مجتبى سعيد عرمان ما من عاقل يتمنى لبلاده  الخير والنماء وتحقيق النمو المطرد فى عالم اليوم يرفض فكرة الحوار والتحاور فى زماننا هذا لانه ببساطة اسلوب حياة وسمة من سمات المجتمعات المتحضرة والمتمدنة, 

نقطة وسطر جديد- ولكن دعونا نتساءل وبشكل جدى: هل حقا ان المؤتمر الوطنى يعى ما يقول؟ اى هل الطبقة الحاكمة فيما تبقى من السودان جادة فى مسألة الحوار مع الآخر المختلف وغير مؤتلف وعلى قدم المساواة ( On an equal footing)   ؟ ونحن من جانبنا نجيب وليس رجما بالغيب: ( الطبقة الحاكمة) غير جادة بالمرة فى مسألتى الحوار وإيقاف الحرب التى دمرت الانسان والبيئة معا لعدد من الاسباب التى يمكن إجمالها فى الأتى:

المنطلقات الفكرية والفلسفية لجماعة الاسلام السياسى الذى جاء للسلطة عن طريق الانقلاب العسكرى وكان شعاره ” فلترق منهم دماء او ترق منا الدماء- او ترق كل الدماء” لا يمكنه التخلى عن السلطة فى الغرف المكيفة, وهذا ما إستدركه السيد الصادق المهدى حينما حضر الجلسة الإفتتاحية لوثبتهم الكذوبة ومن ثم توجه بخيله صوب ثقل المعارضة المسلحة – الجبهة الثورية مع دفن الوثبة الكذوبة فى أحمد شرفى.

أيضا جل حركات الاسلام السياسى, والمؤتمر الوطنى على وجه الخصوص لم تمارس الحوار داخل الاطر التنظيمية الداخلية لمنظومتهم وذلك بحكم التراتبية والهرمية والبناء المغلق الذى يقوم على طاعة ( المرشد) أو الامين العام حينما كانت تسمى الجبهة الاسلامية القومية – وهو شكل البناء التنظيمى لمعظم حركات الاسلام السياسى –الذى هو خليط من افكار حسن البنا وسيد قطب وبعض ما اقتبسوه من التنظيمات الشيوعية …فالأجواء التى يتربى فيها الاخ المسلم داخل التنظيم لا تقوم على تبادل الاراء بشكل حر وبناء وحتى المواقع التنظيمية لا يتم تبادلها بشكل ديمقراطى وشفاف وانما تقوم على التكتل وتقريب الاكثر سمعا وطاعة للمرشد او الامين العام للتنظيم كما فى الحالة السودانية. وفى بعض الاحيان يتم الإصطفاف على أسس قبلية وما إدعاء الشورى الا كذب صريح مما أدى الى التعرية السياسية والاجتماعية واصبح التنظيم جزرا معزولة لا روح فيها ولا مؤسسية.

علاوة على ذلك, التنظيم الاسلامى فى السودان يختم المنتسب إليه بختم التشدد والغلو والتجهم وكأنهم لم يسمعوا ب ( تبسمك فى وجه أخيك صدقة) وهو نتاج للفلسفة التى تقوم عليها معظم تنظيمات الاسلام السياسى- وهى مقتبسة من فلسفة سيد قطب التى كفرت المجتمع ووصمته بجاهلية القرن العشرين ومن عباءة سيد قطب خرجت جل تنظيمات التكفير التى تركت حياة التمدن واتجهت صوب الجبال لان الأكل والعيش فى تلك المجتمعات حرام. والمدهش حقا انك تجد التنظيم يترك بصماته المضرة حتى فى طريقة المشى وإطالة اللحى ووضع العمامة والكلمات المشفرة على شاكلة ( احسب ان… وجزاك الله خير) وهو مثال حى للتدين الشكلى والكذوب لانه يترك اهم مافى الاديان من خير مثل عدم الاعتداء على المال العام, والكذب, والتقشف والتواضع ولكن هؤلاء الامويين الجدد استخدموا الدين كواجهة سياسية واقتصادية وكان اسلامهم إسلام السمسرة وإطالة البنيان ومثنى وثلاث من النساء وتناسوا تماما مسألة العدالة الاجتماعية والتراحم والتوادد وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا لا لنتقاتل ودم المسلم وغير المسلم حرام!!

