس فكراً جديداً  أفرزه الواقع الثقافي والإجتماعي التونسي “المُختلف”, فالإلتزام بالدفاع عن حق “الإختلاف” والتعايش مع “الآخر” ونبذ “العنف” ليس من الأفكار الأساسية  التي دعا لها “حسن البنا” وطوَّرها من بعده “سيد قطب” والتقطها منهما “الترابي”.

أفكار هؤلاء في جوهرها “إقصائية” تقوم على أنَّ الجماعة  “تمتلك الحقيقة”, وانَّ المختلف يجب أن يبتر حتى لو كان من أعضائها, أليس البنا هو من حرَّض أتباعه لإستئصال المخالفين في “الإسماعيلية وقال لهم : ( أنَّ من يشقُّ عصا الجمع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان ) ؟

أليست مجلة “النذير” لسان حال الجماعة هى من كتبت في عددها الأول تحرِّض ضد المُخالفين ( فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد, وجرِّعوها الدواء بالقوة, وإن وجدتم في جسمها عضواً خبيثاً فاقطعوه, أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه. فكثيرٌ من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقرٌ , وفي عيونهم عمىً ) ؟

أليس حسن البنا هو من قام “بتكفير” كل مسلم لا يؤمن بأفكار الإخوان المسلمين ومنهجهم  عندما قال ( إننا نعلن في وضوح وصراحة أنَّ كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهج ولا يعمل لتحقيقه لا حظ له في الإسلام ) ؟

أمَّا الطابع “الديموقراطي” الذي يتحدث يتحدث عنهُ الأستاذ الغنوشي فإنَّ تجربة “إخوانه” في السودان بقيادة “الترابي” تقف دليلاً على نفيه, وقد قال “الغنوشي” بنفسه هذا الكلام عندما سئل هذه التجربة فأجاب بالقول :  

  ( للأسف، فشل التجربة السودانية أمرٌ واقع، وهل يُتوقع ممَّن فشل في إدارة الحوار في صُلب جماعتهِ، أن ينجح في التوافق مع جماعات طالما أعلن عليها الجهاد, ولم يدَّخِر وُسعاً في التعبئة ضدَّها وتضليلها وتخوينها والحلف جهاراً نهاراً أمام الملأ أنه لن يعيد تلك الأحزاب الطائفية !؟ هل يُتوقع ممَّن أسَّس مشروعه على إستبعاد الآخرين والإنفراد بالسُّلطة ونظَّر لذلك ورتب عليه أمرهِ أن يتراجع عن ذلك ويتحول إلى ديمقراطي يحترم حقوق الآخر ويفي بما يُعاهد عليه ؟ ). إنتهى

لا يكتفي الشيخ الغنوشي بإقرار فشل التجربة الإسلامية في السودان, بل يُقر بأنَّها تحولت إلى ( حكم سلطوي قامع, وتحوَّلت طائفة كبيرة من رجاله إلى رجال دولة في حُكم مُستبد, يُزاحم كثيرٌ منهم لنفسه ولأسرته على المشاريع التجارية والشركات, ويبذلون ما بوسعهم للإستئثار بالمناصب والمصالح لأنفسِهم وأبناء قبائلهم ) إنتهى  

أمَّا حديث الغنوشي عن المكاسب “الحداثية” في تونس والتي تقف على رأسها “مجلة الأحوال الشخصية” فهو يعكس إجتهادات جريئة ومتقدمة لعلماء دين “مستنيرين” من أمثال الطاهر الحداد صاحب كتاب “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع”. هؤلاء العلماء لا علاقة لهم بأفكار “الإسلام السياسي”, بل أنَّ أفكارهم التي إحتوتها المجلة لا يُجيزها “الإسلاميين” في أية بلد من بلاد الدنيا سوى تونس.

إنَّ مجلة الأحوال الشخصية, وهي مجموعة من القوانين الإجتماعية صدرت عام 1956 خلال فترة حكم الرئيس “الحبيب بورقيبة”, وفيها تم سن قوانين للأسرة تحوي “تغييرات جوهرية” في القوانين التي كانت سائدة في ذلك الوقت من أهمها : “منع تعدد الزوجات” ومنع الزواج العرفي و”سحب القوامة من الرجل” وجعل الطلاق بيد المحكمة عوضاً عن الرجل.

