د.ناهد محمد الحسن  عندما شارف العهد التركى على نهايته..كانت الذات السودانية ايضاً على وشك الانتهاء ...تعيش حالة من الارتباك النفسى والفكرى وتخلطاً عاماً فى القيم والاتجاهات ...

لذلك ظهرت استجابات نفعية وانانية متطرفة لترضية الذات . هذا وغيره من الفوضى الاجتماعية والنفسية والاقتصادية , كان طرفا فى الارتباك العام والتفكك الثقافى الذى ثوّر المهدية وشرعنها . فخطت المهدية اولى خطواتها تحمل جل الشروط التى صاغها الانثربولوجيين كأسباب لنجاح الحركات الاحيائية والتجديدية . ومن ذلك ماذكره د. عاطف وصفى فى كتابه الثقافة والشخصية: ان المجددين يجددون فى اطار الحدود التى تفرضها ثقافتهم والموقف المحلى والقدرات الفردية هذا بالاضافة الى عامل قبول المجتمع او عدم قبوله للتجديد وعامل العملية المعرفية التى يصاغ فيها التجديد .  وبغض النظر عن رأيى الشخصى فى مهدية المهدى من عدمها , كانت الابعاد الغيبية ضرورية لاعادة بناء الثقة فى الذات الانسانية باعتبار ان العهد التركى كان ينتمى لذات المؤسسة الدينية واتى بسلطة الامارة على المؤمنين وتسلط بها على رقاب السودانيين وانتج فئة وسيطة هى فئة العلماء التى قاومت لاجل مصالحها الثورة المهدية . وردود فعل هذه الجماعة لاتعدو المواقف التى يواجهها المجددون فى اى ثقافة اخرى باعتبار ان النمط الثقافى القديم مهما كان فاشلا فى تقديم خيارات فكرية وحلول واقعية الا انه يؤسس لمصالح البعض مستغلا حالات الجمود الثقافى المرتبكة والمفككة فى انتظار بدائل احيائية جديدة . كما ان فكرة المهدى المنتظر كانت تشكل الامان والضمان النفسى لجماعات باتت تعانى من القهر والخوف وبالتالى اطلقت بالثقة فى الغيب مخاوفها فتحررت  من عجزها وابدعت ايما ابداع تجلى فى التضحيات العظيمة والتكتيكات الحربية الخلاقة .وفى هذا يقول د. عبد الله على ابراهيم: ثم نأتى للاثر الباقى للثورة المهدية , هذا الاثر مرهون بالقدرات التاريخية للقوى الاجتماعية التى فجرتها وبالعصر الذى تفجرت فيه . وان جوهر المهدية يكمن فى قدراتها الجريئة لتحويل الدين لصالح القوى المقهورة ومدها بسلاح تهزم به القهر , واى محاولة لانتزاعها من ذلك السياق التاريخى واضفاء صفات ازلية عليها هو تشويه لجوهرها ويعكس عجز القوى البشرية التى تعمل جاهدة لهذه النقلة التاريخية الصماء _د.محمد سعيد القدال _ الاسلام والسياسة فى السودان.

مشكلة هذا المقال انه عن القهر , وهى سيرة لا يمكن صياغتها بالقفز على الدولة المهدية والتجاوزات التى تمت فى عهدها , وهى قفزة شائكة علينا جميعا كتابا ومحللين وقراء باعتبار ان الثورة المهدية هى اول دروس الحب السودانية التى تعلمناها والتى نربت عليها فنعرف الوطن الذى نجهل والسودانيون الذين نحب . لذلك لابد ان نفرق بين الثورة المهدية والدولة المهدية , بين المثال والواقع التطبيقى الذى تحولت فيه الادوات التى تم توظيفها لتحرير الشعب الى ادوات لقهر ذات الشعب ومن هنا سأختبئ من محبتى للمهدى فى جرأة الاستاذ محمد عبد الخالق بكرى , الذى اورد فى كتابة سيرة الاعدام السياسى هذه التجاوزات التى اسلمت الذات السودانية الى سيرة قهر جديدة وبايدى سودانية مائة بالمائة !.

