عادل العفيف مختار طرفة تحكي في نواحي شرق السودان مفادها اندهاش ذلك المواطن البسيط فيما يسمعه ويراه، فأمير وحاكم تلك البقعة يتلو القرآن أناء الليل وأطراف النهار وهو يبكي، ولكن ما 

أدهش المواطن أن حاكم تلك المنطقة لم تمنعه تلاوته الباكية من أخذ حق الناس بالباطل فقال والدهشة تعلو ملامحه ” فلان حق الناس ياكل ، ويسمع كلام القرآن يبكي”. الكلمات بسيطة ولكنها معبرة وذلك أن الحاكم قد أفرغ الدين من محتواه الأساسي والذي من أجله أنزل وهو خلق فرد صالح، وحكام صالحين همهم الأول والأخير هو  توفير كل أسباب الحياة الكريمة لمن جعلتهم الأقدار تحت مظلة حكمهم.

  الإسلام الذي نعرفه علمنا أن من أوجب واجبات الحاكم الإهتمام بمعاش العباد، وليس فقط رفع شعارات هلامية وعدم إنزالها إلي أرض الواقع، وإلا فليقل لي جماعة “هي لله” ماذا تعني العبارة إذا كان من يقال له ذلك يكابد الأمرين طوال النهار ليحصل علي وجبة بائسة هي بكل مقاييس علم التغذية غير ذات فائدة إن لم تكن مضرة بالصحة.

  إن الله سبحانه وتعالي والذي تدعون أنها “هي له” لم يطلب منكم أن يكون إسمه الكريم إحدي أدوات التجويع، وشعار هي لله تم تجييره سياسيا، اذ أن الكلمة تحمل مضمونا خفيا معناه إن أنت جعت فاعلم أن جوعك هذا في سبيل غاية كبري وهي التوجه إلي الله، هذا إفك وفقر في الفكر وخطل في الرأي وضلال وسوء تخريج للعبارات ومتاجرة بدين الله.

  هؤلاء الأفاكون برعوا في إطلاق عبارات لا تعني للأذكياء من أبناء السودان شيئا، كأن يقول أحدهم ” نحن أتينا لربط قيم السماء بالأرض” وهنا يحق لنا التساؤل بأن نقول وهل قيم السماء هذه تقول بأن نجوع فيها ونعري؟ أم  أن قيم السماء تقول أن تشبعوا ويجوع غيركم، أن تسكنوا القصور وغيركم الأكواخ البالية، أن تنعموا بالكهرباء لا مقطوعة ولا ممنوعة وغيركم في ظلام دامس، أن تنعموا  بماء عذب زلال و يشربه غيركم كدرا وطينا.؟

  بالأمس صرح حسبو النائب الثاني لرئيس الجمهورية تصريحا غريبا لا يصدر إلا ممن ختم الله علي قلبه وعقله، بأن قال” ما جينا لنطعم الناس ونسقيهم، ونوفر لهم الكهرباء والزلط”. والله لو صدر مثل هذا القول من نائب رئيس جمهورية في أي مكان في العالم سواء هذا البلد المكظوم، لأودع في أقرب مستشفي للأمراض العقلية. ألم يسمع من يدعي الإسلام منهجا بالحديث النبوي الشريف” الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته” ،  ومن ضمن المسؤولية هذه توفير الماء والكهرباء والزلط. أم أنه أيضا لم يسمع عن الفاروق وبغلة العراق؟

ثم يأتي عراب آخر داعيا إياهم للهجرة إلي الله، ولست أدري ماذا سوف يقولون لله الذي يريدون الهجرة إليه. إن الهجرة إلي الله تعني الزهد في الدنيا وترك بهرجها، ونحن لم نعهدهم إلا متكالبين عليها تكالب الآكلة علي القصعة بشره من قضي عمره جائعا، وكأني به يريد تعويض أيام الفقر والحرمان والمسغبة، ونحن  نعلم أن شر القوم من شبع بعد جوع، ومن اغتني بعد فقر، وذلك لأن الخير فيهم دخيل، كما قال الكرار كرم الله وجهه”لا تعاشر نفسا شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل.”

الإسلام الذي نعرفه يأمر بالعدل وأنتم ظلمة، والإسلام الذي نعرفه يأمر بالصدق في القول وأنتم أكذب من سجاح وزوجها مسيلمة، والإسلام يأمر بحسن الخلق وأنتم أصحاب لؤم ودناءة في الأصل ونفس شحيحة. والإسلام يأمر بحسن الجوار ” مازال جبريل يوصيني بالجار” وانتم ما عرف عنكم إلا مكائدكم ومؤامراتكم علي من أحسن إليكم في لؤم هو غريب علي أهل السودان. والإسلام يأمر بحفظ المواثيق والعهود وأنتم تنقضون غزل عهودكم في اليوم ألف مرة، حتي لم يعد من حليف لكم بين الدول.

  لقد بلغ بكم سوء الخلق أن لم يسلم منكم حتي مال الله من الزكوات وجوعتم حجاج بيت الله الحرام حتي هددتكم حكومة السعودية بإصلاح الحال في 24 ساعة فقط قائلة لكم نصا” عيب عليكم” ومادري السعوديون أن هؤلاء هم أهل العيب، ألم يسمع هؤلاء الأوغاد آيات الله تتلي عن سقاية الحاج وعمارة المسجد لا تجويعه وأخذ ماله، وما دري السعوديون أن القرآن الكريم عند هؤلاء هو عقوبة يوقعونها علي بعض منسوبيهم من اللصوص. والله أن المرء ليعجب من جرأتكم علي الله ومن حلم الله عليكم.

  لقد أجبرتم حجاج بيت الله علي دفع مبلغ 1400 ريال نظير الثلاث وجبات، وهو مبلغ كاف لإعاشة أسرة مكونة من 7 أشخاص لمدة شهر كامل، علي أن تكون الوجبة الأساسية هي الدجاج، وأنتم أطعمتموهم من بقلها وقثائها وفومها وعدسها. فالذي لم يردعه إيمانه وإدعائه التدين الذي يتشدق به، أن يصل به اللؤم والشح بتجويع ضيوف الرحمن لا يحق له التحدث بإسم أي دين، سماويا كان أم وضعيا دعك من الإسلام. لهؤلاء الأوباش نقول أن أفعالكم تناقض أقوالكم، وأن الدين الذي تدعونه ليس هو ديننا ، بل لكم دينكم ولنا دين.

محاضر بالرياض

adilafifi@hotmail.com