تُرى في أية بلد من بلاد العرب والمسلمين, خلا تونس, وافق أهل الإسلام السياسي على منع تعدد الزوجات ؟

لا يقفُ الأستاذ الغنوشي في حواره مع صحيفة “الشروق” عند هذا الحد بل يقول الكثير المُثير الخطِر :

( نحنُ في النهضة أكثر ليبراليّة من غيرنا فقد حرصنا على أن لا تتدخّل الدولة في المسائل الخاصة للناس من إعتقادات ولباس أو إرتياد المساجد أو الحانات عكس غيرنا الذي ما زال يسعى إلى فرض سلوكات خاصة على الناس أو إدانة سلوكات أخرى، وهذا الأمر مرفوض لأنّ الحريّات الفرديّة والشخصيّة مقدّسة ما لم تضر بالآخرين ). إنتهى

حديث الغنوشي أعلاهُ عن تمسُّك حركة النهضة بعدم تدخل “الدولة” في الأمور المتعلقة بسلوك الناس و شئونهم الخاصة مثل إختيارهم “لدينهم” و”الملابس” التي يرتدونها أو شربهم “للخمر” في الحانات وإعتبار أنَّ هذه الممارسات تدخل في إطار الحرية الشخصية “المقدسة” يتناقض جذرياً مع المبادىء والأفكار التي يدعو لها تيار الإسلام السياسي في جميع بلاد العرب والمسلمين.

لا أشكُّ مُطلقاً أنَّ ضغوط الواقع الإجتماعي والثقافي التونسي هو الذي تسبَّب في هذه التحولات “الجذرية” في فكر الغنوشي والنهضة, مثلما فعل الواقع “التركي” مع رجب طيِّب أردوغان وجعلهُ يُبشِّر “بالعلمانية” بإعتبار أنها لا تعارض الدين, وهو الأمر الذي أثار غضب جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

غير أنَّ الأمر الذي يعنينا في السودان – خصوصاً هذه الأيام – هو موقف الغنوشي وحركته من موضوع الحوار والتوافق الوطني, وهو الموقف الذي أظهر نضوج تجربة النهضة وتفوقها الكبير على نظيراتها في المنطقة العربية, خصوصاً في مصر وكذلك السودان.

في تناوله لقضية الحوار الوطني قال الغنوشي : ( لقد انخرطنا في الحوار الوطني على أساس تكامل المسارات اي استقالة الحكومة بعد المصادقة على الدستور، والتوافق على رئيس حكومة توافقي، وانتخاب هيئة الانتخابات. وفي المحصلة النهضة ضحت بالحكومة ولكن بعد وضع تونس على سكة الانتخابات ) . إنتهى

حديث الغنوشي أعلاهُ يعكس جوهر المطالب التي تنادي بها المعارضة السودانية في موضوع الحوار, وهو ضرورة وضع البلاد في “المسار الصحيح” بحيث لا يُهمين حزبٌ واحدٌ على مقاليد الامور, وبالتالي تصبح  الإنتخابات مُجرَّد عملية شكلية لإعادة إنتاج نفس النظام, ونفس الوجوه. لا بدَّ أن تتحول الإنتخابات لأداة حقيقية للتغيير, وهو الامر الذي يجب أن تعيه الحكومة السودانية, وتستفيد في ذلك من التجربة التونسية.  

قال الغنوشي كذلك (  نحن حريصون على أن لا يهيمن حزب واحد على السلطة ، وعدم ترشحنا للرئاسية هو جزء من هذا المنهج ، الشعب التونسي قام بعملية فطام على الحزب الواحد والزعيم الواحد ، ويجب أن نتعود على التعددية وتوزيع السلطة ، نحن في النهضة كبحنا جماح أنفسنا ). إنتهى

هذا حديث عاقل لم تأبه به جماعة الإخوان في مصر عندما قررت الإنفراد بالسلطة بصورة كاملة وبدأت في تطبيق سياسة “التمكين” التي إنتهجها من قبل إخوان السودان فكانت النتيجة فقدانهم للحكم ولشرعية وجودهم.

ختاماً : قد أثبتت حركة النهضة التونسية – على الأقل حتى الآن – أنها أكثر تنظيمات “الإسلام السياسي” قدرة على تطوير أفكارها حتى تتوائم مع الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي, وعلى الإستفادة من الأخطاء التي وقعت فيها نظيراتها في بلاد أخرى, وهى في ذلك بلغت مدى جعلها تخرج بجرأة وجسارة عن “ثوابت” مُقدسة لدى اصحاب ذلك التيار, وإذا إستمرَّت على هذا النهج ولم تتراجع فستكون هى النموذج الذي سيقود ركب الإسلام السياسي في المستقبل.

boulkea@gmail.com