يقول الاستاذ محمد ان قانون الدولة المهدية تجاوز احكام الشريعة الاسلامية السنية بأضافة نطاق جديد لدائرة التجريم والعقاب . وهو النطاق المتعلق بالتصديق بالمهدية واتباع تعاليمها , فصارت الاحكام الجنائية العادية تختص بها احكام الشريعة الاسلامية فى الحدود والقصاص , اضافة لاختصاصها بقضايا الاحوال الشخصية بينما صارت احكام الجرائم السياسية داخلة فى نطاق مبدأ المهدية نفسه . وللتدليل على هذا الرأى اتى البكرى بهذا المقتطف من منشورات المهدية التى حقق لها ابو سليم وهو منشور الدعوة المهدية : وحيث الامر لله والمهدية المنتظرة ارادها الله واختارها للعبد الفقير محمد احمد بن السيد عبد الله فيجب التسليم والانقياد لامر الله ورسوله وبعد هذا البيان فالمؤمن يؤمن ويصدق لان المؤمنين هم الذين يؤمنون بالغيب ولاينتظرون لاخبار احد فمن انتظر بعد ذلك فقد استوجب العقوبة لانه( ص ) قال من شك فى مهديته فقد كفر بالله ورسوله ثلاثاً). كما اسلفت ليس من شأن هذه الدراسة الخوض فى النواحى الدينية والشرعية لمهدية المهدى بل ستقف على الدلالات النفسية للامر باتباع المهدية باعتباره امرا تتبعه عقوبة دنيوية يصوغها صاحب الدعوة .وهى عقوبات مختلفة ولمخالفات عدة , بعضها سياسى , اخذت صبغة الاحكام الدينية الحدية والتطهيرية . وللذات السودانية التى خرجت للتو من مسلسل قهر طويل وتاريخى لم تبلغ فيه اناها الناضجة بعد …يسهل تدجينها واخضاعها خصوصا وان الخضوع الجديد لسلطة غيبية قاهرة سبق وان اسهمت فى انعتاقك ..فتقع الذات فريسة الارتباك بين الثقة فى الغيب والتظلم الموضوعى والواقعى من الممارسات القاهرة للعهد الجديد . ومن ذلك : اما بعد فمن بعد قتل الكفرة وفتوح المديريات نرجع على كل من خالف امرنا نقتله وننفذ اشارته (ص) ونحيى دين الله . وهكذا ذهبت كثير من المناشير الى ربط فلسفة العقاب بالمصدر الالهى . ومن هنا ارتبكت علاقة السودانيين بالغيب فمن ناحية , هو الامل الاخير للذات التى فقدت كرامتها وارادتها والتى سبق واطل منها المهدى الرجل الذى حررها من سلطة القهر الخارجى المتمثلة فى الاتراك ومن ناحية اخرى هو السلطة التى مورس باسمها ابشع انواع القهر على السودانيين بطول تاريخهم الى يومنا هذا . وبذلك انتهى السودانيون الى ما يعرف (بمأزق التجمد ) والتى يقول عنها الدكتور عاطف وصفى انها حالة تصيب الكثير من الافراد فى حالة صدمة الفقدان الثقافى , ويقصد بتلك الحالة تشبث الافراد بنسق اجتماعى وثقافى غير منظم ومضطرب .

تظهر ملامح هذه العقوبات بصورة واضحة عند خضوع احد انصار المهدى لعقوبة من العقوبات , نتيجة مخالفته لامر ما  و حيث يبين المهدى فى مخاطبته للمعاقب المقصد الدينى وراء العقوبة . ولعل رسالة المهدى الى المك ادم عمر بعد سجنه كان لتصفيته ذاكراً( فمن كان له نصيب عند الله اتى الله طوعا او كرها , ولولا ما ظهر عليك الذى ظهر لكنت تروح منطوى على النفاق , اعاذنا الله واياكم من ذلك ولكن رحمة بك اظهر الله عليك هذا لتزيل عنك ما يشقيك ويفوت عليه النعيم الدائم فافرح بما كان لك كفارة من الحبس والسجن فان ذلك خيراً لك فإن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات والعبد المؤمن يؤجر رغم انفه . وفى هذا المعنى خاطب المهدى العديد من المعاقبين مبينا ان السجن لخلاصهم وتصفيتهم امثال الخليفة عبد الله ابى صفية وصالح المك وعبد الله المسلمانى وغيرهم. وكانت نفس الرؤية تمتد لتشمل الاعدام ولعل ما اشيع بعد اعدام المنة اسماعيل من ان المهدى قال  بان الفكى المنة طهره القتل وعفا عنه يدلل على ذلك . وبالاضافة الى اوامر المهدى كجزء من التشريع , يرى الاستاذ محمد انه كان هنالك مصدر اخر للتشريع هو الخليفةعبد الله التعايشى وما يصدر عنه من قرارات . وهو مصدر اقره المهدى بمنشور جاء فيه : فحيث علمتم ذلك يا احبائى ان الخليفة عبد الله هو منى وانا منه اشار اليه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فتأدبوا معه كتأدبكم معى وسلموا له ظاهرا وباطنا كتسليمكم لى وصدقوه ولا تتهموه فى فعله . ويقول ( واعلموا ان جميع افعاله واحكامه محمولة على الصواب لانه اوتى الحكمة وفصل الخطاب ولو كان حكمه عل قتل نفس منكم او سلب اموالكم ) .

وهكذا واجهت الثورة المهدية كغيرها من الثورات, اشكالات انزال الخطاب المثالى الى الواقع . وقد اورد  الدكتور محمد سعيد القدال عن اينشتاين المقولة الاتية :عندما تتصادم اسس اى فكرة مع عملية تجسيدها فإن هذا التصادم فى حد ذاته يجب ان يدلنا على ان هنالك خللا ما فى مكان ما لابد ان نبحث عنه . فهل كان الخلل فى الخلفية الغيبية للدولة المهدية ام من التسلط  باسم الغيب على الواقع السودانى ؟ ومهما كانت الاجابة فإن الاطار الغيبى للثورة مسؤول بشكل او بآخر عن اخطاء الدولة  المهدية .