يا سادتى نريد حوارا بعيدا عن السيطرة الامنية والمالية للمؤتمر الوطنى- ديمقراطيين وعلمانيين ومتصوفين وحركات مسلحة وغير مسلحة لكى نجتاز الدولة الجحيمية التى ادخلنا فيها المؤتمر الوطنى..حوار شفاف وحر لا يرى فى الآخر مرتزقا وعميلا وانما سودانيا ووطنيا وغيورا على بلاده مثله مثل الآخرين …ومن الذى يعطى صكوك الوطنية فى السودان للغير ؟ نريد حوارا يمضى بنا الى بناء دولة مدنية –علمانية تساوى بين البشر غض الطرف عن الانتماءات العرقية والدينية سياسيا وثقافيا- وهو الشرط الوحيد لبناء دولة المواطنة ونكون شركاء لا اجراء فى الارض و الوطن بعيدا عن سيطرة العسكر- الفاشيست.

نريد حوارا فى الهواء الطلق يمكن كل شخص من الجهر وبصوت عالى فيما يخص حاضرنا ومستقبل الاجيال القادمة، وفى الغذاء الخالى من المواد المسرطنة وفى التعليم ذو الجودة العالية وفى مسألة الجندر ومساواتهم فى الحقوق والواجبات تجاوزا لمجتمع الحريم ودولة الرعية .نريد حوارا شفافا يتجاوز مرحلة صعود البربرية السياسية التى كان حاصل جمعها: القتل والتقتيل ونهب الثروات وتخريب الإقتصاد الوطنى والبؤس الاجتماعى والشقاء الانسانى…نريد حوارا يؤسس لمرحلة الرقى الإنسانى وتغيير فى البنى السائدة إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا والتى انتجت الارهاب والدمار ووضعت البلاد فى مؤخرة الدول الفاشلة. نريد حوارا يؤسس لدولة القانون – لا أحد فوق القانون ولا أحد يتلوى من الجوع وأجهزة دولة وطنية تتبع الدستور وليست فوق المحاسبة والدستور كما بنيت دولة الاسلام السياسى- فتلك أجهزة مدججة ومليئة بالحقد والإستبداد والغباء والاستعلاء على المواطن وقانونها الافتراس …نريدا حوارا فى الهواء الطلق-حرا طليقا للسجال والابداع يحسسنا بأننا أبناء تلك الارض التى انجبت محمد وردى والفيتورى والدوش وعبد الفضيل الماظ ودكتور جون قرنق والامام المهدى وبقية العقد الفريد- الذين ساهموا بأكثر من ( أثر الفراشة) فى بناء الوطنية السودانية.

زبدة القول, الحوار الحالى لا يؤدى الى بناء وطن يسع الجميع. ومنذ متى كانت الانظمة القمعية تذهب على مائدة الحوار والغرف المكيفة من لدن صدام حسين والقذافى ومبارك؟ فالمؤتمر الوطنى اصلا لا يعترف بالآخر – فالآخر هو الجحيم وكفى. وفكر الاخوان المسلمين يقوم على إسترداف الآخرين ونفيهم وسحقهم وتهميشهم كما بينت تجارب السلام من الداخل والخارج. ونريد سلاما يمحو خمسة وعشرين عاما الذى هو تاريخ قتلانا ودمائنا والقمع الوحشى الذى مورس ضدنا وبدد طاقاتنا وإرادتنا وقسم الوطن الى وطنين وزاد من حدة التناقضات الإجتماعية والإنقسام الطبقى ….نريد حوارا يطلق سراح شعبنا من معتقله وسجونه الكبيرة …نريد حوارا يغيير من البنى السائدة سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا ولا بديل سوى الدولة الديمقراطية- العلمانية التى تفصل بين السياسية كفعل إنسانى بحت والدين كتجربة روحية شخصية فى التعليم والسياسة والثقافة. نريد وطنا لا يقذف ببنيه الى أرض المجهول ولا يترك الازواج زوجاتهم تحت وطأة الملل والفراق ولا الأطفال يزرفون الدمع على الآباء الذين تأكلهم نار الغربة …..نريد حوارا لا نصبح فيه كاليتامى على مآدب اللئام …وكم هو قبيح ومذل لئوم الاخوان المتأسلمين!!

ونراه قريبا ويرونه بعيدا وحتما سوف يكون لنا وطنا أكثر إشراقا وأقل استنزافا.